أنوف المحتجين بدلا من عيونهم هدفا لسلاح إسرائيلي جديد

للقمع فنون

النبي صالح (الضفة الغربية) - تخيل لو أخذت جزءا من جيفة متعفنة من مياه صرف راكدة ووضعتها في خلاط للطعام ورششت هذا السائل القذر في وجه احدهم. في هذه الحالة لن يجد أي مفر لأن هذه الرائحة الكريهة العفنة تستمر لأيام.

هذا هو السلاح المروع غير الفتاك الذي تستخدمه اسرائيل للسيطرة على الحشود ويطلق عليه مدفع الفكاه أو الظربان ذلك الحيوان ذي الرائحة الكريهة. وتجلبه اسرائيل في حاويات مزودة بمدافع لرش وابل من السائل ذي الرائحة الكريهة على الحشود التي أصبحت تعرف جيدا كيف تتعامل مع الغاز المسيل للدموع.

وفي حين أن الجيش يقول إن هذه الطريقة محاولة للحد من الخسائر البشرية فإن جماعات حقوق الإنسان تقول إنها مجرد ورقة توت تغطي بها القوة الأشد فتكا التي تستخدم ضد المحتجين في الضفة الغربية المحتلة.

ورغم أن السنوات القليلة الماضية تعد واحدة من أهدأ الفترات منذ بدء الاحتلال الاسرائيلي للضفة قبل 45 عاما فإن اسرائيل عاجزة عن وقف انتشار المظاهرات المحلية التي كثيرا ما تتحول إلى اشتباكات.

وهذه الطريقة تفلح بالفعل في تفرقة المحتجين لكنهم يتجمعون مرة أخرى.. هي تفرقهم ولكن لا تهزمهم.

وفي يوم جمعة بمناطق التلال الوعرة في الضفة الغربية تستعر معارك مرة أخرى.

تأهب شبان فلسطينيون لإلقاء الحجارة على جنود اسرائيليين في الطريق الرئيسي بقرية النبي صالح التي يطالب سكانها بالاستفادة من ماء نبع محلي استولى عليه مستوطنون يهود.

ويحيط الجنود بسلاحهم المبتكر.

قال فتى من القرية يمسك بحجارة وقد غطى رأسه بالقميص الأسود الذي يرتديه "نجري بعيدا بسرعة عندما يصوبوا علينا لكننا لا نيأس".

وأضاف "يظنون أنهم أذكياء جدا لاختراعهم له لكنهم رغم ذلك يلجأون لاحقا للغاز المسيل للدموع والرصاص ويقتحمون منازلنا كما هو معتاد بالضبط".

يطلق المدفع وابلا من السائل ذي الرائحة الكريهة مما يؤدي إلى تفرقة الشبان في اتجاه البلدة وتتبعهم القوات الاسرائيلية.

والفلسطينيون يسمون هذا السلاح بالكلمة العامية المعبرة عن براز الانسان.

وقال معاذ التميمي الذي تقع محطة الوقود التي يمتلكها على خط الجبهة في النبي صالح وكثيرا ما تغرق بهذه المادة "كيف يمكن وصف هذا الشيء؟... إنها تفوق رائحة الماء الراكد.. إنها تشبه رائحة الجيف والطعام المتعفن في الوقت ذاته ولا يمكن لأي صابون أو عطر محوها.. عندما أتعرض لها لا يقترب مني أحد لأيام".

ابتكرت هذا السلاح شركة اسرائيلية خاصة وكانت أول مرة يستخدمها الجيش في 2008. والسائل الذي يطلقه مدفع الفكاه عبارة عن مادة عضوية لمسحوق الخبز والخميرة وبعض المكونات التي لا يعلن عنها. ويقول الاسرائيليون إنها غير مؤذية للصحة ومصممة للحد من الخسائر البشرية.

وقال الجيش "نبذل كل محاولة للحد من احتمال وقوع خسائر بشرية بين مثيري الشغب وكذلك الحد من الخطر الذي تتعرض له قوات الأمن".

