أوتسي ما زال لا يرقد في سلام

رجل الجليد تعرض للقتل

بولزانو (إيطاليا) - من نيكولاس ريجيللو
كان مصابا بالديدان واسوداد الرئة وكسر في ضلوعه فضلا عن تسوس أسنانه. لقد عانى من التهاب المفاصل ومن الاسهال، ونال منه البرد والجوع - غير أن ما أتى على رمقه الاخير كان سهما قصيرا بطول 21 سنتيمترا خرق كتفه وأعصابه وأوعيته الدموية وأصاب ذراعه بالشلل.

ظل ينزف بشدة بينما يحاول الفرار بحياته من متعقبه، ولساعات ربما احتمل آلاما رهيبة قبل أن تلفه الثلوج في أرض موحشة تعرف اليوم بجبال الالب الايطالية.

وبعد 5.300 عام من تلك الميتة المأساوية الحزينة، مازال "رجل الجليد" - أوتزي - لا يرقد في سلام!

فمنذ الاكتشاف المثير وعشرات العلماء من إيطاليا والنمسا يشرحون جسده الذي عثر عليه في حالة جيدة بشكل مدهش، ويذيبون عنه ثلوجه ثم يجمدونه مرة أخرى، ليستخلصوا عينات من نسيج جلده ويفحصون مينا أسنانه.


العلماء يشرحون جسده، ويذيبون عنه ثلوجه ليستخلصوا عينات من نسيج جلده ويفحصون مينا أسنانه
ولم يترك العلماء شيئا من جسمه، ولا حتى أعضائه الخاصة، إلا ونقبوا عنه، فقد ذهلوا إذ عرفوا أن ما ظنوه قبلا أحد متسلقي الجبال الذين ضاعوا بين الثلوج، هو في الواقع إنسان عاش ما بين 3350 و3100 قبل الميلاد.

وقد نقل رجل الجليد، الذي سمي أيضا "فريتس المتجمد"، أول الامر إلى إنسبروك بالنمسا، غير أنه تعين أخيرا نقله إلى بولزانو على متن شاحنة تجميد بعد أن خلص نزاع قانوني طويل إلى أنه قد توفي داخل الحدود الايطالية الحالية بمسافة نحو 90 مترا.

والفقيد كان يناهز طوله 160.5 سنتيمترا وعمره بين الاربعين والخامسة والاربعين، ويرتدي حذاء جيد الصنع بشكل يشير الملاحظة، خيط من نعل جلد الدب وجلد الغزال ولحاء الاشجار، بحيث لا تدخل المياه إلى قدم من يحتذيه. وكان يحمل فأسا ذا نصل نحاسي وخنجرا من الصوان وقوسا غير مكتمل و12 سهما لم تحدد بعد وسهمين مكتملين.

وتكهن العلماء من ذلك أنه اضطر للرحيل في عجلة، حتى أنه لم يكمل أسلحته، إذ ربما كان يسعى لتلافي متعقبيه بشق طريقه وسط سلسلة جبال الالب الرئيسية، وهو الدرب الذي قاد إلى حتفه.

وطبقا لدراسات حديثة نشرت في تموز/يوليو الماضي، من الارجح أن رجل الجليد تعرض للقتل.

وقال أليكس سوسانا مدير متحف جنوب تيرول للآثار في بولزانو آنئذ "كل ما نشرت على مدار الاعوام الماضية - من أنه مات متأثرا بضلوعه المكسورة، أو مات من صقيع الثلوج أو التعب بعد أن سقط منهكا ونام وتجمد حتى الموت - لا أساس لها من الصحة".

وقد تم العثور على أشهر رجل جليد في العالم في التاسع عشر من أيلول/سبتمبر عام 1991 على أيدي ألمانيين كانا يتسلقان الجبال وادي أوتزي.

وقال هيلموت سايمون في ذلك الوقت "لاحظت شيئا بنيا يبرز بين الثلوج"، وسرعان ما تحول ما كان يعتقد أنه اكتشافا مرعبا بادئ الامر إلى أحد أكثر الاكتشافات العلمية إثارة على الاطلاق.

فقد أصبح أوتزي من الشخصيات العالمية، كرمته مجلة تايم وألقى عليه كبار العلماء في العالم الضوء.

وفي الذكرى العاشرة لاكتشاف جثمانه، قام أحفاد أحفاده في جنوب تيرول بتلحين قطعة موسيقية تكريما له فضلا عن تشييد منشأة آثار قرب بولزانو.

وبفضل الانترنت أصبح بإمكان الجميع إلقاء إطلاله على صورته في أي مكان في العالم.

وما كان أوتزي، الذي لا يعرف أحد اسمه الحقيقي، ليخال يوما أن المستقبل يحمل في طياته كل هذا له بينما رقد يحتضر وسط الثلوج قبل 5.300 عام.