أوباما وداعش.. الندم المتأخر جداً!

تجرأت داعش على اوباما. خاطبته نداً بند وكأنها قوة عظمى تســـتند إلى أساطيل وسلاح جوي واقتصاد قوى مع أنها مليشيات إرهابية لرجال شعث غبر يعيثون الفساد في المشرق العربي ويهددون دوله بالتقسيم.

حذر الداعشيون أوباما بأنهم سيواصلون قتل الاميركيين اذا لم يتوقف القصف الاميركي على مواقعهم. هددوا بقتل أميركي آخر هو سوتلوف بعد ما قتلوا الصحفي الاميركي جيمس فولي اذا ماصح شريط الذبح الذي اذاعوه.

قضمت داعش او مايسمى بالدولة الإسلامية ثلث مساحة العراق وتشرع حالياً في التهام اجزاء من سوريا. شعر الغرب بزعامة اميركا وبريطانيا وغيرهما ان ماخططوا له من قبل سيرتد إلى اعناقهم ويذيقهم العذاب الواناً.

واشنطن ولندن متهمتان باستدراج الارهابيين الاميركيين والبريطانيين ذوي الأصول الإسلامية إلى العراق وسوريا لإبعادهم عن المدن الأميركية والإنجليزية حتى لا تتكرر مأساة سبتمبر 2011 التي مازالت لعنتها تلاحق أوباما بعد بوش. تزايدت أعداد المتطوعين الغربيين في صفوف داعش وهناك دلائل على أن واشنطن استغلت خبرتها في تدريب المجاهدين في أفغانستان في تقوية داعش من خلال أجهزة مخابراتها بالتعاون مع مخابرات شرق أوسطية (تركيا وإسرائيل). أميركا أرادت أن يدفع السوريون والعراقيون ثمن الإرهاب من دمائهم.

اذن الرئيس أوباما بذر البذرة الأولى لداعش في التربة السورية والعراقية عندما "تعامي" عن جريمة قصف غوطة دمشق بسلاح بشار الأسد الكيماوي. ليس أوباما فقط، بل أن الرئيس بوتين يشاركه نفس المسئولية في إرسال الإرهابيين الروس من الشيشان ليقاتلوا في صفوف داعش تطبيقاً لنفس مبدأ اوباما وهو "دعهم ينزفون ويقتل بعضهم بعضاً".

عقدة الرئيس أوباما هي أن يتورط بقواته في العراق ويكرر خطأ بوش لذا مارس سياسة الانكفاء وعدم مواجهة الفراغ السياسي والأمني العربي الذي نشأ من ثورات الربيع العربي التي أيدتها وشجعتها الولايات المتحدة الأميركية. الآن أوباما يعض أصابع الندم في وقت متأخر جداً. فقد افترس الضبع الداعشي مواطنا أميركياً وبدأ يطرق على كل باب أسرة أميركية تعيش في الشرق الأوسط. الآن على أوباما أن يقود تحالفاً دولياً يضم خصومه (سوريا وإيران) بالإضافة للعراق ودول الخليج. وهذا التحالف لن يكون سهلاً لأن عليه الإجابة عن أسئلة صعبة قبل الاشتباك مع الارهابيين. مثلاً من سيرغم داعش على الخروج من المناطق التي احتلتها؟ وهل سيحكم بشار الأسد سوريا بيد مطلقة ونفوذ كامل؟ وهل سيظل العراق رهيناً لنفوذ إيران السياسي والمذهبي؟

الرئيس الأميركي مدان أكثر من أي طرف آخر فيما يعتري المشرق العربي والشرق الأوسط الآن. فهو مدان بتهمة التمييز بين دماء السوريين والعراقيين. كان يخشى تسليح المعارضة السورية السنية ضد بشار حتى لا تسقط الأسلحة في يد القاعدة. الآن يندم أوباما أن داعش أصبحت أخطر من القاعدة بفضل تردده والمصيبة الكبرى أنه حتى مع استئصال داعش ربما يولد إرهاب آخر أخطر منها. ولا ننسى أن هناك شعوراً لدى بعض العرب بالارتياح لما تفعله داعش التي نجحت في فرملة النفوذ الإيراني الشيعي في المنطقة.

