أوباما فوق الشجرة

أوباما فوق الشجرة، صعد ليقتطف الثمرة، لكنما الثمرة لما تنضج بعد، مذاقها مرّ علقم، لا تهضم..حار الرجل وتحيّر..

كان حجم الثمرة يغريه فتسلق كالقرد الخبير، لكنه علق.. لا هو قادر على قضم الثمرة الكبيرة المرّة، ولا هو قادر على النزول الآمن، من دونما وسيلة، سلّم أو رافعة، السلم لا للصعود، وإنما للنزول، والرافعة، لا ترفعه هذه المرّة وإنما تهبط به من علو.

هل ستحكي الأمهات والجدات الأميركيات في يوم ما، حكاية "أوباما فوق الشجرة، الذي أغرته الثمرة"؟

بحسب المعطيات المتوفرة يمكن القول: "ربما"، وبحسب ما يُخفى، وما يَجري خلف الكواليس، وما لم يُعلن أصلاً، يمكن القول: أن أوباما لم يصعد أي شجرة، وإنما هو تحرك على سجادة الواقع المفروشة أمام قدميه، وإنه سيفعل ما خطط له، بالطريقة التي أرادها، والتي قد لا يكون أعلن عنها أساساً.

سنكون مضطرين للرمي بكل تلك السفاسف التي لا معنى لها في عالم السياسة، من أمثال هيبة أوباما، وكرامة أوباما، وتراجع أوباما المُهين. فالرجل لا يَعتمر العمة، ولا يرتدي العقال، ولا يحسب أن القشة على عقاله أكان غليظاً أو رفيعاً، تستوجب مسح الإهانة، وإعادة الشرف المُضاع، وقبله قُذف بوش الإبن بالحذاء من مواطن عراقي غاضب، فلم يجد المضروب أيه إهانة في رميه بالحذاء، فلقد كان الحذاء بالنسبة له وسيلة إيذاء، تماماً كالحجارة، أو البيض الفاسد، وكان همه أن يزوغ من الضربة، ويتقي أذاها، فيما بعد أصبح الرمي بالحذاء وسيلة للتعبير عن الغضب، حتى في المحافل التي يقولون أنها قد تجاوزتنا في التطور والتقدم والرقي أشواطاً.

أذكر هذا لأشير إلى أنه من العبث تحليل قضايا السياسة العالمية الراهنة بمفاهيمنا نحن كعرب أو شرقيين، بعضهم تساءل مندهشاً: هل سيتجرع أوباما الإهانة وينزل من على الشجره، أم يمضي قدماً فيما إنتواه؟

إذا لم تكن الثمرة ناضجة، وإذا حُسبت موازين الخسارة والربح، ورجحت كفة الخسارة على الربح، فإن أوباما لا ينزل عن قمة الشجرة، وإنما عن قمة إيفريست، ولن يحتاج في هذه الحالة لا إلى سلّم ولا رافعة، وإنما سيهبط كما ارتقى، ولن يكلفه الأمر سوى تخفيف حدّة الخطاب أولاً، والبحث بعقلانية عن حلول للخروج من المأزق، ليس المأزق السوري فقط، وإنما المأزق الإيراني، والمأزق الإسرائيلي الفلسطيني.

أما إذا كانت الثمرة ناضجة، وتقديرات الخبراء تقول أنه حان قطافها، وأن الخسارة زهيدة والربح وفير، فإنه سيقدم غير هيّاب ولا وجل، وسيفعل ربما أكثر مما فعله غيره من الرؤساء، فحامل جائزة نوبل للسلام سيحقق السلام على الطريقة الأميركية، من خلال توماهوك صديق المنطقة، وكروز، وما تخبئه ترسانة السلاح الأميركي التي لم تجرّب بعد، والتي أصبحنا – نحن العرب- الساحة الوحيدة والأثيرة لتجريبها فينا وعلينا، وبضربات رعب وصدمة، تستلهم سابقاتها، يتسنى لبطل الحرب والسلام – مع الإعتذار للراحل، هل هو راحل أم مُرّحل؟ المرحوم أنور السادات- إنهاء بؤر التوتر في منطقة شكلت أرقاً للغرب وأميركا، ولربيبتهما إسرائيل، وإذ يجعل سوريا جزءاً من محور الإعتدال الذي لا يهش ولا ينش، فإنه سيعيد إيران إلى بيت الطاعة، حيث ستتخصص بتصدير الفستق والسجاد اليدوي، الكاشاني والتبريزي والأصفهاني، وسيحوّل حزب الله إلى وكيل سفريات للسياحة والإستجمام، أما المقاومة الفلسطينية، بكل ألوانها فسيوزع عناصرها على بلدان الوفرة، إذ آن لهم أن يرتاحوا من وجع المقاومة وأرقها الدائم.

