أهنأ الحب ما بني على الإعجاب المتبادل بالروح والجسد

أندريه موروا يضع في كتابه "فن الحياة" عصارة فكره ورؤيته وخبرته الطويلة في الحياة والحرب والحب والتعامل مع البشر.


ما نسميه تفكيرا هو ما نبذله من جهد حين نزاوج بين الصور والرموز، لنميز ونتوقع آثار أعمالنا في الأشياء الواقعية


رجل الدولة المكلف بإدارة شئونها المالية لا يستطيع أن يفكر بجسمه


إن منتهى السعادة هي أن نعجب بالمحبوب من غير تحفظ

يضع الروائي والفيلسوف الفرنسي أندريه موروا المعروف بتراجمه لأدباء وفلاسفة يشكلون علامات في تاريخ الأدب والفلسفة، في كتابه "فن الحياة" عصارة فكره ورؤيته وخبرته الطويلة في الحياة والحرب والحب والتعامل مع البشر، ليضيء أفضل وسائل التفكير والحكم على ما حولنا وما نمر به من أحداث وأشياء، متسائلا هل هناك طرق تسمح للإنسان بأن يوجه تفكيره بحيث تجد أعماله طريقا ممهدا لها بين الناس والأشياء؟ وهل في طاقة الإنسان أن يرسم في ذهنه خريطة صحيحة للعالم، وأن يقود سفينته طبقا لهذه الخريطة نحو أهداف محددة حتى يصل سالما إلى المرفأ المختار؟ ومن ثم يتطرق إلى موضوعات مثل: كيف تفكر؟ كيف تعيش؟ كيف تحكم على الأشياء؟ كيف تميز الصواب عن الخطأ؟ كيف تحب؟ كيف تتزوج؟ كيف تعمل؟ كيف تقرأ؟ حتى لنصبح أمام خريطة شاملة فيما يخص الطرق الأفضل لممارسة حياة ناجحة.
يرى موروا - في كتابه الذي ترجمه يوسف مظهر وصدر أخيرا عن دار آفاق - أن ما نسميه تفكيرا هو ما نبذله من جهد حين نزاوج بين الصور والرموز، لنميز ونتوقع آثار أعمالنا في الأشياء الواقعية، فكل فكرة إن هي إلا صورة تخطيطية لعمل من الأعمال، وعلى هدى هذه الصورة نرسم برامج حياتنا. فلكي نصوب أعمالنا يجب علينا كما قال بسكال "يجب أن نجوّد تفكيرنا بأن نجعل من مثالنا الباطني الصغير للعالم صورة أكثر ما تكون مطابقة للعالم الخارجي الحقيقي. فإذا طابقت قوانين عالمنا الباطن الصغير وقوانين العالم الحقيقي الكبير على وجه التقريب، أي إذا كانت خريطتنا الداخلية قد رسمت بدقة نسبية للبلدان التي قدّر لنا أن نجوس خلالها ونمشي في مناكبها، كان من حظنا أن تجئ أعمالنا منطبقة على حاجتنا ورغباتنا ومخاوفنا.

من الناس من يسحر حواسنا بجماله ويرضي عقلنا بلطف حديثه فهؤلاء نحبهم دون مجهود أو ندم، وكل لحظة نقضيها بقربهم تجعلنا أكثر ثقة بكمالهم