مشكلة الرئيس أوباما أنه غبي. الغبي عادة لا يعترف بخطأه. فقد أخطأ في سوريا. لذا فأن أوباما المنكفئ المتخبط المتردد قد يجد نفسه في ساحة معركة مع داعش بقرار منها وليس بمبادرة منه.

هناك عفريت يسكن في البيت الأبيض حالياً يراه أوباما ويعرفه ويخشى اليوم الذي يتحول فيه من مجرد شبح إلى كابوس، وأنا أتحدث هنا عن الإرهاب الذي لو خرج إلى الشارع الأميركي فستكون الكارثة أفظع من 11 سبتمبر وسيفقد التعاطف العربي مع واشنطن الذي كان معها في 2001.

يعترف الرئيس الأميركي بالذنب والخطأ نحو ليبيا. لا يندم على خلع معمر القذافي، لكنه نادم على عدم تنبهه وشركائه الأوروبيين إلى حاجة كانت ساطعة كالشمس، وهي ضرورة الإسراع إلى مساعدة ليبيا في بناء الدولة وأجهزتها. وكما تتذكرون الكل هرول إلى مغادرة ليبيا باستثناء شركات النفط. الكل احتفى بـ "إنجازاته" في ليبيا، لا سيما أولئك الذين رقصوا في قاعات الأمم المتحدة وعانقوا بعضهم بعضاً وبكوا فرحاً.

اليوم، يتحسر باراك أوباما على ما حل بليبيا التي أصبحت وكراً لاستقطاب الإرهاب ومشروعاً لـ "الداعشية" من نوع آخر. اليوم، يتحدث الرئيس الأميركي بلغة الدروس الصعبة. يتحدث بلغة "إعادة بناء المجتمعات" في أعقاب التدخل العسكري. يقول: "إن الدرس الذي أطبقه على نفسي عند النظر في احتمالات التدخل هو بالسؤال الآتي: في حال تدخلنا العسكري، هل لدينا الأجوبة حول ما يأتي به اليوم التالي؟"

من ثم فان تفكك الدول والتمدد الإيراني وترك الساحة الفلسطينية ملتهبة تحت رحمة آلة القتل الإسرائيلية، مسائل لا يمكن تجاهلها عند بحث تشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب الداعشي.

المشكلة في رأس التحالف. هل سيقتنع باراك أوباما أن سياسة "دعهم ينزفون دعهم يقتلون بعضهم بعضاً" قد وصلت إلى نهايتها، وأن الصحافي القتيل جيمس فولي قد يكون طليعة لسلسلة من الضحايا الأميركيين ما دام نهجه الذي قام على أنقاض فشل جورج دبليو بوش قد فشل، فتراكمت أنقاض فشلي بوش وأوباما لتنتج ظاهرة داعش.

لكن أوباما لو دخل الحرب ضد داعش سيخوضها من وراء ستار وليس بجنوده ولكن بجنود (أكراد أو سنة الصحوات) أو بالتحالف مع الحرس الثوري الإيراني خصمه اللدود.

انني أعيد هنا ما كتبته سابقاً في ميدل إيست أونلاين عن حديث أوباما مع صحيفة النيويورك تايمز ومحررها المخضرم توماس فريدمان فقد تحدث الرئيس الاميركي عن عدم استعداده ليعمل "السلاح الجوي العراقي"، وفق تعبيره، نيابة عن الحكومة العراقية أو نيابة عن الأكراد أو الشيعة أو السنة في العراق. قال أيضاً إنه لم يبدأ القصف الجوي ضد "داعش" باكراً بوجود المالكي، لأنه لو فعل ذلك، لسحب الضغط عن المالكي وشجعه على التعنت والتمسك بالسلطة ورفض الحلول الوسط ولشجعه كذلك على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وراءه ولا حاجة به إلى مراجعة النفس والأخطاء. وهذا صحيح.