ورصدت شاحنة تحمل مدفع الفكاه مؤخرا عند قاعدة مرتفعة بهضبة الجولان التي تحتلها اسرائيل استعدادا لصد أي هجوم على السياج بامتداد خط فض الاشتباك بين اسرائيل وسوريا. وفاجأ اندفاع فلسطينيين من جهة سوريا القوات الاسرائيلية في العام الماضي ففتحت النار وقتلت العشرات.

وأصبحت التوغلات العسكرية الاسرائيلية في بلدات الضفة الغربية ذكرى تماما مثل التفجيرات الانتحارية التي كان ينفذها فلسطينيون في مدن اسرائيلية في السنوات القليلة الماضية. لكن الاحتجاجات في الضفة استمرت على مصادرة الأراضي بسبب بناء الجدار العازل أو المستوطنات على الأرض التي احتلتها اسرائيل عام 1967.

وتقول منظمة بتسيلم الاسرائيلية لحقوق الإنسان إن 17 فلسطينيا قتلوا في احتجاجات منذ عام 2004 وأصيب العشرات.

والمتظاهرون يعرفون جيدا السيناريو الذي يحدث بل إن الكثير من المحتجين الشبان والجنود الاسرائيليين أصبحوا يعرفون بعضهم بعضا بالاسم. وهم يستغلون هذه المعرفة غالبا لتشديد السباب الموجه لوالدة كل منهم.

وبالنسبة للجيش فإن هذا السلاح وسلاح آخر أقل استخداما ويطلق ضوضاء مركزة ويطلق عليه "الصرخة" دليل على زعم وزير الدفاع الاسرائيلي بأن اسرائيل تملك "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" وإنها رائدة في الأسلحة غير الفتاكة.

وقال افيتال ليبوفيتش المتحدث باسم الجيش "ليست لدينا أي نية لإيذاء هؤلاء المدنيين... لكن عدد أفراد الأمن الذين أصيبوا في أعمال الشغب تلك تزيد بالفعل".

وتشكك جماعات حقوق الإنسان في دوافع الجيش وترفض ما يردده الجيش وتعتبر مثل هذه الاختراعات مجرد حيلة في إطار حملة للعلاقات العامة لإخفاء الوسائل القاسية فيما تقول إنها حملة للقضاء على المعارضة المشروعة للاحتلال.

وقال ساريت ميكائيلي من بتسيلم "في ظل الاستخدام المبالغ فيه وغير المشروع والخطير للغاز المسيل للدموع والرصاص نشك في وصف الجيش لتلك الأحداث".

ويتطلب الأمر العسكري رقم 101 الذي صدر في العام ذاته الذي احتلت فيه اسرائيل الضفة الغربية الحصول على تصريح من اسرائيل في حالة التجمعات السياسية التي تضم أكثر من عشرة أشخاص. واستخدم الأمر في محاكمة المنظمين وإدانة المحتجين حتى قبل إلقاء ولو حجر واحد.

وتتعزز الألاعيب القانونية التي يلجأ إليها الجيش الاسرائيلي وقدرته على منع النشطاء واحتجازهم بإعلان مواقع الاحتجاج الأسبوعية أنها "مناطق عسكرية مغلقة".

وقال ميكائيلي "الهدف هو حق التظاهر وعدم الانتباه كثيرا إلى القضية التي يحتجون من أجلها.. انتهاك حقوقهم والاستيلاء على أراضيهم ومصادر رزقهم".

ويقول الفلسطينيون إنه من الافضل للاسرائيليين إجراء المحادثات التي تؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية بدلا من استخدام اي قدر من القوة.

وقال شاهر العاروري من منظمة الحق لحقوق الإنسان "يجب أن يفكروا في منحنا حقوقنا.. عليهم الحوار معنا بدل العنف وأعطاؤنا حقوقنا وإفساح المجال لأن تكون هناك دولتين لشعبين".