أوباما

المصلحة اولا

لندن – أخيرا حدث ما حذرت منه وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة تسيبي ليفني. فمن الواضح ان حكومة بنيامين نتنياهو تضع إسرائيل في مسار تصادمي مع إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما.
الـ 24 ساعة الماضية كانت كافية تماما للقول ان القطارين الاميركي والاسرائيلي يسيران على سكة واحدة، وانهما تصادما، على الأقل في إطلاق صافرات الانذار.
في تركيا، وقف اوباما ليقول امام البرلمان ليقول ان الولايات المتحدة "ليست ولن تكون ابدا في حرب مع الاسلام".
وبهذا التصريح نزع أوباما واحدا من اكثر الأسلحة التي كانت اسرائيل تعول عليها لاجتذاب التأييد الاميركي لحسابها عبر استعداء الولايات المتحدة ضد المسلمين.
ولكن هذا التصريح لم يكن سوى بداية. إذ ان اوباما قال بصدد أزمة المنطقة: "دعوني اكون واضحا: الولايات المتحدة تدعم بحزم هدف (اقامة) دولتين اسرائيل وفلسطين تتعايشان بسلام وامن".
واضاف "هذا هو الهدف الذي اتفقت الاطراف المعنية على تحقيقه ضمن خارطة الطريق وفي انابوليس، وهذا هو الهدف الذي ساعمل على تحقيقه بنشاط بصفتي رئيسا".
ويصطدم هذا "الوضوح" مع موقف "واضح" آخر اختار وزير الخارجية الاسرائيلي الجديد افيغدور ليبرمان ان يكون بدايته الدبلوماسية الأولى، إذ قال الاسبوع الماضي ان اسرائيل ليست ملتزمة عملية انابوليس التي ادت الى اعادة اطلاق المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
وزاد وزير البيئة الاسرائيلي جلعاد اردان الطين بلة عندما قال في خطاب امام الكنيست الاثنين "اسرائيل لا تتلقى اوامرها من الرئيس اوباما. عبر التصويت لبنيامين نتانياهو، قرر المواطنون الاسرائيليون الا يكونوا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة".
واضاف ان "الحكومة الاسرائيلية ستتصرف بحسب مصالح اسرائيل".
ولكن هل يتجه القطاران الى ان يتصادما فعلا؟
اردان نفسه تدارك قائلا ان "الرئيس اوباما صديق لاسرائيل والولايات المتحدة حليف مهم، وكل ما سيحصل بيننا سيكون ثمرة حوار".
وهذا هو الأرجح.
عمليا، لن تكون هناك مفاوضات فلسطينية إسرائيلية، إلا في ظلال مفاوضات اميركية إسرائيلية. فلدى رئيس الوزراء الاسرائيلي من البراغماتية ما يكفي لتحاشي مواجهة، بينما لدى الرئيس الاميركي من البراغماتية ما يكفي أيضا لكي يدفع مواقفه باتجاه لا يثير الحساسية في اسرائيل.
والحقيقة هي ان كلا الطرفين يملكان حيال بعضهما الأخر عددا من أوراق الضغط التي تحول دون حدوث تصادم فعلي.
فاسرائيل تتلقى معونات عسكرية واقتصادية من الولايات المتحدة تعادل 5 مليارات دولار سنويا. وأي مواجهة ستعني ان توجيه هذه المساعدات سيكون موضع أسئلة وانتقادات داخل الولايات المتحدة.
كما اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة ليس كله ليكوديا. فهناك الكثير من أعضاء هذا اللوبي يؤيدون إقامة دولة فلسطينية. وهؤلاء يمكن ان يتحركوا ليدعموا موقف اوباما في أي مواجهة محتملة.
ولا تستطيع حكومة نتنياهو، ولا نتنياهو شخصيا، ان يخسر تأييد هذا اللوبي من دون ان يخسر موقعه على رأس تحالف اليمين في إسرائيل.
ويستطيع الرئيس اوباما ان يختار تبريد العلاقات مع تل أبيب ليقول لحكومة نتنياهو: "عندما تكونون مستعدين للسلام اتصلوا بهذا الرقم". أي كما فعل وزير الخارجية الاميركي السابق جيمس بيكر في عهد الرئيس بيل كلينتون.
ولكن هذا سوف يعني تبريدا للكثير من اوجه العلاقات الأخرى وهو ما يمكن ان يلحق ضررا جسيما باقتصاد اسرائيلي بدأ للتو يعاني من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية.
الرئيس اوباما في المقابل لن يستطيع استعداء اسرائيل لانه سوف يستعدي تيارا متماسكا داخل اللوبي الصهيوني يمكن ان يثير الكثير من الضجيج ضد سياساته، ليحرمه بالتالي من التركيز على الأزمة الاقتصادية والحرب في افغانستان والانسحاب من العراق.
ويضع الرئيس اوباما الكثير من بيضاته في سلة الانتعاش الاقتصادي المحتمل. ولكن إذا بدا ان هذا الانتعاش سيتأخر، فان التنازع مع إسرائيل يمكن ان يتمد الى حكومته نفسها، لتجد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون نفسها في الطرف الآخر، أسرع بكثير مما يُعتقد حتى الآن.
اوباما يحتاج معونة العالم الإسلامي لكي يكسب حربه في افغانستان. ولكنه يحتاج معونة لوبي المال والأعمال، والكثير منه صهيوني، لكي يكسب حربه ضد الركود الإقتصادي. وهذا ما سوف يجعله حذرا من تصعيد المواجهة مع حكومة نتنياهو.
ما الذي سيحصل إذن؟
اذا كانت الدوافع الى السلام قوية، فان الطرفين سوف يلتقيان عند الخط الذي وقف عليه إسحق رابين في مفاوضاته مع ياسر عرفات برعاية كلينتون.
ولكي تتوفر هذه الدوافع، فاما ان تندلع أزمة جديدة في المنطقة، واما ان تنشأ حكومة وحدة وطنية فلسطينية.
اما إذا لم تتوفر الدوافع، فكلا الطرفين سوف يتجهان الى تأجيل "المواجهة" للإلتفات الى قضايا أهم. وليس من المرجح ان تتوفر أية دوافع في المدى المنظور. فالفلسطينيون منقسمون اليوم مثلما كانوا دائما. وقدرتهم على إثارة نزاع واسع النطاق، كما حدث في الحرب ضد غزة، تراجعت الى مستوى شديد الانخفاض. بل وقد لا يبقى من "الصراع" الفلسطيني الاسرائيلي سوى قرصات صغيرة تبرر لنتنياهو رؤيته للبحث عن "حل اقتصادي" لأزمة المنطقة. تلك هي المصلحة الاساسية المشتركة بين الطرفين.
وعندما تكون المصلحة هي اللاعب الرئيسي بين إسرائيل والولايات المتحدة، فلا غالب إلا البراغماتية.