أوضاع المجلات الثقافية في الوطن العربي

كتب ـ المحرر الثقافي
إشعاع ثقافي

في الكويت، ومن خلال ندوة مجلة العربي السنوية، اجتمع مؤخرا عدد من الكتاب والمثقفين العرب لتدارس أوضاع المجلات الثقافية العربية في الوطن العربي، وما وصل إليه حال تلك المجلات، في ظلال مراجعة شاملة لأوضاعها، ومدى تأثيرها في التكوين الثقافي للإنسان العربي على مدى العقود الماضية.
في البداية تحدث د. جابر عصفور من خلال بحثه "المجلات الثقافية: ميراث الماضي وآمال المستقبل" فقال: من الصعب فصل تاريخ المجلات الثقافية عن الصحافة، ليس لأن المجلات الثقافية بعض الصحافة فحسب، وإنما لأن فترة النشأة كانت تحمل تداخلا في المفاهيم، ولذلك كان يحدث أن يُطلق اسم الصحيفة على المجلة والعكس صحيح بالقدر نفسه. وهو الأمر نفسه الذي نلحظه في بداية النهضة حين كان مصطلح "الرواية" و"الروايات" - مثلا - يُطلق على "المسرحية" و"المسرحيات"، خصوصا بعد أن تم تعريب اصطلاح "التياترات" الذي استخدمه رفاعة الطهطاوي في كتبه الباكرة، وسار على دربه أمثال عبدالله النديم، وسليم الخوري الذي نشر مقالا عن "الروايات والروائيين" في "الضياء" (أبريل 1899) قاصدا إلى المسرح والمسرحيين. ولذلك لن نستغرب كثيرا لو أطلق اسم "المجلة" على الصحيفة أو العكس، خصوصا في مرحلة البدايات التي ترجع إلى مطالع النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويواصل عصفور حديثه فيقول: نحن نعتمد في فهم مرحلة البدايات هذه على كتاب الفيكونت فيليب دي طرازي "تاريخ الصحافة العربية". وهو كتاب عمدة يضم أغزر مادة يمكن تصورها عن الصحافة العربية منذ ظهورها في مختتم القرن الثامن عشر إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين. وظل هذا المؤرخ النادر لنشأة الصحافة العربية يستكمل مادته، إلى أن أصبح كتابه أربعة أجزاء، لا غنى عنها لكل من يريد معرفة نشأة الصحافة العربية.
ويرى عصفور أن الرواد الأول الذين أنشأوا المجلات الثقافية الأولى في الوطن العربي، كانوا ينطوون على وعي بهذا الهدف، وكانوا مدركين أهمية "المجلة الثقافية" سواء من حيث علاقتها بالصحافة عموما، أو دورها الموازي الذي جعلوا منه قوة دافعة لمسار النهضة العربية في القرن التاسع عشر.
وأي استرجاع لأهم المجلات الثقافية التي صدرت في القرن التاسع عشر يؤكد هذا التكييف، ويؤكد وعي القائمين عليها بدورهم الحضاري في معركة التقدم، كل في مجاله، ومن منظوره الثقافي المائز.
