أوديب الملك وطاعون شرق المتوسط

بقلم: إيمان سعيد
ليس وحده من جاء بالطاعون

كيف انخرط العقل العلمي ليقف من جديد عند بوابات العرافات وقارئي المستقبل؟ منذ القراءات الأولى للأساطير استهوتني قصة ذلك الملك في مدينة طيبة الذي خرج من المعبد حاملا نبوءة مشئومة تخبره بقدوم ولد من صلبه سيقتله ويتزوج من أمه، فدفع بالمولود للموت حتى لا تتحقق النبوءة. اضطر الملك أن يدفع بشرٍّ صغير ليبعد عنه شراً أكبر، لكن القدر لم يتواطأ مع الشر الأصغر في نفس ذلك الملك. وسار على هواه محققا نبوءة العرافة بعودة أوديب الابن (لطيبة) مدينته معتقداً أنه يهرب من قدره قبل أن يدرك سيره على قدميه للالتقاء مع ذات القدر. عندها ابتليت المدينة بالطاعون.

وبعد سلسلة من البحث عن أسباب ابتلاء المدينة بهذه الكارثة، وجد أوديب الملك أنه السبب في وقوعها، فالمدينة لم تحتمل شرور الإثم من قتل الأب وزواج الأم واستلام الحكم. غرق أوديب في حزنه، وندمه. لكن الزمن لم يحرره من آلامه ففقأ عينيه في دلالة واضحة لمعاقبة الذات على إثمها، مبعداً نظره عن عظيم إثمه الذي أدرك.

هذا كله وأوديب يعتقد أنه يحمل في نفسه خيراً عظيماً لشعبه، فهل كانت حسن النوايا كافية لإبعاد الكارثة أم أن المسؤولية تحدد وحدها في الفعل وشكله ورد الفعل عليه بعيدة كل البعد عن النوايا الطيبة أو عن الأمجاد الغابرة للانتصارات العظيمة؟

المسافة بين فعلة أوديب وتشكل عقدته من الإحساس بالذنب عند إدراكه لجليل فعله، هي مسافة زمنية كافية لتقع فيها ما يسمى الثورة الشعبية. كيف لهذه الأسطورة أن تمتلك من القوة لاسترجعها اليوم مع مشهد تنحي بعض الزعامات العربية، حكاماً يصدقون بوطنيتهم في كل خطاب رسمي أو تصريح لمحطة أو جريدة يومية.

صدقوهم فهم يعتقدون أنهم عملوا طوال سنين الحكم لمصلحة الوطن والشعب دون أخطاء. وما هذا التضليل لذواتهم إلاّ من إثم الزمن الطويل في الجلوس فوق عرش السلطة. إثم الذات الإنسانية المتحولة لا شعورياً من تفاصيلها البشرية إلى امتلاك قوة الذات المقدسة، ولطالما ارتبط الحاكم بفكرة الإله في معظم الديانات والحضارات القديمة، فإن كان الإله أوحد في الحكم على شعبه فهو بالضرورة يحمل وحده نقيضين في تركيب واحد، وإلا من أين يأتي الشر والخير على المدينة، مع غياب فكرة اقتسام مسؤوليات الحكم؟

وكوننا غُيّبنا طويلاً عن شراكة الحكم مع ذات الحاكم المقدسة، فذلك لا يعني أننا بريئين من شراكة فعل الطاعون في المدينة، لأننا ببساطة نهتف للإله ونقدس أثره ونعتقد أننا كلما قدمنا قرابين الدم زدنا في خصوبة عمره، وعندما يعاقبنا نعتبر ذلك شكلاً من أشكال امتحان قوة إيماننا فيه. ثم نكفر به لأننا نكره خوفنا ونتبدل إلى دين جديد وإله جديد بتكرار الصيرورة ذاتها.

فما أسهل الكفر بلحظة على المؤمنين وكيف يغدر المتعبد بمعبوده بعد أن سلَّم له مقاليد الحكم المطلق وأعلن له الإيمان الأعمى. دليل ذلك تبدل أسماء الآلهة ورموزها في كل الأساطير وكتب المثيولوجيا، فرحمة بحاكم تغرونه بالألوهية والإيمان ثم تنكرونه وتعلقون عليه كل آثامكم مبررين ذلك بذريعة الخوف منه، وتمتلكون التحرر السريع من محاسبة الذات متناسين أيدينا التي تمتد يوميا لتبادل لعبة الرشوة تحت الطاولات أو فوقها، ومتعة مخالفة القانون في أبسط أشكاله أو حتى عدم الاعتراف به، متناسين أن الفعل الوطني ليس فقط حفنة تراب وأغنية ندندنها كلما اشتد بنا الحال، ليس فعلاً يتوقف فقط على شتم إسرائيل وتحميل صورة لعلم الوطن على البروفايل في صفحة الفيسبوك، وتبادل أفكار التخوين كلما اختلفنا مع الآخر.

أوديب ليس وحده من جاء بالطاعون لمدينته، لكنه تحمل فقأ عينيه، أما نحن ـ ونحن اقصد الشعب ـ لم نفقئ عينينا فيما نفعل عندما نغادر يومياً بيتنا الصغير النظيف وعلى مسافة خطوات منه نبصق في شارع هو بذات جغرافيا ما نسميه الوطن الذي نحب.

فيا عزيزي الحاكم لا تدعنا نغريك بالعبادة والديمومة والتقديس فنحن بارعون في الكفر بعد المزايدة في الإيمان واعترافك بذاتك البشرية التي تصيب وتخطئ، تترشح للانتخابات متقبلة لعبة الربح والخسارة والمحاسبة هي احترام للذات البشرية التي أنت عليها. إيانا وإياك والتقديس الألوهي، فلطالما اغتلنا الآلهة سريعاً في ذاكرتنا رغم خلودهم هذا ما أخبرتنا به أساطيرهم. أما الأصناف البشرية فهي وحدها من خلدتها ذاكرتنا بأمجاد أفعالها البشرية، فـ (زيوس) على سبيل المثال عرفناه أكثر ليس لأنه كبير هرم الآلهة بل لأنه أنجب (هرقل) من امرأة بشرية فمُجد هرقل الإنسان في ذاكرتنا أكثر من زيوس والده الإله، ليس فقط لأنه ذو شجاعة فائقة قائمة على القوة بل لأنه يجيد معاقبة نفسه حتى عندما يبرئه الآخرون، هو بطل لسلسلة أفعال بشرية وخلّد بانتهائه بعد أداء مهامه الإثنى عشر.

ولم يكن لـ (أخيل) شهير طروادة أن يبقى بطل قصتنا التي نسردها ونصنع منها أفلاماً ومسرحيات إلا لأنه على شاكلة الإنسان فينا هدد مصيره بالانتهاء عند مفصل عرق قدمه بلحظة بطولية استوجبها الواجب الأخلاقي.

أحببناهم لأنهم على شاكلة خلقنا وفعلنا البشرّي المتبادل بين الضعف والقوة الخطأ والصواب الحضور والغياب الانتصار والانكسار دون قداسة. أبطال يعيشون الحكمة والحكم بعيداً عن الأبدية والتقديس والقوة المطلقة، أما الآلهة التي تنوعنا في عبادتها على مر العصور فنحبهم فقط لأننا نخشاهم ولطالما انتظر البشري فينا لحظة قتل خوفه في الفرصة المناسبة.

أما أنت عزيزي المواطن، الوطن أكبر من أغنية وشعار وعلم يحمل بعض ألوان قوس قزح مع احترامي لكل تلك الرموز الوطنية التي ذكرت. لكن الفعل الوطني يبدأ بالتفاصيل الصغيرة وليس بالهتافات الرنانة يبدأ مع الاعتراف بفساد أنفسنا التي استرخت مع الإثم، فشعارات الإسقاط وحدها لن تطهر المدينة من الطاعون الذي أكلها لسنوات طويلة ونحن مأزومين أخلاقياً. ولأنني أعرف أن النصيحة من فم الأنثى تقطع مسافة طويلة لأذن الرجل عادة، فكيف إذا كانت هذه الأنثى صغيرة اليدين مثلي ليس لها سوى فعل رميّ الصدف فوق الرمال ممسوسة بقصص الخرافات والأساطير، وكيف إذا كان هذا الرجل على قدر حاكم أو مواطن ممسوس بالعقل المتنور.

إيمان سعيد

emansaied2000@yahoo.com