أوباما وقلقيلية الفلسطينية

بقلم: نقولا ناصر

من يتحمل المسؤولية عن استشهاد عشرة فلسطينيين خلال أقل من أسبوع في مدينة قلقيلية بشمال الضفة الغربية المحتلة؟ في خضم الاتهامات "الفلسطينية" المتبادلة عمن يتحمل هذه المسؤولية يكاد المسؤول الأميركي الحقيقي يفلت من مسؤوليته عن سياساته التي خلقت البيئة الموضوعية للانقسام الفلسطيني ومسلسل الاقتتال الناجم عنه. وما لم تتغير هذه السياسة التي تغذي الانقسام، أو يتغير أصحاب القرار الفلسطيني الذين يرتهنون "مشروعهم الوطني" لهذه السياسة، فإن استمرار الوضع الراهن لا يعد إلا بتكرار مأساة قلقيلية في المدينة نفسها، أو في غيرها من المدن الفلسطينية الأخرى المحاصرة تحت الاحتلال منذ عام 1967.

صحيح أن فشل الحوار الوطني، واستمرار الانقسام، والتنسيق الأمني بين سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وبين قوات الاحتلال وإصرار الرئاسة الفلسطينية على هذا التنسيق ولو من جانب واحد غير متبادل، هي وغيرها عوامل ذاتية مسؤولة عن السقوط السياسي الوطني في قلقيلية، وفي غير قلقيلية، الذي أسقط محرمات وطنية فلسطينية مثل حرمة الدم الفلسطيني على الفلسطيني، لكن هذه العوامل، منفردة ومجتمعة، هي النتيجة لا السبب للأسباب الرئيسية لهذا السقوط.
ويأتي في رأس هذه الأسباب إعادة تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما على سياسة سلفه كمدخل لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس خريطة الطريق التي تعتمد الأمن الإسرائيلي قاعدة لها، واجتثاث أي مقاومة للاحتلال حتى لو كان في شكل تعبئة وطنية لفظية ضده بحجة أنها "تحريض"، وكان تكرار تأكيد أوباما في خطابه بالقاهرة يوم الخميس الماضي لما كان أكده أثناء اجتماع قمته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في البيت الأبيض أواخر الشهر الماضي عن ضرورة الالتزام الفلسطيني بالشروط الإسرائيلية التي تحولت إلى "شروط اللجنة الرباعية الدولية" هو تأكيد على الاستمرار في تغذية الانقسام وبالتالي الاقتتال الفلسطيني.
وعشية الزيارة التي قام بها أوباما للقاهرة، نشر معهد غالوب المعروف أحدث استطلاعاته للرأي في إحدى عشرة دولة عربية ليكشف بأن التأييد للسياسات الأميركية في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد انخفض من (13%) في عهد سلفه جورج دبليو. بوش إلى سبعة في المئة في عهده.
وهذه نتيجة ينبغي أن يتوقف عندها أوباما وإدارته، لأنها نتيجة عكسية غير متوقعة بعد أن كان سلفه بوش أول رئيس أميركي يتبنى رسميا "رؤية" لإقامة دولة فلسطينية، وبعد أن أصبح أوباما نفسه أول رئيس أميركي يستخدم تعبير "المقاومة" بدل "الإرهاب" الذي كان سلفه يستخدمه لوصف المقاتلين الفلسطينيين من أجل الحرية والحق في تقرير المصير، ولا بد لأوباما وإدارته من البحث عن الأسباب الحقيقية لهذا التناقض بين هذه "الأوائل" الأميركية وبين النتائج غير الإيجابية المعاكسة لها في الاستجابة الفلسطينية السلبية لها كما تظهر في استطلاعات الرأي العام الفلسطيني.
فتزامن خطابه مع انفجار الاقتتال الفلسطيني في قلقيلية الأسبوع الماضي الذي يهدد بالتحول إلى ما يشبه كرة الثلج إذا لم يتدارك أوباما وإدارته الأمر بسرعة لكبح جماح عوامل التصعيد في هذا الانفجار، قد سلط الأضواء مجددا على أن هذه العوامل هي في جوهرها وأدواتها وتمويلها وقيادتها وفي الدعم الدبلوماسي والسياسي لها هي عوامل بدأت وما زالت وسوف تستمر أميركية، بالرغم من واجهتها الفلسطينية.
إن استمرار أوباما على نهج سلفه يهدد بإنهاء "البداية الجديدة" التي ادعى في القاهرة أنه يسعى إليها مع العرب والمسلمين بدءا من الصراع العربي الإسرائيلي، قبل أن تبدأ. أما تكراره الضغط على الرئاسة الفلسطينية بالقول في القاهرة وألمانيا وفرنسا إنها ما زالت لا تفعل "ما فيه الكفاية" فإنها تصريحات يصعب فلسطينيا عدم تفسيرها بأنها ليست دعوة صريحة إلى تعميم الاقتتال المحلي الذي وقع في قلقيلية إلى حالة عامة في الضفة الغربية.
أما قول عباس إثر لقائه الأخير بواشنطن مع أوباما إن "الموقف الأميركي من عملية السلام ووجهة النظر الأميركية تفيد بأنه لابد من تطبيق البند الأول من خطة خارطة الطريق... بهدف تمهيد الجو لانطلاق عملية السلام" فإنه قول يؤكد بأن الرئاسة الفلسطينية، في ضوء تكرار تأكيدها على استمرار التزامها بتلك "الخارطة" المشؤومة، مستمرة في الرضوخ للضغط الأميركي لتواصل السير في طريق نهايته الحتمية هي مواصلة الاقتتال الوطني، وإجهاض أي حوار وطني لإنهائه، وبالتالي وقوع مئة انفجار مثل قلقيلية كما قال مؤخرا رئيس وفد الرئاسة لحوارات القاهرة نبيل شعث.
