أهيئةٌ تعديلية لإعلام تونس بلا عقل مُعدَّل؟

بقلم: محمد الحمّار

اطلعتُ على تصريحات كمال العبيدي رئيس "الهيئة العليا لإصلاح الإعلام والاتصال" المستقيلة. كما تابعتُ عن كثب الحركة التي مارستها السلطة في تونس في داخل القطاع الإعلامي، بدءً بالإقالات ومرورا بالتعيينات الجديدة وانتهاءً إلى حكم بعض مسؤولي الحكومة على هذا القطاع وعدم رضائهم عن أدائه. وسجلتُ أيضا الطريقة التي تتعامل بها الصحافة الورقية عموما، وحتى الالكترونية التي كنتُ أخالها في مأمن (من التجاذبات)، في تونس مع الأقلام الحرة. وبالنهاية خرجتُ باستنتاجاتٍ، بعضها يثبت فرضياتٍ خامرتني سابقا وبعضها الآخر يُفند انطباعات كانت تساورني.

وأكبر صدمة انتابتني كان مصدرها انطباعا تحوَّل إلى حقيقة مضادة: كنتُ أظنّ أنّ حزب حركة النهضة، حزب الأغلبية من بين أحزاب الترويكا الحاكمة، قد اشترى الإعلام وعمد إلى تطويعه لخدمة أغراض السلطة. وكانت تجربتي الشخصية هي المعيار في ذلك (ليس لي معيار آخر طالما أنّ التعتيم طال حتى الفكر "الحر"). لكن بعد إجهاض محاولاتي للاتصال بنقيبة الصحفيين، فقط لاستفسار الأمر، ثم معاينتي لتعتيم الصحافة المكتوبة عما أعتبره أخطر خبرٍ منذ ثورة 14 يناير ألا وهو قرار وزارة التربية تعليم اللغة التركية، وكذلك بعد توخي موقعين الكترونيين اثنين الحذر غير المبرر في نشر مقالاتي، انتهيتُ إلى الحقيقة المضادة: ليست الحكومة وحدها التي تغرر بالإعلام بُغية ترويضه (وهذا من حقها)، بل الإعلام نفسه يلعب ضد مصالحه وضد المصلحة العليا، مصلحة الشعب الذي لا تهمه التجاذبات القطاعية ولا الصدامات بين القطاع والحكومة بل ما يهمه هو النفاذ إلى المعلومة والخبر والرأي الحر.

إنّ الإعلام وهيئاته المختلفة يتوخون إذن التعتيم عنوة. وهذا تضليل لجمهور القراء والمستمعين والمشاهدين. وحتى لو كان يفعل ذلك لغاية في نفس يعقوب، أي ابتغاء تحسيس المواطنين لمشاكله من جهة، وابتغاء نهي الحكومة عن محاولة الالتفاف على القطاع، فإنّ الغاية لا تبرر الوسيلة. والسبب هو أنّ في الأثناء ستتم معاقبة المستمع والمشاهد والقارئ مرتين، مرة لمّا يُحرم من المادة الإعلامية، ومرة لمّا يُحرم من معرفة المخطئ الحقيقي في قضية الصراع بين السلطة والإعلام. ولما نعلم أنّ الشعب الحريص على التحرر وعلى كسب رهان حرية التفكير والتعبير بحاجة لكشف النقاب عن الحقيقة كاملة غير منقوصة، ودون مقايضة ولا مساومة، نستنتج أنّ التكتم على تواطىء الإعلام بعينه في التعتيم على المعلومة والرأي الحرّ سوف يولّد عقابا من صنف ثالث، وهو الأعتى والأمَرّ: التضليل الذاتي والحرمان من الحرية.

وتأكيدا لانطلاء الحيلة التي توخاها الإعلام عنوة، لم يصدقني أحدٌ لمّا نبهت على المواقع الاجتماعية لهذا الوجه القبيح لمشهد الصراع بين الإعلام والسلطة والذي سوف يذهب ضحيته الشعب لو تواصل على النحو الموصوف. وإن صحّ أنّ الثورة المضادة قد طالت الفاعلين الإعلاميين فعلى الدنيا السلام، ومن هنا فصاعدا سيكون ذلك اختراعا تونسيا: تآمر السلطات الأربعة وبلا هوادة على شعبٍ. وإلا فهل من المعقول أن ما يلبث الشعب أن يتخلص من فخ "إما أنت معي وإلا فأنت ضدي" حتى تتجدد له الدعوة للتسلط الذاتي؟ وهل يُعقل أن تأتيه الدعوة من الإعلام، الذي هو الطرف الذي يفترض أن يكون هو الأداة للتحرر والطريق إليها؟ فكفانا تضليلا لهذا الشعب يا مسؤولي الصحافة السمعية والبصرية والمقروءة ويا ممارسي هذه المهنة الشريفة. ولا تصدقوا أنّ تحرر القطاع رهنٌ فقط بالمرسومين عدد 115 وعدد 116، ولا بإحداث هيئة تعديلية فحسب. فهل ستنفعكم وستنفع الشعب هيئةٌ تعديلية لمّا يكون العقل غير مُعدَّل؟

محمد الحمّار