أوباما: السلام عليكم!

بقلم: فارس البيل

بعد طول انتظار..دخل أوباما القاعة الكبرى بجامعة القاهرة التي احتفلت قبل أشهر بمئويتها الأولى، ولتوه كان الرئيس الأميركي الشاب قد خلع نعليه في مسجد السلطان حسن قلاوون بالقاهرة، كما ارتدت وزيرة خارجيته كلينتون إيشارباً/حجاباً على رأسها ربما للمرة الأولى وهي تطوف أيضاً بأركان المسجد الواقع على مرمى حجر من قلعة صلاح الدين الأيوبي الشهير بمحرر بيت المقدس.
السلام عليكم. كانت هي التحية التي أرسلها أوباما لأكثر من مليار ونصف المليار مسلم بلكنة عربية، وبدأ على الفور مرتجلاً بإلقاء خطابه المرتقب، إذ لم يكن هناك ثمة أوراق بين يديه لخطاب تاريخي طارت شهرته الآفاق حتى قبل أن يُلقَى، وتكهن الكثير حول أدق تفاصيله. لقد حبس الكثير أنفاسهم وتسارعت التخمينات،إذ كيف لخطاب من أجله سخرت كل الإمكانات من لون الستائر الخلفية وحتى أحدث الطائرات المرافقة لتهيئة ومواكبة هذا الحدث، أن يكون مرتجلاً ومدته المقررة تقارب الساعة الكاملة.
لقد بدا الرجل واثقاً من نفسه ولسانه، وحدد موضوعات سبعة اختلف الكثير حول ترتيبها، لكنها بالنسبة إليه مرتبة بعناية حسب سياسته، وما إن انتهى القادم من مركز إدارة العالم من خطابه الذي حوى آيات من القران الكريم أقتبست بتمعن حتى انبرى السياسيون والإعلاميون والهواة كلٌ يقيم الخطاب، ويعدد ما استطاع لملمته من خطاب طويل بدا متماسكاً إلى حد كبير.
مهما يكن من قول فإن قدوم رئيس أميركي مختلف لوناً ومعانٍ، وقد حج إلى الشرق الأوسط أولأً، ومن قبل كان زعماء هذه المنطقة هم الذين يتسابقون للبيت الأبيض، هو إدراك واضح لأهمية هذا الكيان ودوره المحوري، كما هو رغبة ذكية من الرجل في رسم صورة جديدة ومختلفة له ولبلده التي يحملها المسلمون كل عنائهم، وهو يعلم أن أدوات رسم هذه الصورة تبدأ من هنا. ولأجل هذه الخطاب أعد أوباما نفسه جيداً، وبدا واضحاً الجهد الذي بذله لاختياراته لمزايا الإسلام ومفاخره ونصوصه، كما لو كان واعظاً عصرياً من المسلمين.. وفي خطابه الذي لم يحمل ما تمناه الكثير من العرب والمسلمين تجاه القضية الأولى لهم - الصراع الفلسطيني والإسرائيلي - أكد أوباما الذي استدر عواطفهم الدينية قبل قليل بوضوح على عمق وتجذر علاقة أميركا باسرائيل، كما أنه لم يغفل حق الفلسطينيين في الوجود والعيش الآمن.
على أن جديد ما حمله خطاب أوباما هو اللغة التصالحية، والتعامل المختلف مع العالم الإسلامي، ومحاولة إزالة نظرية المؤامرة التي روج لها المسلمون أكثر من واقعها، والطريق الجديد التي سيسير عليه أوباما في شراكة مع العالم الإسلامي باعتباره كياناً مهماً، أُولِي عناية مختلفة منذ بدايات عهد أوباما، وهو الكيان الذي يعرف عنه التوتر والتأخر أكثر من أي شيء آخر.
على أن المتفائلين بهذا الخطاب لابد لهم أن ينتظروا الأفعال، فكثيراً ما قيل قريب من هذا الكلام وإن لم يكن بنفس الوضوح والإتقان، لكن لم يعقبه شيء، وعليهم أن يتابعوها باهتمام، ويوعزوها إلى الملابسات والظروف والبيئات والتاريخ المثقل بالتجاذب والاستفزاز. وأولئك المتشائمين أما يكفيهم نوعية المبادرة وتغير الخطوط لرفع درجة التفاؤل ولو من قبيل أن فترة قادمة ستهدأ فيها الآلة العسكرية أو هكذا يبدو، وستغلب لغة غيرها..أي لغة.
وبعيداً عن هذا وذاك فإن الأهم هنا أن هذا التغير الواضح في الأقوال، والخطوة النوعية نحو العرب والمسلمين لابد أن يلتقطها العرب والمسلمون، وهم الأكثر نقداً وتعليقاً والأقل عملاً، إذ لا يعقل أن ننتظر من أميركا أن تأتي لحل كل مشاكلنا السياسية الخارجية وحتى الداخلية ومعها الاقتصادية، والاجتماعية، وكذا انتشار البطالة، وظاهرة العنوسة....، ويلقي الكثير بالتهم لأنهم لم يجدوا من أوباما في خطابه كل ذلك، في حين أن من يطلبون ذلك هم أنفسهم الذين ينقدون على أميركا تدخلها في تفاصيل الدول وسياساتها وشئون الناس فيها، وننسى أن أوباما قبل أن يكون رئيساً لأكبر وأهم دولة في العالم ؛ لها سياستها ومصالحها التي نختلف معها أو نتفق، ولشعب أميركي انتخبه ليحل مشاكله هو أولاً ويحميه مما يعتبرها أخطاراً تهدد أمنه واستقراره، وهناك الكثير منهم لم يرق لهم هذا التنازل والاهتمام الذي قدمه رئيسهم لعالم بائس ومتهور!.
وباعتقادي أن ذلك الخطاب اختلفنا حوله أو اتفقنا معه لن يؤدي ثماره المرجوة، ولن يجاوز حالة الانبهار أو التشاؤم وحتى اللامبالاة، ما لم يكن هناك تغير عربي إسلامي، لتلقف هذه المبادرات فيما لو أسميناها كذلك، والتعامل مع مشكلاتهم الداخلية والخارجية بطرق أكثر جدية،وتحمل مسئولياتهم في عالم متغير، والانتقال من مربع النادب الشاكي، إلى مربع الفاعل الإيجابي، ليأخذ مكانه في العالم كصاحب أهم حضارة، وأغنى منهج، وأوسع قيم، وتقديم أنفسهم كما هي حضارتهم المتفتحة ودينهم العميق، إذ لن يكون لهم دور وهم ليسوا أكثر من باحثين عن معونات ومساعدات،أو مجرد هزازي رءوس، ليس في جعبتهم سوى أنهم الأدنى وعليهم أن يقضوا بقية حياتهم هكذا، وسيكونون سعداء بذلك، دون تنمية داخلية شاملة لأوطانهم أو مشاريع حضارة للعالم من حولهم، تنبع من عمق ما يملكون من ثراء حضاري مذهل،طمروه في حمأة الصراعات المخجلة، والفهوم الضيقة، ويشكون ظلم العالم لهم،وقد ظلموا أنفسهم من قبل. كما ليس مطلوباً منهم أن يحدوا أسنانهم، فهم اليوم أمام مسئولية تاريخية مطلوبة من زعمائهم قبل شعوبهم، ليبدلوا من حالهم، ولن يبذلوا كثيراً في البحث عن وسائل لذلك،فما أغنى ما بين أيديهم، وعندها سيختلف تعامل الجميع معهم،وستحل قضاياهم من واقع حضورهم وفاعليتهم في المجتمع الدولي، بدلاً من الانتظار لرئيس أميركي قادم ليعقدوا حينها المقارنات بينه وسابقه،ومن منهما كان أكثر تناولاً لقضاياهم.. وصولاً إلى البحث عن أصوله وكذلك جذور والدته وحتى خالة أبيه من جده العاشر، وعلاقة ذلك بحل الصراع في الشرق الأوسط.
في مكالمة تلفونية أجراها الصحفي الأميركي اليهودي توماس فريدمان مع أوباما حول خطابه هذا قبل أن يلقيه بيومين فقط ؛ تبادلا الضحك على "نكتة" فحواها أن يهودياً كان يحلم بالفوز باليانصيب وفي كل سبت يذهب إلى الكنيس يشكو للسماء عدم فوزه وهو الورع في حياته، وتكرر ذلك كثيراً حتى انتحب ذات سبت شاكياً: وماذا علي كي أفوز باليانصيب، فانشقت السماء وسمع صوتاً يقول "غولد بيرغ..اشتر تذكرة"! فارس البيل