أول رسالة ماجستير مصرية تناقش فلسفة كارل بوبر السياسية

دارت مناقشتها في آداب عين شمس

القاهرة ـ حصل الباحث أحمد فاروق على درجة الماجستير عن أطروحته الأكاديمية التي تحمل عنوان "من الإبستمولوجيا إلى الإيديولوجيا: دراسة تحليلية - نقدية لفلسفة كارل بوبر السياسية". وذلك في الفلسفة السياسية من كلية الآداب جامعة عين شمس، ونالها بتقدير امتياز.
وأشار الباحث إلى أن القرن التاسع عشر الميلادي كان قرن الليبرالية في أوروبا، حيث جسد المبادئ والقيم الليبرالية في مؤسسات اجتماعية وسياسية وٳقتصادية. ولكن سيادة الليبرالية لم تستمر إلى وقت طويل، فسرعان ما ظهرت حركات سياسية واجتماعية مناهضة لها. وأدى هذا الوضع إلى محاولات من أجل الإصلاح، لكن بطء الإصلاحات كان ملحوظاً وله تأثيرات عميقة على الحياة الاجتماعية والسياسية، وترتب على ذلك ظهور الاشتراكية بوصفها البديل القادر على ٳنجاز ما فشلت الليبرالية في القيام به. وفي هذه اللحظة تحول الصراع السياسي إلى صراع اجتماعي، واتسع نطاق الصراع ليشمل كل أشكال الحياة الإنسانية.
وأضاف فاروق أنه بحلول مطلع القرن العشرين كانت أوروبا تواجه أزمة عميقة، تهدد الحضارة المسيطرة على العالم.
ولد كارل بوبر 1902- 1994 وتربى خلال هذه الأزمة، بل ٳنه اشترك في الأنشطة السياسية التي كانت تقوم بها الحركات السياسية المناهضة لليبرالية. ولكنه سرعان ما قرر الابتعاد عن العمل السياسى المباشر، وظل مشاركا في الاعتقاد بالحاجة إلى القيام بإصلاحات كبيرة. وأدى به ذلك ٳلى العلم، فقد كان العلم يعمل كمؤسسة محايدة في الصراع الدائر، وكان العلم أيضا يتطور بشكل كبير. ونتيجة لذلك ظهر الاعتقاد في ٳمكانية أن يكون لدى العلم حل للمشاكل التي عجزت السياسة عن التعاطي معها. وشارك بوبر في هذا الاعتقاد بحماس، ونتيجة لذلك بدأ في تطوير رؤيته الشخصية للعلم، ومن هذه الرؤية خرجت فلسفته للعلم. وتميزت هذه الفلسفة بالتركيز على الاكتشافات الأخيرة التي توصل إليها علم الفيزياء. وترتب على ذلك نشر بوبر لأول كتبه عام 1934، ولاقى الكتاب استقبالا حسنا من المهتمين بقضايا العلم.
وعلى أثر ذلك شرع في تطوير فلسفته، لكن الأزمة التي أدت به إلى العلم، بدأت تلقي بظلال كثيفة على العلم والمشتغلين به وأدى ذلك إلى هجرته من النمسا. وعاد بوبر في منفاه الاختياري إلى الاهتمام بالسياسة التى هجرها منذ زمن طويل عازما عدم العودة إلى الاشتغال بها مرة ثانية. واتخذ هذا الاهتمام شكلا مختلفا عما سبقه، إذ حاول هذه المرة فهم الأسباب التي مثلت عقبة أمام قدرة العلم على حل مشاكل السياسة. لقد اتخذ الاهتمام شكل فلسفة سياسية، وتمثل هذه الفلسفة موضوع الدراسة: فلسقة كارل بوبر السياسية.
والحقيقة كما يرصدها أحمد فاروق أن بوبر لا يقدم فى أعماله "المجتمع المفتوح وأعداؤه" الذي صدر عام 1945 و"فقر المذهب التاريخي" الذي صدر عام 1957 وبعض المقالات والمحاضرات التي أعاد فيها ٳنتاج أفكاره الاساسية عن السياسة، لا يقدم فلسفة سياسية بالمعنى الدقيق للحد.
ويقصد الباحث بذلك تصورا عن النظام السياسي الفاضل أو الأسمى – المدينة الفاضلة ٳذا استخدمنا الحد الذى ابتكره الفارابي في القرن التاسع الميلادي. وٳنما هو يقدم نقدا لفلسفات السياسة والتاريخ التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وسادت في النصف الأول من القرن العشرين، وهي فلسفات سياسية وتاريخية (معادية) للفلسفة السياسية الليبرالية.