ويشير إلى أن هناك تفكيرا جسديا يوجه أعمالنا توجيها عجيب الإحكام، ولكن المدى الذي يصل إليه هذا التفكير ليس بعيدا، فالخلد (الفأرة العمياء) يفكر جيدا بأرجله، ولكن تفكيره هذا لا يصل إلى أبعد من المدى الذي تصل إليه هذه الأرجل، فهو لا يعرف ولا يفهم أن أكوام التراب المتعددة البشعة التي تتكون على الحشائش الخضراء إنما هي نتيجة لحفره هو في أرض البستان، كما لا يفطن إلى حقد البستاني عليه ولا يتصور عواقب هذا الحقد على أبناء جنسه. ويأتي الطيار بأعمال غير إرادية في منتهى الدقة ترشده إلى وقت النزول، وتمكنه من الهبوط إلى الأرض سالما. هذا إلى أنه من المؤكد أن أيدي الطيار ليست هي التي اخترعت الطائرة.
ويتابع موروا أن رجل الدولة المكلف بإدارة شئونها المالية لا يستطيع أن يفكر بجسمه، ولا يستطيع أن يكتفي بتكوين صور في ذهنه لما سيقوم به من الأعمال، كما يفعل لاعب الجمباز، لأن الصور التي تثار في الذهن في هذه الحالة لا يكون عددها حصرا، فإذا كان عليه أن يقوم بتحسين الحالة الاقتصادية لملايين من الناس، فلن يستطيع أن يقول "سأعمل كذا لأجل التاجر الفلاني أو الفلاح الفلاني أو العاطل الفلاني" بل لا بد له أن يستعيض عن هذه الصور المعينة المحدودة للناس والحقول والبيوت والأعمال برموز وإشارات، تمثل تارة إنسانا أو شيئا، وتارة طبقة بأكملها من الناس، هذه الرموز والاشارات هي الألفاظ والأرقام.
ويلفت إلى إن الرجل الذي يفكر بيديه ـ كالصانع والحاوي ولاعب الجمباز ـ إنما ينقل أشياء ثقيلة ذات مقاومة كالأحجار والكرات، أو ينقل جسمه بالذات، أما الرجل الذي يفكر بالكلمات، فإنه لا ينقل سوى أصوات وإشارات، مما يجعل عمله الجسماني يسيرا إلى درجة عجيبة. خذ مثلا: أنت جالس في الفندق صباحا، فتدق الجرس وتنطق بكلمة "شاي" فلا تمضي بضع دقائق حتى يكون أمامك فنجان وصحن ومعلقة وخبز ولبن وشيء من المربى وإبريق الشاي وماء ساخن. فكر في تلك الأعمال الواقعية المعقدة التي استلزمها تقديم كل هذه الأشياء إليك، واستحضر في ذهنك صور أولئك الصينيين يزرعون الشاي وينتقون أوراقه، والسفينة التي حملت الشاي إلى بلدك، وربان السفينة وبحارته وسط إعصار من أعاصير المحيط الهندي صمدوا له وجالدوه، ثم صورة الفلاح الذي قاد أبقاره إلى المرعى، وجامعي اللبن من القرى، ثم الخباز الذي صنع لك ذلك الخبز، والقرويات اللائي جمعن البرتقال الذي صنع منه هذا المربى. إنه كلمة مركبة من مقطع واحد جعلت كل هذه المخلوقات في خدمتك.

ويضيف إن أثر الرجل الذي يفكر بيديه في الكون محدود، فهو لا يستطيع أن يؤثر إلا فيما يلمسه، أما الرجل الذي يفكر بكلمات فإنه يستطيع بغير مجهود أن يحرك جيوشا بل أمما، بل قارات بأكملها. فينطق رئيس دولة من الدول أو رئيس حكومة من الحكومات بكلمة "تعبئة" وإذا بهذا المجهود الضئيل الذي لم يتطلب سوى حركة من شفتيه لا تكاد تلحظ، قد أخرج رجال أوروبا من ديارهم وانتزعهم من أسراتهم، وإذا به قد أطلق في الجو أسرابا من قاذفات القنابل تدمر مدنا عاشت ألوف السنين، فكأنه بذلك بذلك قد قضي بدمار عالم وعمل على فناء مدينة. فإذا فكرنا فيما يستطيع الإنسان أن يحدثه بكلمة واحدة من الآثار البعيدة، عرفنا لم كان للغة عند الشعوب البدائية تأثير سحري.
ويؤكد موروا مرة أخرى أن الرجل الذي بيديه ينقل أشياء ثقيلة ويقول "هو ينقلها حجرا حجرا وحركة في إثر حركة، فحرصه مضمون بصعوبة أعماله نفسها وحاجته إلى ضمان هذا الحرص في إنجازها. ولا مفر له من مراعاة ذلك التوافق بين عالمه الباطني والعالم الخارجي الذي رأينا أنه الضمان لسلامة التفكير، لأنه إذا لم يلتزم مراعاة هذا التوافق تهشمت يداه بثقل الأحجار، أو أفلتت الكرة من يديه، أو سقط من العقلة التي يلعب عليها. أما الرجل الذي يفكر بألفاظ فإن الأعمال بالنسبة له سهلة، والفترة التي تنقضي بين خطئه وظهور نتائج هذا الخطأ عادة طويلة لا تجعله يقدر مسئولياته، فهو إذ يلعب بهذه الرموز الخفيفة لا تخطر بباله الأثقال الرهيبة التي يجرها وراءه كل رمز من هذه الرموز، فهو كما قال ليبنتز "تصرفه سهولة النطق بالكلمات عن إدراك حقائق الأمور".
ويرى أنه لا جدال في أن المنطق قد روّض العقول وألانها وأكسبها سرعة لم تكن لها من قبل، ولكنه أورثها في الوقت نفسه عادة خطرة، وهي أنها اعتقدت أنها تستطيع أن تكسب كل شيء متى جاءت بدليل عليه مظاهر الصدق. ولكن تاريخ المذاهب يدلنا على أن الناس قد استطاعوا على توالي العصور أن يبرهنوا على صحة كل شيء تقريبا، فقد أثبتوا صحة فلسفات متناقضة، ثم أثبتوا خطأها، كما أثبتوا لزوم الديمقراطية ثم أثبتوا استحالتها، وأثبتوا تميز الأجناس البشرية ثم أثبتوا اختلاطها. قال الفيلسوف آلان "ليس عندي لأي دليل قيمة أو اعتبار"، وفي الواقع يمكن إقامة الدليل على صحة أي شيء متى كانت الكلمات المستعملة لم تحدد معانيها بوضوح. ففي علم الجبر يكون البرهان دقيقا لا ينقض، لأن كل تعبير محدد بدقة تجعل المدلل لا يستطيع أن يضيف شيئا من عنده إلى ما يفهمه السامع من هذا التعبير. فالمتطابقات هي متطابقات صحيحة حقا. ولكن الألفاظ التي تصلح للتعبير عن المشاعر وعن سياسة الدول وعن شؤون الاقتصاد، هي ألفاظ مبهمة يمكن استعمالها عند التدليل بمعان، فمثل التعبير بلغة غير محكمة الوضع كمثل القياس بأوزان مزيفة.
ويقول موروا في فن الحب "كان بيكون يقول إن "الفن هو الإنسان مضافا إلى الطبيعة"، فالطبيعة تقدم العناصر الخام لإنجاز اللوحة أو التمثال أو القصيدة أو المأساة، فيحور الإنسان هذه العناصر ويرتبها لتلائم مطالب عقله، فإذا سلمنا بهذا التعريف البديع، أصبح من البديهي أن هناك فنا للحب، إذ في موضوع الحب ـ كما في كل شيء آخر ـ لا تقدم لنا الطبيعة سوى المواد الخام، وهي: انقسام الأنواع إلى أزواج والحاجة إلى استبقاء النوع مصحوبة بجميع الغرائز القوية المعدة لخدمة هذه الحاجة. ولكن إذا لم يكن العقل الإنساني على ممر القرون قد حور هذه العناصر وألف بينها، لما زادت غرامياتنا عن مهارشات الكلاب. ألق بنظرك في الحقول وفي الجو وفي مياه الأنهار، وراقب الحيوان في مغازلاته، ثم اقرأ قصة "أميرة كليف" لمدام ده لافايت، تعرف مدى الفاصل بين الطبيعة والفن في الحب.  

philosophy
كل نصف يبحث عن نصفه الآخر ليتصل به

ويؤكد أن معجزة الحب الإنساني هي أن الإنسان يبني على تلك الغريزة البسيطة "الرغبة" أعقد المشاعر وأرقها، فبتأثير أفاعيله السحرية نرى مخلوقين ضعيفين، لهما من الأثرة والخجل وقلة الثبات والوحشية ما لسائر أبناء جنسهما، قد توافقا فاختلطا واتصلا أوثق اتصال واعتنقا فكرة واحدة، وأصبحت عداوة العالم لهما أو عدم اكتراثه بهما ومخاوف المستقبل وأحقاد الطبقات أو عداوات الشعوب في نظر هذين المخلوقين دخانا مبددا وخيالا زائلا، لقد مهد لهما عنف الرغبة الطريق لاجتياز عوائق حب الذات، وأعانهما على التسامح في الفروق الأخرى. ولكن تلك الرغبة سريعة الزوال، فكيف استخرج الناس عواطف باقية طاهرة من تلك النزوة؟ إذا أردنا أن نفهم فن الحب، وجب علينا حل مشكلة "تقديس الميل الجنسي"، وقبل أن نهاجم هذا الحرم المكنون، يلزمنا أن نزيل ما حوله من الأشواك والأدغال.
ويوضح موروا إن ما يسمونه انقضاض الصاعة أو الحب من أول نظرة علامة على سبق الاستعداد، ففي خرافة يونانية أن كل إنسان كان في البدء يجمع بين خصائص الرجل وخصائص المرأة، وأن الإله الخالق قد قطع كل مخلوق إلى نصفين ففصل بذلك بين النوعين، ومنذ ذلك الحين أصبح كل نصف يبحث عن نصفه الآخر ليتصل به، فإذا تقابل الاثنان نبهتهما إلى ما بينهما من الصلة صدمة قوية لذيذة هي ما يسمونه انقضاض الصاعة أو الحب من أول نظرة. ويحمل كل منا في طيات نفسه "الصورة الأصلية للهيئة الجمالية التي يبحث عنها بين سكان العالم"، فإذا صادف إنسانا حقيقيا متحليا بجميع صفات الكمال التي كان يخلعها على ما كان يعشقه إبان مراهقته من المخلوقات الخيالية، أسلم نفسه إلى الاسترسال في حب هذا الإنسان. ومن الناس من يسحر حواسنا بجماله ويرضي عقلنا بلطف حديثه فهؤلاء نحبهم دون مجهود أو ندم، وكل لحظة نقضيها بقربهم تجعلنا أكثر ثقة بكمالهم، ونعرف أننا لو منحنا القدرة على تغيير ما بهم، لما اشتهينا أن يغير أي شيء فيهم، فصوتهم في آذاننا أعذب الأنغام، وحديثهم غير المتكلف قصائد كاملة من روائع الشعر، وفي الحق إن منتهى السعادة هي أن نعجب بالمحبوب من غير تحفظ، وأهنأ الحب ما بني على الإعجاب المتبادل بالروح والجسد.