وعن دور المجلات الثقافية في ذلك الوقت قال عصفور: لقد كانت المجلات الثقافية آلة هدم العالم القديم والتمهيد لبناء عالم جديد، يخلو من كل سلبيات الماضي المتخلف وعوامل جموده. ولذلك خاضت المجلات الثقافية معركة النهضة - في سياق الصحافة بوجه خاص والثورة الفكرية الثقافية بوجه عام - التي اعتمدت على جهود صنَّاع النهضة الذين جعلوا من مجلاتهم الثقافية وصحفهم، سلاحهم في معارك الحريات السياسية والاعتقادية، وترسيخ حضور الدولة المدنية وتأكيد حتميتها في مسار التقدم، وأشاعوا مبدأ التسامح في الفكر والاعتقاد، وحاربوا الطائفية والنزعات العرقية، فضلا عن أشكال التمييز الراسخة ضد المرأة، ودافعوا عن حق المرأة في التعليم والمشاركة الاجتماعية، وانفتحوا على العالم بكل تياراته، واستبدلوا العلم بالخرافة، كما استبدلوا الأفندي المطربش بالشيخ المعمم، والتعليم المدني بالتعليم الديني، منطلقين مع الموجة الصاعدة للطبقة الوسطى التي اكتسبت من "المدنية" الحديثة ملامحها الأساسية: قبول التعدد العرقي، والتنوع الجنسي، والتباين الثقافي، والاعتراف بحق الآخر في الوجود. ولم ينسوا الوقوف في صف أنواع الإبداع الأدبي والفني الجديدة، فآزروها بما أكد حضورها وجعلها جزءا لا يتجزأ من بناء ثقافة النهضة التي ورثناها عنهم، ونحاول استرجاعها والانطلاق منها إلى ما بعدها، خصوصا في هذه الأعوام التي تتنكر لأعظم ما أنجزته النهضة من منجزات ثقافية. ويؤكد عصفور أن عصر النهضة (من الحملة الفرنسية إلى ثورة 1919) شهد وفرة دالة في إصدارالصحف والمجلات، وذلك على نحو لم يعد له نظير في زمننا الحالي.
ولكنه يرى أن "المجلات الثقافية" كانت لا تختلف عن الصحف في ميلها إلى هذا التيار السياسي الفكري أو ذاك، فكانت هناك الصحافة الوطنية والعثمانية والموالية لقوات الاحتلال هنا أو هناك، فضلا عن الصحافة الناطقة بلسان حال الأقليات الدينية، ابتداء من المسيحية واليهودية وليس انتهاء بالماسونية التي كانت لها جرائدها ومجلاتها.
هذا التعدد الذي لم يخل من صراع يمكن أن نجد بين عناصره قاسما مشتركا ـ كما يرى الباحث ـ نرده إلى قوة الدفع التي انطلقت به روح النهضة في النفوس، كل تيار حسب منظوره الفكري، أو تحيزاته السياسية، أو انتماءاته الطائفية أو الدينية. لكن هذا التنوع والاختلاف لم يمنع من وجود القاسم المشترك الذي أسهمت به المجلات الثقافية على وجه التحديد في الإضافة الإيجابية إلى قضايا النهضة وتحدياتها. وفي تقدير جابر عصفور أنه لم يواز قضايا الحريات السياسية والاعتقادية التي حققت فيها المجلات الثقافية، في علاقتها بنظائرها الداعمة في الجرائد، سوى قضية تحرير المرأة، النصف الثاني من المجتمع الذي كان تحريره يعني اكتمال ركن أساسي من أركان الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على المواطنة التي تساوي بين الرجل والمرأة، كما تساوي بين أبناء الأمة، بعيدا عن الفوارق الطبقية، أو الطائفية، أو العرقية، أو الجنسية. ويبدو أن أول من دخل هذا المعترك هو بطرس البستاني الذي ألقى خطابه الشهير "في تعليم النساء" سنة 1894، في مدينة بيروت.
ويواصل عصفور في بحثه الطويل قوله: إنه لا أدلّ على الحيوية التي أثارتها المجلات الثقافية (مع الصحافة) حول قضايا المرأة من مشاركة أصحاب الرأي ورجال الفكر فيها، ابتداء من بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وإبراهيم الأحدب وولي الدين يكن ومحمد فريد وجدي، وليس انتهاء بفيلكس فارس وعشرات غيرهم من الذين أسهموا بالتأييد أو المعارضة أو التحفظ على قضايا تحرير المرأة.
