أوباما والرهان الخاسر

بقلم: محمد السروجي

تحت شعار "yes we can، نعم نحن نستطيع"، ملأ الرئيس أوباما الدنيا آمالاً ووعوداً، فهو رجل يتميز باللباقة واختيار الألفاظ ودغدغة المشاعر وكسب الأصدقاء لكنه لا يملك سطوة وسلطة الضغط والتنفيذ، لسبب بسيطً أنه تم انتخابه رئيساً لأمريكا ولرعاية مصالح أمريكا وليس راعياً لبلدان العرب؛ وهو انتخب رئيساً لبلد تحكمه المؤسسات ولن تسمح له بأن تختزل في شخصه أو فكره. ولكن الواقع العربي المأزوم والمتردي من جهة، ويأس شعوبه من أنظمة الحكم فيها من جهة أخرى، جعل الغالبية تتعلق بقشة أوباما، الشعوب انبهرت بخطابه للعالم الإسلامي خاصة عندما دغدغ مشاعرهم بإلقاء السلام تحية المسلمين واستشهاده ببعض آيات القرآن الكريم وإبداء احترامه للحضارة الإسلامية، والمعارضة أرادت أن تحرز أهدافاً في مرمى الأنظمة بقدم أوباما نظراً لما تعانيه من ضعف الشعبية وندرة الميدانية وانخفاض اللياقة البدنية في مزاحمة الحكومات المستبدة، وأنظمة الحكم هدأت واستقرت بعدم التفاته لما يسمى وحقوق الإنسان في دول المنطقة وأنه لن يفرض الديمقراطية لكنه سيعززها بالحوافز لمن ينتهجها، والكيان الصهيوني حبك سيناريو الاختلاف مع أوباما ليبدو للعرب السذج أن ثمة خلافا حادا بين الإدارة الأميركية والصهيوني نتنياهو لتنحاز أنظمة الحكم وفرق المولاة من التيار الليبرالي في مربع أوباما قديس الحقوق القادم، والأكثر من هذا الترويج للوقوف في صفه لدعمه ضد نتنياهو، ثم يتمخض الأمر على واقع آثم بالتجميد الجزئي للمستعمرات – المستوطنات – مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني ولتذهب كافة الحقوق العربية والفلسطينية بل والمقدسات إلى غير رجعة، بل وتوضع تيارات المقاومة والتحرر في مربعات غياب الواقعية السياسية وعدم احترام الشرعية الدولية وغير ذلك من مصطلحات مجموعة التنوير والواقعية، وتنطلق الدعوات الوهمية لحل الدولتين ويهودية الدولة والسلام الاقتصادي، وإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وغير ذلك من الأوهام التي لا تساوي كلفة الأوراق والأحبار ومصروفات المؤتمرات الصحفية التي تعلن فيها الأوهام.
وتغافل الجميع عدم جاهزية المناخ العام لإحداث أي تقدم ملموس لأسباب منها :
* عدم جاهزية أميركا في إحداث جديد في القضية المصيرية في المنطقة، بسبب الأزمة المالية الطاحنة وتأثير اللوبي الصهيوني وسقوطها المريع في المربع العراقي الأفغاني، فضلاً عن سذاجة وسطحية المعروض أميركياً وهو بالكثير العودة للمفاوضات لتبدأ الطريق من المربع صفر.
* رصيد نتنياهو في نسف كل الطرق المؤدية للتسوية العادلة وتجربة التسعينيات خير شاهد.
* فشل أنظمة الحكم في التوظيف الأمثل للأوراق والفرص المتاحة وهي كثيرة. لكن المشكلة ليست في الفرص بل في إداراتها خاصة أن أنظمة الحكم العربية لا تستطيع مخالفة التعليمات الصادرة من واشنطن وإن كثر الحديث عن السيادة واتخاذ القرار الوطني لأن هذه الأنظمة تستمد شرعيتها من دعم الإدارة الأمريكية لمواقفها وعثراتها أو التغافل عن استبدادها وفسادها.
وأخيراً، الرهان على أوباما وأدواته في المنطقة غير مأمون ولا مضمون بل خاسر، ويبقى الرهان الأوفر حظاً على رصيد الشعوب وتيارات المقاومة المسلحة في الدول المحتلة، والسلمية في الدول المعتدلة، خاصة وأنه رصيد بات معتبراً في كل دوائر صنع القرار المحلي والإقليمي والدولي.
الطريق طويل وصعب لكن تحقيق الغايات الكبرى من تحرير الأوطان وانتزاع الحقوق يستحق ركوب الصعب .
محمد السروجي، مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية