أهمية المصالحة الوطنية اليمنية: اليوم قبل الغد

المصالحة الوطنية لا تعني الكلام المعسول والخطابات الرنانة والتصريحات المتحذلقة، لكنها قول باللسان يتبعه عمل في الميدان. نحن نأسف ونتألم عندما نرى طرفي النزاع اليمني يصدران التصريحات التي لا تزيد الطين الا بِلة. المتحاورون في الكويت ينعمون في قصر بيان الأميري بدولة الكويت الشقيقة وهم يظنون أنّ هذه الحفاوة ستستمر إلى ما لا نهاية.

دولة الكويت منحت أعضاء الوفود المشاركة في هذا المؤتمر ما لم تمنحه لملوك ورؤساء دول. فحالة الإستنفار الأمني حول قصر بيان الأميري والذي يقبع فيه أعضاء الحوار اليمني، تدل على أنّ الكويت تريد لهذا المؤتمر أنّ يتكلل بالنجاح حفاظاً على اليمن وشعبها. لكن، يبدو أنّ أعضاء الحوار اليمني أعجبتهم الأقامة في قصر بيان، ويتجاهلون معاناة الشعب اليمني، وكأنّ الأمر لا يعنيهم. المواطن اليمني يتطلع إلى إنهاء الحرب ويريد أنّ يرى النور والسلام يعم أنحاء الوطن اليمني اليوم قبل الغد.

المتحاورون في دولة الكويت عليهم أنّ يفهموا أنّه إذا فشل هذا المؤتمر لا سمح الله فليس بعده سِوى حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر. لكن طرفي الحوار لا يتنبئان بذلك.

يقول ونستون تشرشل "السياسي يحتاج إلى القدرة على التنبؤ بما سيحدث غدا أو الأسبوع المقبل، الشهر المقبل، والعام القادم. وأن يكون لديه القدرة بعد ذلك ليشرح لماذا لم يحدث ذلك."

كل من يظن أنه سيحكم اليمن بقوة الحديد والنار فَهو واهم ويخادع نفسه ويعيش في أحلام اليقظة. بعد كل ما حصل لا يمكن لسلطة الأمر الواقع أنّ تستمر في السلطة، ولا يمكن للحكومة الشرعية اليمنية أنّ تستمر كذلك. على المتحاورين أنّ يبحثوا عن حلول لحفظ ماء الوجه للجميع، وإنّ كنا نعرف مُسبقا أنّ تُجار الحروب لا يمكن أن يصنعوا السلام، وهذا شيئاً مُتعارف عليه. كما أنّنا نعرف جيدا أنّ أعضاء الحوار اليمني في الكويت لا يبحثون الا عن مصالحهم الشخصية والذاتية، ولا يبالون بالشعب اليمني وتصرفاتهم وتصريحاتهم تعكس ما نقوله، ولو كان فيهم خير لتوصلوا إلى حل وسط يرضي الجميع، بحيث لا يكون هناك غالبا ولا مغلوبا. لكننا، ومن باب الذكرى، نذكرهم بمسؤلياتهم التاريخية والدينية والوطنية تجاه الشعب اليمني، لعل الذكرى تؤثر فيهم.

من خلال قرأتنا ومتابعتنا عبر وسائل الإعلام لما يدور في دهاليز الغرف المغلقة، يبدو أنّ هذا المؤتمر سينتهي بالفشل، وإذا نجح فسيكون هذا النجاح مبنيا على أسس طائفية وحزبية وفق معيار"المحاصصة السياسية" وليس على أساس قيام دولة يمنية حديثة يتساوى فيها أبناء الشعب اليمني في الحقوق والحريات.

نعرف أنّ الحوار بين أطراف النزاع اليمني معقد نتيجة للهوة والخِلاف العميق والحقد الشخصي بين طرفي الحوار وهو ما أدى إلى تأخر الوصول إلى السلام المنشود برعاية الأمم المتحدة.

إذا فشل هذا المؤتمر فالأيام القادمة تكون سوداوية وأكثر دموية. لكن، على المتحاورين أنّ يتحملوا النتائج الكارثية. للأسف نرى تجار الحروب وصناع الأزمات يتباكون على اليمن وهم سبب الخراب والدمار وهم من سمح للتدخل الخارجي وهم من دمر النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي بسبب جشعهم على السلطة. التدخل الخارجي لا يأتي إلا بطلب من أبنائه. يقول غاندي "لا أحد يستطيع أن يؤذيني دون إذن مني". لكن، لم يعد في جعبتهم شيء لكي يقنعوا الشعب اليمني بمظلوميتهم. يقول ابراهام لينكولن "قد تخدع كل الناس بعض الوقت، ويمكنك حتى تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع ان تخدع كل الناس كل الوقت."

على طرفي النزاع اليمني أن يعلموا علم اليقين أنّ المجتمع الدولي ودول الخليج وإيران وغيرهم سيتركونهم ويتخلون عنهم في أيّ لحظة. قد لا نستغرب أنّ تتخلى الدول الأخرى عن الحكومة الشرعية وكذلك قد تتخلى إيران عن حلفائها. ولذلك، يُمكن، أنّ نشبه مؤتمر الكويت بحفل زفاف عروس وعروسة، فعندما يكون هناك حفل زواج ترى الضيوف والوفود والمهنئين يتوافدون وفجأة يختفي الكل ويبقى العروس والعروسة. وحال مؤتمر الكويت هو مثل حفل الزفاف، فنرى سفراء الدول الكبرى هذه الأيام يتوافدون على قصر بيان بدولة الكويت من أجل حل أزمة اليمن. لكن، هؤلاء سيتخلون عن اليمن فجأة ولن يبقى سِوى طرفي النزاع اليمني.

نقولها وللمرة الألف القتل وسفك الدماء والدمار والخراب والحرب الأهلية لن يحل مشاكل اليمن. لا يمكن لأي طرف أنّ يقصي ويهمش الآخر مهما حاول. فالكل هم أبناء اليمن بغض النظر عن معتقداتهم وخلفياتهم الفكرية والايديولوجية والسياسية. ولذلك المصالحة الوطنية أصبحت ضرورة ملحة لكي يخرج الشعب اليمني من محنته.

الشعب اليمني لن يستمر في دفع الثمن نتيجة لغباء قادته. سيلفظ الشعب اليمني طرفي النزاع وسيبني ما دمرته الحرب وإذا لم يفعل ذلك فسيتحقق في أبناء اليمن قول اينشتاين "العالم لا يتحطم بواسطة الاشرار بل بواسطة من يشاهدونهم دون ان يفعلوا شيئا". إذا فشل حوار الكويت، لا سمح الله فليس أمام الشعب اليمني سِوى التضحية في طي صفحة طرفي النزاع وإلا فالجميع سوف يغرق وسيكتوي بنار الحروب القادمة.