وعن صحافة المرأة العربية في هذا المعترك يتحدث عصفور فيقول: لم يكن من الغريب - والأمر كذلك - أن تُنشئ المرأة العربية مجلاتها الثقافية الخاصة، بعد أن أسهمت بقلمها في الصحافة اليومية مع الرجال، وفي مواجهة المقاومين لتحررها. وقد شهدت مدينة الإسكندرية البداية الأولى للمجلة الثقافية النسائية سنة 1892. وكان ذلك حين أنشأت هند نوفل مجلة "الفتاة" الشهرية. وبعد ذلك بسنوات أنشأت الأميرة ألكسندرا إفيرنوه اللبنانية الأصل مجلة "أنيس الجليس" التي صدر عددها الأول في الحادي والثلاثين من يناير سنة 1898 في مدينة الإسكندرية التي احتضنت نشأة المجلات الثقافية دون غيرها من المدن المصرية. الإسكندرية تحتضن نشأة المجلات الثقافية النسائية ويبرر الباحث نشأة المجلات الثقافية النسائية في الإسكندرية في ذلك الوقت، بسبب انفتاح مجتمعها الثقافي على العالم المتقدم أكثر من القاهرة التي لم تخل من نزعات محافظة، فضلا عن الجاليات الأجنبية التي أكدت بسلوكها وثقافاتها حضور حركة تحرير المرأة ودعّمتها. وأخيرا، الدور الذي لعبه المهاجرون الذين تركوا لبنان بسبب الفتن الطائفية، واستقروا بالإسكندرية التي وجدوا في مجتمعها المفتوح أفقا واعدا لأفكارهم عن الدولة المدنية الحديثة التي تنبني على المساواة بين المواطنين، ولا تمايز بينهم على أساس طائفي أو عرقي أو جنسي.
ويشير عصفو إلى ثلاثة إنجازات للمجلات الثقافية في تلك الآونة: أولها فتح أفق الحوار الثقافي مع العالم المتقدم كله، وتقديم أفكاره وتياراته وفنونه الإبداعية الجديدة إلى القارئ العربي، الأمر الذي أخرج هذا القارئ من عزلته، وعمّق فيه الوعي بأنه ينتسب إلى المعمورة الإنسانية التي لا يتناقض انتسابه إليها مع انتمائه إلى وطنه أو إلى عروبته أو دينه. ولذلك كانت مجلات مثل "الهلال" و"المقتطف" و"الجامعة" وغيرها تقدم أشهر زعماء العالم، وأبرز تياراته وأحداثه الثقافية والاجتماعية والسياسية، عمادها في ذلك التعريف والمقارنة. وثانيها: التعريف بالجديد غير المعروف في الثقافة العربية (من أفكار مثل الاشتراكية وإنجازات الحركات النقابية العمالية على سبيل المثال)، ولذلك شاعت حتى في عناوين الصحف والمجلات كلمات مفتاحية مثل "العصر الحديث"، و"الدنيا الجديدة"، و"التقدم"، و"التطور"، و"الحياة العصرية".
ويؤكد عصفور أنه يتصل ثاني هذه الإنجازات بإعادة تأصيل حضور "العلم" في الثقافة، والتعريف بتطوره في العالم المتقدم، وتأجيج رغبة السير في الطريق الذي أفضى إلى تقدم "العلم الغربي" الذي بدأ من حيث توقف العلم العربي، لكن ليس من منظور البكاء العاجز على الماضي الذاهب، وإنما من منظور الرغبة المتلهبة في اللحاق بالمتقدم. ولا ينفصل عن هذا الإنجاز، والذي سبقه، الدعوة إلى إنشاء الجامعة الحديثة، وهي الدعوة التي لا يكتمل حضور "العلم" دونها. ويوازي هذا الإنجاز، لكن في مجال مغاير، أن المجلات الثقافية فتحت الأبواب لترجمة الأنواع الإبداعية الجديدة التي لم يعرفها العرب، على الأقل في شكلها الحديث. وكما أدى تبنّى المجلات الثقافية العامة لقضية المرأة إلى تتابع إنشاء المجلات الثقافية النسائية، في سياق النهضة، أدى اهتمام هذه المجلات بالفنون الأدبية الجديدة إلى إنشاء مجلات متخصصة في ترجمة الروايات أولا، ومختصة بفن المسرح ثانيا، وذلك في السياق الذي أدّى، أخيرا، إلى ظهور المجلة الأولى المهتمة بفن السينما. ويشير جابر عصفور إلى أن تزايد الوعي بأهمية المجلات الثقافية التي أشار إليها - على سبيل التمثيل - في استكمال تتابع المشهد الثقافي وتغير علاقاته، هو الذي دفع إلى إعادة طبع مجلات مثل "المنار"، و"الجامعة"، و"التنكيت والتبكيت"، و"الأستاذ"، و"الضياء"، و"البيان"، و"الزهور"، و"أبوللو"، و"الرسالة"، وغيرها من المجلات التي لعبت دورا مهما في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. ولكن لا تزال عملية إعادة طبع هذه المجلات عملية عشوائية بوجه عام، لا تخضع لمخطط دقيق ولا رؤية شاملة، تصل ما بين عيني الطائر وعدسة المجهر في إدراك العلاقات المتشابكة بين الجزئيات المعلوماتية مهما كان حجمها. وعن حاضر "المجلات الثقافية" التي تزايدت وتعددت وتنوعت، وأصبحت موضوعا للمنافسة الإيجابية بين الأقطار العربية، يقول عصفور: لا يزال زمننا يشهد من جوانب السلب والإيجاب الكثير الذي يدفع هذه المجلات إلى الأمام أحيانا، ويجرها إلى الخلف في أحيان أخري.
