أوباما ـ بوتين وتغيير اللعبة القذرة

فوجئ العالم كله بأعلان الرئيس الروسي فلادمير بوتين انسحابه العسكري من سوريا بلا اية مقدمات، معللا ذلك الانسحاب بان المهمة والاهداف الروسية تحققت هناك، ويقصد ضمان بقاء الاسد ونظامه، وتحقيق الاستراتيجية الروسية التي اعادت الهيمنة الروسية والمصالح طويلة المدى، من خلال اقامة القواعد العسكرية البحرية والبرية ونصب صواريخ اس 400 على الاراضي السورية، وان اهداف الغزو الروسي لسوريا، لم يكن تنظيم داعش والنصرة هدفها المعلن كما اعلنته روسيا وقالت انها ستقضي عليه نهائيا خلال شهرين وليس كما تدعي اميركا وتكذب عليكم، وانما كان تمويها وتضليلا وتغولا على العالم.

اذن بوتين حقق استراتيجيته ومضى، غير آبه بمئات الالوف من الشهداء والجرحى، وتهديم وتدمير البنى التحتية لسوريا، التي قصفتها طائراته وصواريخها الذكية وراجمات مدفعيته.

اليوم يعلن بوتين انسحاب روسيا العسكري من سوريا "بلا احم ولا دستور"، ويضحك على العالم بأكذوبته ان التدخل الروسي سيقضي على الارهاب بغضون شهرين فقط، ولكن ما هو موقف ادارة اوباما ازاء هذا الانسحاب؟ لا سيما وان المفاوضات مع المعارضة ينتظرها الفشل في جنيف3، بعد تصريحات وزير خارجية نظام الاسد المعلم الذي اعتبر مناقشة الانتقال السياسي خطاً احمر، واصرار المعارضة السورية على مناقشة الانتقال السياسي للسلطة في سوريا اولا.

ولكي لا نخلط الاوراق ونحرقها دفعة واحدة على القارئ وندخله في انفاق لا طائل منها في التحليل السياسي، نرى ان الاستراتيجية الاميركية ماضية في تحقيق اهدافها، وهي اعادة رسم خريطة المنطقة وفق الرؤية الاميركية، وليس الروسية، بعد ضمان بوتين حصته من الكعكة في الحرب على الارهاب، فانزوى بعيدا ينتظر قطف ثمار تدخله في سوريا، مع بروز حليف قوي يحقق لاميركا والعرب ما عجزت عنه اميركا وروسيا، ونقصد به التحالف الاسلامي العسكري الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ويضم اكثر من عشرين دولة عربية واسلامية، تمتلك أقوى الجيوش وأحدث الاسلحة والصواريخ والطائرات، والتي اعلنت اهدافها بشكل واضح وجلي وهو القضاء على الارهاب الدولي لتنظيم داعش وميليشيات ايران في العراق ولبنان واليمن وسوريا.

المشهد الان بدا واضحا، ان التحالف الاسلامي يلقى دعما اميركا ودوليا كبيرا لانه يستهدف الارهاب الدولي، وان اميركا تغوص في المستنقع العراقي من خلال معاركها مع تنظيم داعش وانشائها حكومات فاسدة وطائفية فاشلة في العراق وتسليمها العراق إلى ايران وميليشياتها، تسبب في فشل اميركي وانزل سمعة اميركا الى الحضيض عالمياً.

لذلك فظهور التحالف الاسلامي وانسحاب روسيا من سوريا يحقق عدة اهداف لاميركا منها تحجيم الدور الايراني وانهاؤه في المنطقة، مع ضمان القضاء على تنظيات داعش والنصرة المتطرفة، والميليشيات الايرانية من حزب الله والحوثيين وبدر والعصائب وحركة حزب الله العراقي وغيرها، وتفكيكها واعادتها الى حجمها الطبيعي، بعد ان اصبح خطرها بفضل غباء ادارة اوباما الى خطر حقيقي يهدد العالم، واولها اميركا واوروبا، ناهيك عن تحقيق الاستراتيجية الاميركية في اعادة رسم خارطة المنطقة، حسب اتفاقية كيري-لافروف، المعلنة، اذن قول بوتين ان روسيا حققت اهدافها الاستراتيجية في سوريا، يدخل في هذا السياق.

اما ايران، فقد خسرت كل شيء في المنطقة وستخسر كل شيء مستقبلاً، خسرت الاف المقاتلين من الحرس وفيلق القدس في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وعشرات الجنرالات، وخسرت تمددها وتوسعها الذي ارتد عليها وبالا، فهزيمة الحوثيين في اليمن وهزيمة حزب الله في سوريا، وهزيمة الميليشيات في العراق، اضافة الى حقيقة اثبتت للعالم ان ايران هي راعية الارهاب الدولي وهي المسؤولة عن تفجيرات برج التجارة العالمي واحداث 11 سبتمبر، باعتراف القضاء الاميركي واعترافات دامغة امامه، والذي قضى بدفع ايران عشرة مليارات ونصف المليار لضحايا سبتمبر، وهذا يثبت للعالم مدى براءة العراق وكذب بوش وادراته في غزو العراق، ويحمل اميركا تركة الحرب على العراق وتكاليفها ومحاكمة من كان وراءها وسببها.