إذا كان بالإمكان تحقيق مثل هذا الهدف، أو الأهداف، أو بعضها على الأقل، فما الذي يمنع أوباما من المجازفة، خصوصاً إذا كانت محسوبة، وإن كان هنالك ثمة خط تراجع، وهو كائن دائماً لمن يحسنون الحسبة، ولا يسيرون على عمى.

إما هذا أو ذاك، ولا حل آخر، لا إمكانية للمراوحة بعد أن وصلت الجعجعة إلى منتهاها، فما يُعد حارقاً للإعصاب أو مُتلفا لها، سيغدوا مملاً ولا تأثير له، بعد توالي الأيام والأسابيع والأشهر، وينقلب السحر على الساحر، ويصبح الضغط النفسي في خبر كان، ويضحى الأمر برمته مضيعة للوقت.

صحيح أن تنازل أوباما، بعد أن إستعرض قوته، يعني هزيمته وهزيمة أميركا، ولكن هذا لا يعني إنتصار حلفاء سوريا، طالما هم لم يظهروا لنا قوتهم، لا باستعراض أسلحتهم، فليس هذا هو المطلوب، إذ بقاء هذا السلاح مخفي ومستتر أفعل وأكثر تأثيراً، ولكن بتصعيد موقف التحدي إلى المستوى الذي يفهمه لا الأميركان والغرب فقط، وإنما حكام المنطقة المتواطئون.

كيف يكون رفع وتيرة التحدي؟. هذا ما على محور الممانعة تقديره، سلطات حاكمة، وقوى وجماهير مناصرة، لكننا يمكن أن نقول بكل وضوح أن نبرة التهديد، سواء من قبل الأميركان، أو مشايعيهم، أكبر بما لا يُقاس من نبرة التحدي التي تبدو فاترة أحياناً، ومُلتبسة، حتى في البلد الواحد. إيران مثلاً، من خلال تصريحات رفسنجاني المناقضة تماماً لتصريحات سليماني، وإن كنا نقدّر صمت حزب الله الذي نراه أكثر تأثيراً، وأمضى من التصريح مهما علت نبرته.

يصعب في زماننا هذا، ومع التطور التكنولوجي، إخفاء المفاجآت عن العيون الراصدة الخبيرة، نقول يصعب، ولا نقول يتعذر، فدائماً تُخبئ الأحداث مفاجآت ربما لن تكون بالحسبان، يكون لها الدور الحاسم في نهاية المطاف.

هل أدرك أوباما في اللحظات الأخيرة بعض هذه المفاجآت، أم إنه ينوي الذهاب إلى أبعد مدى، لذا فهو يحتاج تفويضاً من ممثلي الشعب؟

جواب هذا السؤال ستحدده الأيام القليلة القادمة.

هل تُخبئ سوريا، المُثخنة بالجراح، مفاجآت؟

مهما كان حجم ما يمكن أن تظهره سوريا، فهو لا يتعدى ياخوت، او الأسكندر، وربما س300، الذي أصبح جيلاً قديما في الترسانة الروسية بعد إستحداث س400، وس500، لكنه يظل سلاحاً فتاكاً لا قدرة للسلاح الأميركي على مواجهته.

المفاجآت لا تُحسب مفاجآت من خلال ما هو معروف أو مُتداول، من أجل أن تكون مفاجأة ينبغي ان تكون شيئاً مختلفاً عما نعرف، أو يعرف الخصم، غير أن أكبر مفاجأة قدمتها سوريا هي صمودها كل هذا الوقت أمام هجمة بدت كونية في العديد من جوانبها.

سوريا قدمت مُفاجأتها، وهي مفاجأة كبيرة الدلالة بكل المقاييس، أما المفاجأة المنتظرة فهي من إيران، التي تبدو كجبل الجليد، الذي لا يظهر منه إلا أقله، أما الضيف الذي ضيّف نفسه في شواطيء سوريا فإن تزايد سفنه الحربية جزءاً من المفاجأة، لقد وفر الغطاء اللوجستي الضروري لسوريا، ولحلفاء سوريا، ولعل المفاجأة الأكثر خطورة على إسرائيل التي هي قطب الرحى في العملية كلها فهي تأتي من صاحب المفاجآت الملتزم بالصمت، من ذاك المُسمى حزب الله.