وعلى مستوى الإيجاب، يذكر: التقدم التكنولوجي الذي انعكس على الطباعة المتقدمة، موصولا بثورة الاتصالات التي اقترنت بحضور الإنترنت الذي صنعت مجلات متكاثرة مواقع لها عليه، فاتسع بدوائر قرائها، واخترق حواجز الزمان والمكان. وهناك اتساع هوامش الحرية الذي اقترن بمتغيرات التاريخ الحديث ومجالاته المتعددة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا، وذلك في موازاة تراكم الخبرات الفنية الذي يتجلى في الإخراج الفني للمجلة الذي يتزايد إتقانا وجمالا، في موازاة تراكم الخبرات التحريرية التي تقترن بشمول المنظور، وعالمية الوعي، وابتداع أبواب جديدة، تفتح أمام القارئ من الآفاق المعرفية ما لم يكن متاحا له من قبل. وفي المقابل يذكر عصفور عوائق عدة لا تزال قائمة على مستوى السلب: أولها عائق الحريات الذي يجعل لكل مجلة ثقافية سقفا لا تجاوزه، شأنها في ذلك شأن غيرها من وسائل الإعلام. ويختلف هذا السقف، ارتفاعا وانخفاضا، ما بين قطر عربي وغيره، حسب عوامل ليس هنا محل رصدها، وما بين المجلات المطبوعة في العالم العربي عموما والمطبوعة خارجه، خصوصا في أوربا التي لا يزال يصدر في عواصمها عدد من المجلات الثقافية. وقد تحايلت بعض المجلات على هذا العائق بإصدار أكثر من طبعة، تناسب كل منها هذا البلد العربي أو ذاك، كما فعلت مجلة "الآداب" البيروتية في فترة من فتراتها. ولكن أصبح هذا الاختيار مُلْغيً بسبب تقدم الاتصالات الإلكترونية، وإمكان قراءة المجلة على الإنترنت فور صدورها، ومن ثم ملاحظة أي اختلاف في طبعاتها. وهو الأمر الذي قضى على هذه الحيلة التي لم تعد تفلح مع تراكم المحرمات التي لم تعد تشمل المحرمات التقليدية؛ الدين والجنس والسياسة، بل تزايدت على نحو ملحوظ أخذ يهدد حرية الفكر. وأتصور أن عائق الحريات هو أهم العوائق التي لا تزال تواجه المجلات الثقافية، تستوي في ذلك المجلات المدعومة من حكومات غنية، تتيح لمجلاتها دعما ماليا يتيح لها مدى أوسع من الانتشار والتوزيع، والمجلات الأقل دعما التي لا تصل إلى المدى نفسه من الانتشار. وعن مستقبل المجلة الثقافية، يرى عصفور أن مستقبل هذه المجلات لابد أن يقترن باتساع أفق الحرية، واتساع المساحة المتزايدة للعلم الذي لا يتوقف عن التطور، والبحث عن حلول تقنية وتكنولوچية جديدة، تتولى تثوير شكل المجلة، وتنقلها من واقع الصفحات الورقية إلى واقع الصفحات الإلكترونية، وذلك في المدى الذي يجاور بين مجلة on line ومجلة لا تكف عن تطوير طباعتها الورقية إلى ما لا نهاية له أو حد، والبحث عن مصادر غير تقليدية في التمويل، تتيح المزيد من الحرية في توجهات المجلة الثقافية. مجلة العربي مرآة خمسة عقود أما د. سليمان إبراهيم العسكري، فقد تحدث عن المجلة التي يرأس تحريرها حاليا، وهي مجلة "العربي" ـ صاحبة الدعوة ـ التي يرى أنها مرآة العرب على مدى خمسة عقود، حسبما جاء عنوان البحث الذي يستهله العسكري بقوله: كانت مجلة العربي على مدى نصف قرن مرآة للذات العربية بكل مافيها من تناقضات وما عاشته من قضايا. والذي يتتبع (أعدادها) التي صدرت حتى الآن يستطيع أن يرى على صفحاتها التطور التاريخي المعاصر للعالم العربي بالكلمة والصورة، فرغم أن اهتمام المجلة كان ثقافيًا وتنويريا بالدرجة الاولى، فإنها وجدت نفسها طرفا في كل قضايا التنمية والتطور التي عاشها هذا الوطن، ورغم أنها حاولت أن تعلو على مشكلات السياسة الطارئة، فلا يوجد مواطن عربي لم يصبه طرف من سهام السياسة الطائشة، ولم تكن المجلة بعيدة عن ذلك. وقد عاشت العربي حتى الآن خمسة عقود كاملة، يمكن أن نوجزها تحت خمسة عناوين رئيسية، والعديد من العناوين الفرعية. ولكن لضرورة البحث ـ يقول العسكري ـ فقد تم التركيز على أهم التحولات التي شهدها العالم العربي خلال هذه العقود الخمسة: العقد الأول: الستينيات، من حلم الاستقلال لحافة الهزيمة. العقد الثاني: السبعينيات ومحاولة استعادة الذات. العقد الثالث: الثمانينيات، الجسد العربي ممزقا. العقد الرابع: التسعينيات، ومحاولة الخروج من النفق المظلم. العقد الخامس: الألفية ودخول العرب في قفص الاتهام.
ويذهب العسكري إلى أن مجلة العربي كانت شاهدا على مرحلة من أخطر التحولات التي عاشتها المنطقة العربية، وهي حقبة كاملة، امتدت من الاستقلال في منتصف الخمسينيات حتى النكسة في منتصف من الستينيات. وقد شعرت أنها تخوض بحق معركة للبحث عن هويتها واستنهاض تاريخها لعله يعطيها دعمًا قويًا في مواجهة العالم الحديث. لذا نجد أن صفحات المجلة طوال عقد الستينيات حافلة بالبحث في أحداث التاريخ العربي، وعن مكامن القوة فيه، وكان شغلها هو إثبات الذات، ومحاولة اكتشاف العالم الجديد بكل ما فيه من علوم واختراعات.
ويمضي العسكري في عرض بحثه عن مجلة "العربي" قائلا: يمكن تقسيم الاهتمامات التي استولت على المجلة خلال هذا العقد إلى عدد من النقاط. أولا: الاهتمام بشخصيات التراث العربي. ثانيًا: بناء الدولة الوطنية. ثالثا: الرحلات الأخيرة للأراضي الفلسطينية التي ضاعت. رابعا: صدمة النكسة وضياع الحلم. ونشرت أشد القصائد غضبًا وأكثرها احتجاجًا ضد واقع الهزيمة، وهي قصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة" التي تسببت في منع دخول المجلة إلى مصر وسورية، لأول مرة في تاريخها. ويواصل العسكري حديثه: في العقد الثاني: السبعينيات ومحاولة استعادة الذات، دخل العالم العربي في حالة مؤلمة. كانت تداعيات الهزيمة أكبر مما يتوقع أحد. فهي لم تطح فقط بأحد الأحلام القومية الكبرى في التحرر النهائي من آخر بقايا الاستعمار في الوطن العربي. ولكنها أوضحت أيضًا أن كل الشعارات الحالمة التي كانت تتحدث عن الوحدة والتنمية الشاملة والتحرر الثوري كلها كانت ترتكن إلى مؤسسات خاوية من الداخل لا تقوم إلا على الشعارات الزائفة. ودخلت مجلة "العربي" أيضا إلى السبعينيات وهي تحس بجسامة المسئولية. وفي محاولة منها لإعادة بث روح الأمل. وإن كانت هي أيضًا قد عانت من تغيرات في محتواها ومضمونها. ويمكن أن نرى مظاهر هذه الرحلة فيما يلي: أولا: العقلانية المؤلمة في مواجهة المواقع، ثم حرب أكتوبر وعودة الأمل، وكانت "العربي" قد خصصت عددها التالي في (ديسمبر 1973) بأكمله لهذه الحرب وتداعياتها.