ومع هذا ستدفع ايران ميليشياتها في العراق وحزب الله في لبنان الى هاوية الصراع الطائفي مع العرب، خاصة بعد انطلاق عمليات التحالف الاسلامي العسكري ضد الارهاب في العراق وسوريا، واعتبار حزب الله والميليشيات تنظيمات ارهابية بقرار جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، والذي ستدفع حكومة العبادي ثمنا باهظا له جراء موقف ابراهيم الجعفري وزير الخارجية في مؤتمر الجامعة العربية ووصفه للعرب بالارهابيين ودفاعه المستميت عن ميليشيا حزب الله والحشد الشعبي كل من يعتبر حزب الله والحشد الشعبي تنظيما ارهابيا فهو ارهابي.

هذا القشة التي ستكسر ظهر العلاقة بين العرب وبين حكومة العبادي، وستزيدها عزلة وتضمها الى المشروع الايراني المعادي للامة العربية في التمدد والتوسع، ودعم الارهاب، ويبقى المشهد ضبابيا، ازاء حكومة العبادي الغاطسة في وحل فشلها وفسادها وطائفية احزابها وصراعاتهم على المغانم والمكاسب والمناصب، مما سيؤدي بهم الى الانهيار الكامل في الايام المقبلة، وان معركة مدن الانبار التي تقودها اميركا بجيش وشرطة حكومة العبادي هي معارك، تنصب على هدف القضاء على داعش لصالح اميركا وليس العبادي، وهكذا تحضر ادارة اوباما المعركة الفاصلة والحاسمة في الموصل، لتعلن بعدها النصر النهائي على الارهاب، وتتخذ خطوات اكثر وضوحا تجاه الميليشيات الايرانية والاحزاب الفاشلة الفاسدة في العملية السياسية، والتي ستقلب الطاولة عليهم جميعا، كما هو مخطط لها.

وهذه المهمة اوكلتها ادارة اوباما للتحالف الاسلامي العسكري بقيادة السعودية، وقد بدأت بوادره واضحة، في تقاسم المعركة في سوريا والعراق، ولا سيما ان اوباما يصر على الانتقال السياسي في سوريا بعد رحيل وانسحاب روسيا منها، وتقلص دور ايران فيها وتفرد اميركا وحلفاؤها بالنظام السوري، لاجباره على تخليه عن الحكم، بانتقال سسياسي سلمي للسلطة برعاية الامم المتحدة، او الذهاب الى مجلس الامن الدولي كما يهدد بذلك ستيفان دي ميستورا منسق الامم المتحدة في سوريا، الان النظام السوري في احرج واضعف فترات حكمه، بعد تخلي روسيا وانسحابها، وتقلص وتحجيم دور ايران عنها، وبروز قوة وتهديدات التحالف الاسلامي السعودي لها، ووضع حزب الله على لائحة التنظيمات الارهابية.

هنا لا بد من التنبيه الى أن معركة الموصل ستكون اميركية خالصة لتقطف ثمارها اميركا وحدها، في حين تكون المعارك الاخرى بقيادة التحالف العسكري الاسلامي مع التحالف الدولي واميركا في كل من سوريا والعراق، والهدف التالي سيكون تنظيم داعش والنصرة في كل من العراق وسوريا والميليشيات الايرانية في العراق، مع تقزيم حزب الله وفرض انسحابه من سوريا، بعد ان ضمنت السعودية بعد فضيحة اشتراكه باحداث سبتمبر وبرج التجارة العالمي ووضعه في خانة التنظيمات الارهابية، بالرغم من دفاع اوباما وادراته عنه وعن دور ايران، وذلك لتخادمهما معه في العراق وسوريا، نحن نرى ان السيناريو القادم اسوأ على ايران، وبدأت بوادر هذا واضحة باتهامها باحداث سبتمبر وتجريمها وتغريمها، تماما كما سيناريو غزو العراق واختلاق الاسباب الواهية والتي ثبت كذبها وبطلانها على الارض وباعتراف دهاقنة البيت الابيض واعضاء الكونغرس الاميركي وتضليل الرأي العالمي، وقد بانت الصورة اوضح حينما اعلن بوتين الانسحاب العسكري، مما ترك ايران وحزب الله والنظام السوري في مأزق لا يحسدون عليه.

اعتقد ان الامور في طريقها الى تسوية وهزيمة واذلال لسوريا بقبولها الانتقال السياسي للسلطة مرغمة لا طائعة، وهزيمة لايران وميليشياتها من سوريا والعراق، وحل الحشد الشعبي او الاصطدام بدفع من حكام طهران وخامنئي مع التحالف الاسلامي العسكري، وهذا متوقع جدا ولكن سيؤدي الى هزيمة منكرة وابادة للحشد والميليشيات معا، لان ما نراه من تهديدات لقادة الحشد الشعبي والميليشيات يؤكد انها ماضية في وهم القوة الايرانية امام قوة الوهم السعودي في حرب خاسرة مع التحالف العسكري الاسلامي وستدفع ثمنا باهظاً جداً لا تتخيله، المنطقة مقبلة على تحولات كبرى كما اشرت سابقا ونحن بالانتظار، وما تغيير اللعبة مابين اوباما وبوتين الا محطة قصيرة من محاطاتها وسنرى في الايام المقبلة ما سينتج عنه الانسحاب الروسي من سوريا ويلقي بظلاله على كل المنطقة.