فعندما تتحول مطاردة المقاومين الفلسطينيين بهدف اعتقالهم أو اغتيالهم إلى قاسم مشترك بين أي طرف فلسطيني وبين قوات الاحتلال، بغض النظر عن النوايا والأهداف المعلنة، يكون هناك بالتأكيد خلل في معادلة الصراع بين القوة القائمة بالاحتلال وبين الشعب الخاضع للاحتلال، ويكون هناك بالتأكيد خلل في المعادلة الوطنية الفلسطينية يهدد حتما بخروج الطرف أو الأطراف التي تختار اصطفافا كهذا من المعادلة الوطنية، سواء كانت أو لم تكن واعية لمثل هذه النتيجة المحتمة لاصطفافات كهذه.
إن سوق أسباب "فنية" لقيام طرف فلسطيني بتحمل المسؤولية عن استشهاد أي مقاوم فلسطيني يطارده الاحتلال منذ سنوات، كالقول إنه كان هو "المبادر" إلى إطلاق النار لمنع اعتقاله، هو عذر أقبح من ذنب لتسويغ تحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية الجسيمة عن سقوط في المحرم الفلسطيني من زاويتين، الأولى الانضمام إلى الاحتلال في مطاردة المقاومين للاحتلال، والثانية الوجود في وضع من يتحمل المسؤولية بدلا من الاحتلال عن تصفية جسدية لهؤلاء المقاومين.
كما أن تسويغ مطاردة المقاومة حد تصفية المقاومين جسديا بـ"المعاملة بالمثل" انتقاما مما تتهم سلطة الحكم الذاتي خصمها السياسي في قطاع غزة بممارسته ضد المعارضة السياسية الفتحاوية غير المقاومة وهذا تسويغ قائم على الأرض لكن لا تدعيه السلطة من الناحية الرسمية بل تنفيه – هو تسويغ مرفوض من حيث المبدأ، فالمقاومة للاحتلال يجب أن تنفصل تماما عن الخلافات السياسية وتسمو عليها.
فلا وجه للمقارنة وطنيا بين المقاومة وبين المعارضة السياسية، وإذا كان يمكن للمواطن الفلسطيني أن يتفهم الاعتقال السياسي الذي يرتهن معارضين للخلاف السياسي بين سلطتي الانقسام، وإن كان يرفض مثل هذا الاعتقال، فإنه لا يتفهم ولن يتفهم بل يدين أي مقارنة أو معاملة بالمثل بين المقاومة والمقاومين وبين المعارضة السياسية والمعارضين، فهذا لا يعدو كونه وقوعا في الفخ الذي نصبه الاحتلال وراعيه الأميركي للايقاع بين الفلسطينيين للخلط بين المقاومة وبين المعارضة السياسية من جهة وبين المقاومة وبين الإرهاب من جهة أخرى. أما تحميل المسؤولية إلى الأدوات الفلسطينية البشرية الفردية التي استخدمت في تصفية المقاومة فإنه يرقى إلى الوقوع في الفخ نفسه.
إن الحجة الرئيسية "القانونية" التي تسوغ بها سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني قاسمها المشترك مع الاحتلال هي "وحدة السلاح الفلسطيني"، وحقها الحصري في امتلاكه، واعتبار كل من يحمله غيرها "خارجا على القانون"، ومن هنا إعلان فصائل مقاومة وطنية رئيسية خارجة على القانون مما يسوغ مطاردتها واعتقالها ومؤخرا يسوغ اغتيالها إن رفضت تسليم سلاحها.
في مقال له مؤخرا كتب المحلل والناشط السياسي الفلسطيني هاني المصري وهو ابن مؤسسة السلطة: "ليس من حق السلطة الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال ولا من مصلحتها الوطنية، أن تقوم باحتكار السلاح، شأنها شأن أي سلطة عادية في دولة مستقلة قبل إنهاء الاحتلال وقبل التوقيع وتطبيق معاهدة سلام.. إن السلاح منتشر بكثرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأسباب تتعلق بالوطن ومقاومة الاحتلال، ولأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد وخصوصا للدفاع عن النفس والأخذ بالثأر، فلماذا يتم الخلط بين سلاح الفوضى والفلتان الأمني والثأر وسلاح الجريمة وسلاح المقاومة؟"
والإجابة على سؤال المصري تقود إلى الحجة السياسية التي تسوغ السلطة بها قاسمها المشترك مع الاحتلال، وهي حقها الحصري أيضا في احتكار الاجتهاد الوطني السياسي ورسم"مشروع وطني" يوجد جدل واسع حول استراتيجية وتكتيكات الوصول إليه، وهو مشروع كان الثمن الوحيد له حتى الآن هو الانقسام والاقتتال الوطني اللذان يهددان باستمرارهما بإفراغه من مضمونه الوطني، وهذه الحجة السياسية تشير بما لا يدع مجالا لأي شك بان المسؤولية في قلقيلية تتحملها السياسة الأميركية أولا ثم الأداة الفلسطينية الملتزمة بهذه السياسة ثانيا، أما العوامل الذاتية الأخرى فإنها تحصيل حاصل فحسب. نقولا ناصر، كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com