وهكذا يدرس العسكري مدى تأثير الواقع العربي على مجلة "العربي" وموادها الثقافية، كما استعرض صدور مجلة العربي الصغير عام 1986، ثم غياب المجلة لمدة سنتين إثر احتلال نظام صدام حسين للكويت عام 1990. ومع بداية الألفية الثالثة، دخل العالم العربي في قفص الاتهام، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول 2001.
وفي نهاية بحثه يتساءل: هل كانت "العربي" مرآة صادقة لواقعنا الثقافي والفكري؟
ويجيب: أعتقد أنها كانت كذلك. مجلات الفن التشكيلي وفي بحثه يتحدث الشاعر والناقد التشكيلي أشرف أبو اليزيد عن "مجلات الفن التشـكيلي ـ ملامح الحضور وأسباب الغياب" وذلك من خلال حضور الفن التشكيلي، والتشكيل الخطي، في عدد كبير من المجلات الثقافية العربية قديما وحديثا، مثل مجلة "المصرية" لهدى شعراوي، واللطائف المصورة، والكشكول ومجلة "صباح الخير"، ومجلة "العربي"، كما يتحدث عن مجلات الفن التشكيلي، ويتخذ من مجلة "جلجامش" العراقية، ومجلة "الشموع" المصرية، وغيرهما أنموذجا، ويخلص إلى ظاهرة محبطة مرتبطة بالمجلات الثقافية بشكل عام، ومجلات الفن التشكيلي على وجه الخصوص، هي أنها مجلات قصيرة العمر، ما تلبث أن تختفي لأسباب كثيرة، أهمها: عدم توفر تمويل مادي لاستمرار مطبوعة لا يشتريها أحد، إما لغلائها، أو لنخبويتها، أو لانتشار ثقافة الأمية البصرية، أو لغلبة الفنون الأخرى ووسائطها. وغياب الدعم المادي الذي يضمن استمرار طباعتها بشكل يفي موضوعاتها حقها تقنيا، وفنيا، وغياب النقد التشكيلي الجاد، في ظل انغماس الكتَّاب بالإعلام العام، فضلا عن غربة الفنون اليوم، عن التناول الحياتي للواقع، والإغراق في الإغراب، والتجريد غير الممنهج، وتوقف المجلات واحدة بعد الأخرى. وقلة العناوين المترجمة والمؤلفة في مجال الفن التشكيلي بعامة في وطننا العربي. تجارب عربية أخرى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، تحدث في ورقته عن المجلات الثقافية ودورها في الإصلاح الثقافي وضرب مثلا بتجربته في رئاسة تحرير مجلة "إبداع" المصرية. وعن دور المجلات الثقافية في دعم الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي (1881-1956) تحدث د. الحبيب الجنحاني الذي أبدى في بداية حديثه ملاحظات منها أنه لا يمكن الحديث عن ظاهرة "المجلات الثقافية"، وعن دورها في الوعي بالهوية العربية الإسلامية، والوعي بالشعور الوطني بصفة أخص دون الإلماع إلى الظروف التاريخية التي ساعدت على بروز حركة الطباعة، وتأسيس الدوريات في البلدان العربية التي عاشت تجارب تحديثية في القرن التاسع عشر، فالاهتمام بحركة الطباعة والنشر مثَّل ركنا أساسيًا من أركان برامج تحديثية شملت إصلاح التعليم، وإصلاح أجهزة الدولة، وتعليم اللغات الأجنبية، وإرسال البعثات الطلابية للتعلم في أوربا، محاولة من قادة الحركات الإصلاحية العربية الوقوف أمام تسرب النفوذ الأوربي، وقد مثل الخطوة الأولى للاحتلال والاستعمار.