وذهب الباحث أنه بناء على ذلك رأى بوبر أن فلسفة العلم يجب أن تدافع عن المجتمع المفتوح، ويجب عليها أيضا أن تتصدى للفاشية المترتبة على محاولات العودة للمجتمع المغلق نتيجة لصدمة الحضارة من ناحية ولفشل المشروع الليبرالى للإصلاح من ناحية أخرى. ويجب عليها كذلك تقديم معيار للتمييز بين العلم من ناحية والعلم الزائف من ناحية أخرى، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق الإجماع على محاربة الفاشية التي تهدد لا العلم فحسب، ولكن الحضارة الإنسانية كلها بما في ذلك المجتمع المفتوح.
وبهذه الصياغة لإشكالية علاقة الفلسفة بالسياسة رأى الباحث أن بوبر قبل الليبرالية بوجهها القيمي حيث استخدم الاتجاه النقدي العام لنظرية المعرفة العلمية كتبرير لهذا القبول. وتضمن هذا القبول تسليما بمحدودية ما يمكن تطبيقه من مبادئ العلم على السياسة. فهو لم يعد في حاجة أصلا للتورط في المناظرة القديمة حول مناهج لعلوم الطبيعة وأخرى لعلوم الانسان أو الروح، مادام التركيز على الميثودلوجيا يجعل من الممكن لفيلسوف العلم أن يعالج القضايا الخاصة بالليبرالية والتي هي محل نزاع في المناظرة السياسية والاجتماعية الدائرة، باعتبارها قضايا تدخل ضمن نطاق (مشكلة المعرفة).
وبعبارة أخرى على حد قول الباحث فإن ما ينصح به بوبر هو التعاطي مع الليبرالية باعتبارها قضية من قضايا نظرية المعرفة العلمية أو كمقولة فرعية من مقولات نظرية المعرفة العلمية. ولا يعنى هذا الطرح أن الليبرالية ليست معنية في الأساس بمشاكل تقع خارج نطاق هذه المناقشات، بل ٳن القضية قضية أولويات. فسوف يصبح من الممكن تقديم توصيات سياسية حقيقية، ٳذا كان بمقدورنا التمييز بين العلم الحق وبين العلم الزائف لأن ذلك سوف يتضمن بطبيعة الحال القدرة على فهم القضايا الابستمولوجية والميثودلوجية المطروحة للنقاش بشكل صحيح.
ويذكر أن بوبر لا يزعم أن المفهوم الذي يقدمه للعلم والمنهج العلمي هو المفهوم الصحيح، لكن فلسفته بالكامل تعتمد على هذا الزعم الضمني. إذ أن اكتشاف عدم صحة هذا المفهوم سوف يؤدى بطريقة لا مفر منها ٳلى تداعى عمارة هذه الفلسفة بشقيها الابستمولوجي والسياسي. وهذا هو بالضبط ما قام بوبر بعمله مع الفلسفات والمذاهب السياسية والاجتماعية المعارضة للفلسفة الليبرالية.
تعيد بناء فلسفة كارل بوبر، التى يطلق عليها العقلانية النقدية، ٳشكالية لهذه الدراسة. وتتعلق ٳشكالية هذه الدراسة بمدى نجاح بوبر في تحقيق الأهداف التي وضعها لفلسفته، وحيث يقصد الباحث بذلك تقديم مفهوم للعلم والمنهج العلمي قادر على التمييز بين العلم والعلم الزائف من ناحية، وقادر من ناحية ثانية على تعيين حدود التفكير العلمى فى السياسة.
وتعود أهمية هذه الإشكالية كموضوع للدراسة ٳلى كون محاولة بوبر من المحاولات الجادة والنادرة في فلسفة العلم للسعي من أجل تقديم نسق يفسر نمو المعرفة العلمية وتأثير هذا النمو على المجتمع والسياسة في عصر طال فيه الشك كل جوانب الحياة الانسانية وأدى ٳلى نشوب حرب عالمية ثانية. فهل نجحت ٳبستمولوجيا بوبر- الإبستمولوجيا التكذيبية - فى ٳخراج المجتمع المفتوح من عثرته الإبستمولوجية والميثودلوجية؟ وهل يمكن لها أن تقدم له النظرية العقلانية التي يحتاجها من أجل مواصلة النمو والاتساع حتى يكون بمقدوره ذات يوم أن يجمع البشرية قاطبة بين جنباته ليحقق بذلك ما حلمت به الفلسفة؟
ويقدم الباحث سببا ثانيا دفاعا عن هذه الدراسة ويتمثل في أن وجود علاقة نسقية بين نظرية المعرفة العلمية كما يتصورها بوبر من ناحية وفلسفة السياسة والمجتمع من ناحية أخرى، هو أمر يتحدث عنه الجميع بما فى ذلك بوبر نفسه. لكن لم يسبق لأحد أن حاول توضيح كيف تبنى هذه العلاقة بين المعرفة والسياسة داخل فلسفة بوبر؟ وما الأسس التي ترتكز عليها؟ وهل نجح بوبر بالفعل في القيام بذلك؟
ومن أجل تحقيق الأهداف المنشودة اختار الباحث منهج البحث التاريخى من ناحية، والتحليلي- النقدي من جهة أخرى. فالبحث التاريخي تمثل في دراسة العقلانية النقدية وتطورها بأبعادها الابستمولوجية والميثودلوجية -المنطقية زمانيا وفقا لجدل الداخل والخارج. أما المنهج التحليلي- النقدي فرد المركب ٳلى عناصره غير القابلة للتحليل أي أصغر أجزاء المجموع.
وقسم الباحث أطروحته ٳلى خمسة فصول وخاتمة.
تناول الفصل الأول الخلفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأزمة الفلسفة السياسية الليبرالية في النصف الأول من القرن العشرين، ثم انتقل بعد ذلك للتحليل النقدي لأزمة الليبرالية الداخلية وكذلك المحاولات العديدة التي فشلت في تقديم حل للأزمة. وانتقل بعد ذلك إلى ٳلقاء الضوء على الطريقة التى يدخل من خلالها عمل بوبر ضمن نطاق هذه الاستجابة الفكرية لأزمة الفلسفة السياسية الليبرالية. واختتم هذا الفصل بمقارنة تفسير بوبر وتلاميذه لأزمة الليبرالية مع التفسير ما بعد البنيوى الذي انطلق أيضا من نظرية المعرفة العلمية حسب تصور التقليد الفرنسي التاريخي كما عرضه جاستون بشلاروتلاميذه.
وفي الفصل الثاني درس التطور التاريخي للإبستمولوجيا التكذيبية البوبرية، كما جسدتها أعمال بوبر وحواره الممتد مع الاتجاهات الفلسفية والإبستمولوجية المواكبة له.
أما موضوع الفصل الثالث فتناول المحاولة التي قام بها بوبر من أجل تقديم رؤية للمعرفة الإنسانية التي تميز العلم دون اللجوء إلى الاستقراء. وتتطلب مثل هذه الرؤية مفهوما استنباطيا للمنهج العلمي مستقلا عن كل مصادر المعرفة، لكنه مرتبط بالحقيقة والواقع، وبعيد في الوقت نفسه عن الاصطلاحية والنسبية. وبهذه الطريقة يعتقد بوبر أن بمقدوره تقديم الأساس اللازم لتقدم العلم مع بقائه متشككا. ويناقش الفصل الرابع مقاربة بوبر للفلسفة السياسية الليبرالية في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه". ونقطة الانطلاق في هذا العرض هي رفض بوبر للنزعة الماهوية لتأثيراتها السلطوية - السياسية والاجتماعية - على المجتمع والأفراد.
وبعد ذلك تناول الباحث أربعة مفاهيم أساسية في تصور بوبر للمجتمع المفتوح هي: القيم، النزعة الحمائية والدولة الديموقراطية، الهندسة الاجتماعية المتدرجة ودور العلوم الاجتماعية ، ومفهوم التاريخ.
أما في الفصل الخامس والأخير فدرس التطورات الفكرية المتأخرة في فلسفة بوبر السياسية - بعد المجتمع المفتوح - وما يكشفه ذلك التطور من نقاط انطلاق فلسفية ظلت خفية لأسباب لم تعد قائمة، ومن ثم أصبح الكشف عنها ضروريا لتجنب سوء الفهم.
يذكر أنه أشرف على الأطروحة الدكتور حسن عبدالحميد عبدالرحمن أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس. وشارك في المناقشة الشاعر الدكتور نصار عبدالله أستاذ الفلسفة السياسية بكلية الآداب بسوهاج جامعة جنوب الوادي، والدكتورمحمد يحيى فرج أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس.