أوباما الأسود رئيسا: خيار حقيقي أم انتقام من بوش وحزبه؟

لندن
يا ابيض يا اسود.. كلاهما خيار مر؟

يستعد الأميركيون بعد شهر من الآن لخوض انتخابات رئاسية تعد سابقة في تاريخ الولايات المتحدة لكونها قد تؤدي الى صعود أول رئيس أسود في دولة عانى فيها السود أقسى أنواع الاستعباد المباشر الى غاية ستينيات القرن الماضي.
وان كان نجاح باراك أوباما في الترشح الى سباق الرئاسة في الولايات المتحدة يعد في حد ذاته سابقة، الا انه لا يشكل مفاجأة كبيرة بالنظر الى معطيات داخلية مرتبطة بجماعات الضغط وابرزها اللوبي اليهودي واخرى تخص التطورات الاقتصادية والسوسيو-ديمغرافية للمجتمع الأميركي وعوامل خارجية لها علاقة بحرب العراق والحرب ضد الارهاب وما ترتب عنهما من ازمات انسانية واقتصادية.
فعلى مدى قرون من النضال تمكن السود بدعم من اقليات أخرى في الولايات المتحدة من تشكيل لوبي قوي رغم العقبات التي مازالت تعترضهم، وبفضل هذا الكفاح اصبح ممكنا ان نرى وزير خارجية اسود وربما رئيسا ايضا. كما ان التغير الذي حدث على مستوى تفكير "الرجل الابيض" ساعد ايضا على بروز السود كقوة تمثل ما يقارب عشرة بالمئة من تعداد السكان في الولايات المتحدة.
ومن الناحية الاثنية لا يخفى ايضا ان باراك اوباما ليس اسود تماما، فوالدته سيدة بيضاء من كانساس، ثم ان عددا كبيرا من اللاتينيين (السمر) الذين يشكلون 20 بالمئة من تعداد الأميركيين يدعمون باراك أوباما "نكاية" في التمييز الذي يتعرضون له بدرجات متفاوتة.
ولا يخفى على احد ان باراك أوباما استفاد على الأقل من الحياد الايجابي للوبي اليهودي النافذ في الولايات المتحدة بعدما ترددت شائعات تقول انه من عائلة مسلمة واخرى ادعت انه سيقف الى جانب المسلمين في قضايا الشرق الاوسط، لكنه سارع الى دحض هذه الشائعات بـ"الحج" الى حائط المبكى معلنا من هناك بقدسية القدس كعاصمة اسرائيل ومتوعدا ايران بالدمار في حال تعرضت لامن اسرائيل. ثم ان اللوبي اليهودي لا يعترض على لون بشرة رئيس الولايات المتحدة ما لم يتعرض لامنهم ومستقبلهم، واليهود قد يكونون سودا ايضا حتى وان كانوا من درجة ثانية.
ولم تخل مسيرة فوز باراك أوباما بمنصب مرشح الديمقراطيين الى الرئاسة الأميركية من ظروف هيأت له فرص نجاح لم يكن يحلم بها بالنظر الى ان منافسته هيلاري كلينتون، هي سيدة في منافسة رجل، ثم انها زوجة رئيس سابق ارتبط اسمه بفضائح جنسية، ومن طبيعة الأميركيين المغامرة باختيار كل ما هو جديد على التمسك بالقديم.
اما على مستوى التنافس القائم بين الجمهوريين والديمقراطيين فان باراك اوباما يستمد قوته من هزائم الحزب الجمهوري التي خلفت مآسي داخلية وأخرى خارجية ولعل حرب العراق والحرب ضد الارهاب والازمة المالية الحالية ستشجع عددا كبيرا من الاميركيين على اختلاف الوانهم على التصويت لصالح رجل اسود.
وان كانت الانتخابات الأميركية ستكون حتما ديمقراطية وشفافية كما جرت العادة، فان السؤال الوحيد الذي يبقى مطروحا هو: هل ان تصويت الاميركيين لصالح رئيس اسود سيكون نابعا من قناعة، أم هو مجرد خيار مفروض انتقاما من حزب يتعرض لانتكاسات وعرض أميركا وبلدان اخرى كالعراق الى مآس؟