ثم يذكر الجنحاني أن تونس تأتي في طليعة الأقطار العربية التي عاشت تجربة تحديثية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد تم تأسيس المطبعة الرسمية سنة 1860، وأنشئت "الرائد التونسي" بقسميها الرسمي والثقافي العام، كما سمح دخول الطباعة إلى نشر كتب التراث، والمؤلفات المترجمة عن اللغات الأوربية، والكتب الجديدة التي نظرت للتجربة التحديثية، وفي مقدمتها كتاب خير الدين "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" (1867)، ونظرا لأن تجربة النشر والطباعة جديدة فقد استعان المصلحون التونسيون بمن لهم خبرة في هذا الميدان من مثقفي المشرق العربي مثل أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب، وحمزة فتح الـله المصري، والصحفي الشامي منصور كرليتي. وعن التجربة السعودية، تحدث د. عبد الله الصالح العثيمين، فذكر مجلة "العرب" السعودية، باعتبارها ساحة لعطاء الشيخ حمد الجاسر، وعدَّد أدوار مجلة العرب الرائد في إثراء البحث التاريخي والجغرافي للجزيرة العربية، مشيرا إلى أنه ليس من الممكن التحدث عن مجلة العرب دون التحدّث أولاً عن صاحبها الراحل منشئها وجاعلها ساحة لعطائه الفكري الموسوعي الشيخ حمد الجاسر. وعن الصحافة العمانية ودورها في الإصلاح الثقافي، واعتبار صحيفة الفلق نموذجاً، تحدث د. محسن بن حمود الكندي.
وعودة إلى مجلات الكويت لنجد ضمن الدراسات والأبحاث، قراءة نقدية لتجربة مجلة إسلامية في الكويت هي مجلة "الوعي الإسلامي" قدمها نواف عبد العزيز الجحمة. المجلات التاريخية في الوطن العربي وعن المجلات التاريخية في الوطن العربي يقدم د. قاسم عبده قاسم بحثه، متسائلا: هل أسهمت "المجلات التاريخية" في إثارة الوعي وشاركت في تحريك الساحة الفكرية التي عانت الركود زمنًا طويلاً في العالم العربي؟ وعن مجلة الآداب البيروتية في مرحلتها الأولى، يقدم الناقد سامي خشبة مداخلته، قائلا: حينما صدرت مجلة الآداب البيروتية في السنوات الأولى من خمسينيات القرن العشرين، كانت الثقافة العربية قد خطت خطوات غير قليلة نحو مرحلة جديدة من مراحل تحديثها في أبعاد رئيسية عدة، وسعيًا إلى بناء ركائز عدة للحداثة نفسها. ومن بيروت إلى الكويت وبحث عن مجلتي "الكويت"، و"البعثة" ودورهما الريادي في الإصلاح الثقافي والاجتماعي لأحمد الديين. المجلات الثقافية العراقية ثم إلى العراق وبحث عن "المجلاّت الثقافية العراقية: دورها ومكانتها" للدكتور محسن الموسوي الذي قال في بداية بحثه: يُختلف بشأن مكانة المجلات الثقافية في تكوين النخب الثقافية، وكذلك في تنشيط المناخ الثقافي ورفده بشتى التيارات والاتجاهات، التي قد لا تتسع لها الكتب، وكلما برز موضوع المجلات الثقافية في البلدان المتطلعة للاستقلال، أو تلك التي نالت استقلالها خلال العقود العشر الأخيرة، بدا هذا الدور أكثر وضوحًا لطبيعة العلاقة الوثيقة بين هذا التطلع وبين الوعي الثقافي الذي تشكل المجلات والصحافة والكتب ملمحه البارز، بالإضافة إلى الركيزة التعليمية، متمثلة بالجامعات ومراكز الأبحاث.
