أوهام يومية!

منذ فترة طويلة، ليست طويلة تماماً غادرت الكتابة، وبقيت مداوماً على نشر بعض الشذرات أو الهوامش العابرة. للأسف الشديد، لم أكن اعرف ان الكآبة واليأس والقنوط تتسلل للمرء بخفة، كما تفعل الاشياء المسكرة في متناوِلها، فهي تبدأ بالدبيب بخفة في شرايينه العطشى، ومن ثم تتكاثف وتنتشر، وتأخذ حيزها ومفعولها في الجسد لتحوله الى كتلة راقصة مع المحيط، أو كتلة هامدة القت بها "نشوة" ما من سماء بعيدة.

في الجانب الأخر، كنت اراقب ما ينسل لداخلي بشيء من التعجب! تعجب مصحوب بعجز عن مقاومة ما يحدث، هل وجدت نفسك يوماً محاطاً بشرنقة لزجة، تمنعك من تحريك جفنيك حتى؟ هكذا هو الحال، اليأس المتكاثف كغيوم غاضبة، كان يتجمع هنا، في مساحة ضيقة، مساحة تتقلص ذاتيًا كلما اقتربت تلك القطع السود نحوها، وتتلبد اجواء الكتابة الى الحد الذي يصيّر فعل الكتابة شيئاً من العبث المفرط. فتتوقف مجبراً عن هذا الحد من العمى.

ما حدث أني لم أعد قادراً على القول، أو لأكن اكثر رحمةً بنفسي، فما عادت تحتمل الكثير من الجلد، لم أعد مؤمناً بما أقول، وما يقوله الأخرون حولي، وهنا لابد لي من الاعتراف، أن " \الأنا" دفعت بشراسة لأشرك الأخر/في هذا الفعل (عدم الايمان).

فكل ما يقال الآن، وما أقوله مجرد أوهام متصلة ببعضها في الظاهر، هي تخادعنا بهذا الاتصال، لكنها في العمق مفككة، متباعدة متناثرة، لا يربطها شيء سوى كونها جميعاً "أوهام" نمارسها علناً، لتعويض عن عجز ما بداخلنا، فأكثر الناس بذاءة، أولئك الذين يعجزون في الواقع!

مناسبة هذه الدفقة السريعة، أنها بلا مناسبة، فلم أعد بصراحة مؤمناً ايضاً أن ثمة ما يستحق أن يكتب لأي مناسبة، فمعنى أن تكون هناك مناسبة، هو بذاته "وهم" ينبغي الخلاص منه، وبشدة، فكيف لمن يصل الى هذا القاع مثلي، أن يصدق بحديث بلا مناسبة، فضلاً عن ذلك "الهراء" الذي يتلى في المناسبات، أو يدون على أشرطة الاحتفاءات المخادعة.

الكتابة، جزء بارز من غاطس أسمه وهم الوجود، الذي يراد لك أن تنغمس فيه، وتنغمر في مياهه "الافتراضية"، ومن ثم تواصل أداء دورك في التحول لسادن هذه الأوهام، فـ "الانا" الخبيثة التي تدفعك للاشتراك في حفلات الوهم، هي ذاتها تجبرك على نقل "فايروس الأوهام" الى ذريتك، سواء تلك التي تأتي من مباشرتك، أو تلك التي تلوثها بقذف ما عندك من فائض "أنا" في فضاء الكتابة اللعين هذا!

هل عرفتم، ما أعني، أشك في ذلك، لكني سأفترض، أنكم ستقولون أن ما قيل، هو ايضاً جزء من عملية صناعة "الوهم" وتحويله الى سلعة في بازار التنافس المجاني الذي لا يخسر من يدخله، سوى الكثير من تحريك عضلته المنزلقة، أو تكديس المزيد من الحروف على فضاء أصم كهذا الذي "...." بكل هذا الهراء!