وعلقت صحيفة النيويورك تايمز على الحوار بقولها أن اللافت في الركيزة الأساسية في فكر أوباما هذه الأيام هو عقيدة "لا منتصر ولا مهزوم". بل إن باراك أوباما يضيف بعداً فلسفياً على هذا المبدأ ويقول إن المجتمعات تتفكك عندما تتخذ الأطراف السياسية "مواقف تصعيدية"، أي مواقف التشبث بالرأي وزعم صحة المواقف التي تتبناها هذه الأطراف مئة في المئة.

باراك أوباما يريد، كما أراد دوماً، أن يقف بين بين. يريد الحلول الوسط. يريد دحض نظرية أن المنتصر له الحق بالفوز بكل ما كان قائماً قبل المعارك، إذ إن الانتصار يضمن الحق في الهيمنة والإملاء، وذلك حسب ما جاء في تعليق للنيويرك تايمز ونقلته عنها الصحف العربية. ما لا يعترف به الرئيس الأميركي هو أنه هو الذي هرول للانسحاب من العراق وخلق بذلك الفرصة لملء الفراغ على أيدي الشركاء الذين خلقتهم الحرب الأميركية في العراق، وأن هؤلاء الشركاء هم الذين ملأوا الفراغ سلباً وهيمنة وتوظيفاً للمبدأ القائل إن "للمنتصر حق الامتلاك القاطع" للقرار والموارد والسلطة والاستفراد والإقصاء. واليوم يثق الرئيس الأميركي أن القدرات العسكرية الأميركية متفوقة لدرجة التمكن من القضاء على "داعش" عبر عمليات جوية، لكنه ليس واثقاً من ديمومة إنهاء "الداعشية" طالما الشركاء على الأرض في معمعة الطائفية وسوء التحالفات.

لاحظ أيضاً أن باراك أوباما يتحدث اليوم بلغة التفهم الأميركي لمطالب "الأقلية السنية" في العراق و"الأكثرية السنية في سوريا". يقول: "للأسف، مرت فترة لم تفهم فيها الأكثرية الشيعية في العراق" إن عدم التنبه إلى طموحات السنة المشروعة سيخلق مشاكل كبرى، وأدى ذلك إلى السماح لـ "داعش" بملء الفراغ. ولتذكر أن سلفه جورج دبليو بوش دخل حرب العراق دفاعاً عن الحقوق الشيعية وقدم العراق إلى إيران، وها هو باراك أوباما يتحدث عن حقوق السنة كأقلية، متناسياً هضم حقوق الأكراد السنة كذلك.

إذن أوباما يحاول مرة أخرى إحياء سياسة "فرق تسد" التي قدمها الاستعمار البريطاني للمنطقة في أوائل القرن الماضي. لكن كالعادة فانه لايفهم مغبة ما هو مقدم عليه وانه سيلعب مع الارهاب وسيكون الرهان أرواح مواطنيه في كل مكان.

وفي النهاية لا يمكننا إغفال وجهة نظر أخرى عن أن داعش هي صنيعة أميركا لمواصلة الفوضى الخلاقة وتغيير خرائط الشرق الأوسط أو صناعة إسرائيلية لذات الهدف ولتبرير الصفة اليهودية للدولة العبرية بل أن هناك من يزعم أنها عميلة المخابرات السورية كما يردد الائتلاف الوطني المعارض للأسد ويزعم امتلاكه أدلة قاطعة على ذلك.

وفي النهاية نقول ان النيران ستطول الجميع ولن يوجد جندي مطافئ واحد يمكنه إخماد الحريق.