ويواصل الموسوي حديثه قائلا: لما كان المثقفون يشكلون واجهة عريضة في البلدان المستقلة حديثًا، لنا أن نتصور الكيفية التي تتشكل بموجبها الأولويات الثقافية في هذه البلدان، فمَن منا يمكن أن ينسى دور المجلات النهضوية كالمقتطف والجامعة والهلال، والرسالة، والكاتب المصري؟ ومَن منا ينسى الدور اللاحق للأديب، ثم الآداب بسعتها وريادتها، والثقافة الجديدة، والبيان النجفية، قبل أن تحل مجلات أخرى كثيرة، صغيرة وكبيرة، كالمعرفة السورية والطليعة والكاتب وغيرها؟ ويكمل الموسوي حديثه قائلا: عندما نريد أن نقرأ حضور الأسماء العراقية في ضوء المواقف الفكرية والانتمائية للمثقفين والجامعيين يمكن أن نرى الفرق بين مجموعة الثقافة الجديدة - مثلاً - ومجموعة مجلة الأقلام، وهو فرق كان يمكن أن نتبينه في إصدارين آخرين طيلة نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات بين كتّاب مجلة الأديب المعاصر لسان حال الأدباء العراقيين في ظل اليسار العراقي، والشيوعي تحديدًا، ومجلة الكتاب والمؤلفين، التي يرأسها الدكتور يوسف عزالدين، والتي تنطق بلسان الكتّاب القوميين، أو غير المحسوبين على أحد. لكن هذا الفرق الظاهر ـ كما يرى الموسوي ـ يخفي فروقًا أخرى تخص مادة الثقافة المنشورة: فالمحافظة أو الاستقرار هي صفة الجناح القومي أو المستقل عن اليسار، والابتكار والثورية والاختلاف والتحزب صفة الطرف اليساري. لكن الأقلام تبقى حلقة في سلالة نسب، وهي سلالة سرعان ما تتوزع في فروع حسب النمو الذي لابد منه لأطراف هذه السلالة. وعن المجلات المصرية والسلطة بين الصراع والاستقلال والتبعية يقدم الفنان عزالدين نجيب ورقته.
وعن الإصلاح الثقافي كمدخل للتنمية والتغيير: دروس من تجارب التحديث الآسيوية، كانت مشاركة مسعود ضاهر. أزمة القراءة والجذور الحية للأشجار المقطوعة ثم يتناول الكاتب العراقي شوقي عبد الأمير أزمة القراءة ومستقبل الهويّة العربية في مطلع الألف الثالث الميلادي، من خلال دراسة استقصائية على ضوء تجربة "كتاب في جريدة" التي أطلقتها منظمة اليونسكو عام 1996 في المنطقة العربية، من خلال: الهوية العربيّة والنص، وأزمة القراءة. ويتحدث بندر عبد الحميد عن الجذور الحية للأشجار المقطوعة، ويقصد بها المجلات الثقافية قصيرة العمر ودورها الذي لم يكتمل.
وعن دور المجلات النسائية في دفع مسيرة المرأة جاء بحث الكاتبة علوية صبح.
ويشارك د. خالد عزب ببحث عن التراث في المجلات والصحف العربية. أما الشاعرة والكاتبة الصحفية اللبنانية جمانة حداد، فترى أنه ليست الصفحات الثقافية منابر سياسية أو اجتماعية، ولا حتى تربوية أو تعليمية، كي يكون لها تأثير مباشر وفوري في الرأي العام.
وأخيرا، وعن الذات النسوية في ظل الحداثة الأبوية تشارك ببحثها د. شيرين أبو النجا، لتتنتهي بذلك أبحاث ندوة مجلة "العربي" التي عقدت مؤخرا بالكويت، والتي ستصدر في كتاب قريبا عن سلسلة "كتاب العربي" كما شاهدنا أبحاث ندوة العام الماضي "الثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي".