أوروبا.. ملجأ الإخوان المسلمين الخلّص

استغلال تقاليد حقوق الإنسان والحرية

استضافت المملكة المتحدة بعض أبرز القادة والشبكات الواسعة لفروع الإخوان في مصر والعراق وتونس وليبيا وفلسطين. وشكّلت ألمانيا محوراً رئيساً آخر للموجة الأولى من الإخوان المسلمين الذين قدموا إلى أوروبا. على سبيل المثال، في أوائل ستينيات القرن العشرين، استقرّ المرشد الأعلى الأسبق للإخوان المسلمين السوريين: عصام العطّار، في آخن، فأصبحت منذ ذلك الوقت مقرّ القيادة غير الرسمي للإخوان المسلمين السوريين. وفي غضون ذلك، شارك سعيد رمضان (صهر حسن البنّا ووالد طارق وهاني رمضان) في إنشاء مسجد في ميونيخ، ونقل أنشطته –لاحقاً- إلى جنيف، في سويسرا. ومن اللافت أن ثلاثة من سبعة مرشدين للإخوان المسلمين أمضوا وقتاً طويلاً في آخن.

ووصل عديد من الروّاد إلى الغرب طلاباً، وكانوا من أبناء أسر ميسورة ينتمون للإخوان المسلمين بالفعل أو مطلعين على أيديولوجيتها. لكن كثيرين وصلوا طالبين اللجوء أو لاجئين، هرباً من موجات الاضطهاد في بلدانهم مثل سوريا والعراق ومصر. ومع أن كثيراً منهم كانوا أعضاء من رتب منخفضة أو متوسّطة، فإن بعضهم كانوا قادة كسعيد رمضان أو المصرفي يوسف ندا.

حافظت هذه الحشود من المنفيين والطلاب على صلات وثيقة -نوعاً ما- مع الجماعات الأم في بلدان المنشأ، تبعاً للظروف. وأنشأت كل مجموعة وطنية تنظيمات متفاوتة الاتساع في مختلف البلدان الأوروبية التي استقرّت فيها. ويقوم اليوم بعض أبناء الرواد بأدوار رفيعة المستوى في مؤسسات الإخوان المسلمين ويجمعون الأموال، وينشرون المجلات، وينظّمون الفعّاليات، ويمارسون الضغط على الحكومات، ويديرون منظمات غير حكومية، وينفّذون أنشطة عديدة تهدف –أساساً- إلى دعم قضيّة إخوانهم في بلدانهم.

ومن الإشارات الأخرى على وجود الإخوان المسلمين الخلّص في أوروبا، وتحديداً المملكة المتحدة، نشر أسبوعية "رسالة الإخوان" في لندن من قبل المركز الإعلامي للإخوان المسلمين –الكائن في (113) كريكل وود برود واي، لندن– بإشراف إبراهيم منير (نائب المرشد الأعلى، وأحد شخصيات الإخوان المسلمين المصريين الرئيسين الذين لا يزالون أحراراً). وتنشر "رسالة الإخوان" عادة بيانات وأنشطة عالم الإخوان المسلمين بأكمله، من الإخوان المسلمين المصريين إلى اللبنانيين، ومن حزب النهضة إلى حزب العدالة والتنمية في تركيا، ومن اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا إلى المجلس الثوري المصري، ومن راشد الغنوشي إلى عزّام التميمي. وإلى جانب الأسبوعية الرئيسة، ينشر المركز الإعلامي للإخوان المسلمين –أيضاً- فصلية "من معين التربية الإخوانية" التي تقدّم نصوصاً لحسن البنّا ومنظّري الإخوان المسلمين الآخرين.

أوضح منير المقيم في لندن منذ عشرين سنة، في مقابلة مع جريدة "المصري اليوم" في 6 يوليو (تموز) 2009، أي في زمن نظام مبارك، الاختلاف بين الإخوان المسلمين في مصر والإخوان المسلمين في أوروبا مؤكّداً "تكييف".

النموذج الأصلي:

"العمل الإسلامي في أوروبا مختلف، وله تنظيم مستقل تماماً، يسمى اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وهو مسجل في الاتحاد الأوروبي، وله مقر في بروكسل وتعلمه المفوضية الأوروبية، بل تتعامل معه على هذا الأساس. فنحن ملتزمون بقوانين بلادنا وهم ملتزمون بقوانين بلادهم، في كل دول أوروبا توجد تنظيمات إسلامية تحمل فكر الإخوان وغير فكر الإخوان ومرخّص لها، وكل هذه التنظيمات تعمل لصالح بلادها وبقوانين هذه البلاد".

يؤكّد قول منير وجود تنظيمات غربية متفرّعة عن الإخوان المسلمين مظلّتها الرئيسة، التي تقابل رأس الهرم، اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا الذي تنشر بياناته الرئيسة في "رسالة الإخوان"، ويضمّ تنظيمات أنشأها أفراد لديهم صلات شخصية قوية بالإخوان، لكنهم يعملون باستقلالية تامّة عن تنظيم الإخوان المسلمين، وفي معظم الحالات، تتجاوز الانقسام الوطني الذي يميّز الطبقة الأولى. وكما ذُكر بالفعل، أنشأ هؤلاء الأفراد في كل بلد غربي مجموعة من المؤسسات التي تتخذ أشكالاً محلية مألوفة: جماعات لحقوق الإنسان، ومؤسسات دينية، ومؤسسات بحثية، واتحادات طلابية، وجماعات ضغط، وما إلى ذلك.

اتحاد منظمات إسلامية:

أنشئ اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا سنة 1989 في ماركفيلد، قرب لستر في المملكة المتحدة، لكن الاهتمام العميق بالشؤون الأوروبية، والنشاط المتزايد مع المؤسسات الأوروبية، أدّيا سنة 2007 إلى نقل مقرّه العام إلى بروكسل في رو دي لا باسيفكاسيون (34) (1210) سان جوزيه تن نود. وتجمع هذه المظلة معاً نحو (500) جمعية وطنية من (28) بلداً، نصفها تقريباً من فرنسا. ومن المعروف أن المنظمات الإسلامية الأوروبية التسع عشرة، المدرجة باعتبارها أعضاء مؤسسين لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، لديها جميعاً رابط مع تنظيم الإخوان المسلمين العالمي. والأعضاء الرئيسون في الاتحاد هم: اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، والجمعية الإسلامية في ألمانيا، والرابطة الإسلامية في بريطانيا، ورابطة مسلمي بلجيكا، ورابطة مسلمي سويسرا، والجمعية الإسلامية السويدية، والاتحاد الإسلامي في إيطاليا.

ويرتبط اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا –أيضاً- بمنظّمات الإخوان المسلمين الرئيسة الأخرى على المستوى الأوروبي. على سبيل المثال، إدارة الشباب والطلاب في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وترأسها سمية عبدالقادر، وهي عضو في المنتدى الأوروبي للمنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية، الذي يمكن اعتباره مظلة أوروبية للمنظمات الشبابية للإخوان المسلمين، وكان برئاسة انتصار خريجي، ابنة راشد الغنوشي، حتى شهر يوليو (تموز) 2015، وهي الآن عضو في مجلس أمناء المنتدى الأوروبي للمنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية إلى جانب سمية عبدالقادر. وفي 15 يوليو (تموز) 2015، انتُخب يوسف همّت، ابن علي غالب همّت، رئيساً جديداً للمنتدى.

يرأس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا عبدالله بن منصور (2014 - )، الرئيس السابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا. ويشغل منصب نائب الرئيس أحمد جاب الله، مدير المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في باريس، وأحد أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. ومن المسؤولين الآخرين في الاتحاد: إبراهيم الزيات، وهو مؤسس مشارك لمعظم المؤسسات الأوروبية للإخوان المسلمين، وفؤاد علوي، وهو رئيس سابق لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.

يتركّز الاهتمام الرئيس لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا على توسيع التعاون والتنسيق بين الجماعات الإسلامية في أوروبا، وتعزيز المشاركة في الحوار المجتمعي، والتشديد على وجوب منح اهتمام إضافي "لشؤون الشباب والمرأة والقطاعات المهنية". وقد شجّع مجلس شورى اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، الذي يرأسه سمير فلاح، رئيس الجمعية الإسلامية في ألمانيا، المسلمين على المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي، وأولى اهتماماً خاصاً لبعض القضايا السياسية الدولية، كالوضع في أوكرانيا، "وتفاقم الانتهاكات في مدينة القدس"، ومعارضة نظام الأسد في سوريا، وحكومة السيسي في مصر، ورهاب الإسلام في أوروبا. ويهدف اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا –أيضاً- إلى "المحافظة على الحضور الإسلامي في أوروبا، وتعزيز ذلك الحضور وتطويره كي يقدّم الإسلام بطريقة ملائمة ودقيقة". وقد أدرج اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا –أيضاً- ممثّلاً "غير دبلوماسي" في الحوار مع الأديان والكنائس والحركات الإنسانية، وهو جزء من مكتب مستشاري السياسة الأوروبية التابع للمفوّضية الأوروبية.

يمكن وصف اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا بأنه مخطّط أعمال واستراتيجية الإخوان المسلمين في أوروبا، الذي يسلّط الضوء على الأولويات العامة والأهداف، في حين يترك للمؤسسات الوطنية تنفيذ المشروع وفقاً لإمكاناتها وظروفها المحلية.

وإلى جانب ذلك، تظهر أنشطة الاتحاد ومبادراته أن نموذج حسن البنّا لأسلمة المجتمع من أسفل إلى أعلى عبر الدعوة والتعليم ما زال حياً، على الرغم من تكييفه. وهو في صلب إنشاء ستة من المعاهد الرئيسة التي تعلّم الدين الإسلامي في أوروبا: المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الذي أنشئ سنة 1991 في شاتو شينون بفرنسا، وهو متخصّص في الدراسات الإسلامية، واللغة العربية، والدورات القرآنية، وله فرعان في باريس (2001) وأورلينز؛ والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، الذي أنشئ سنة 1998 في لانيبيثر، كارمارثنشاير بالمملكة المتحدة، وله فرع في برمنغهام، افتُتح سنة 2007؛ والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الذي أنشئ سنة 2012 في فرانكفورت بألمانيا، ويديره المصري خالد حنفي، عضو المجلس الإسلامي للإفتاء والبحوث.