أنتيغون الإغريقية تدفع لاجئات سوريات للتمثيل

المرأة في مواجهة الملك المتغطرس

دمشق - تعرض مسرحية "انتيغون" المستمدة من بطلة اغريقية شهيرة بمسرح المدينة ببيروت لثلاث أمسيات اعتبارا من الاربعاء.

وتروي 20 لاجئة سورية في لبنان بجرأة لافتة حكاياتهن مع الاستبداد والحرب والتهجير وفقدان الأحبة في إطارا تحريضهن على البوح بقصصهن المؤلمة، وتحدي الخوف والتهميش، في ظل الظروف القاسية والمضايقات التي يعشيها اللاجئ السوري في لبنان.

واسترجع المخرج والممثل اللبناني الكندي، وجدي معوض، في مسرحية "انتيغون" مأساة بطلة اغريقية دفنت حية وطبعت بحضورها وعنادها الميثولوجيا اليونانية.

ووسط ديكور أراده عاديا ومعاصرا، بعيدا عن الأجواء الإغريقية الكلاسيكية، أخلص المخرج دراميا لنص المسرحية التي كتبها سوفوكليس في 441 قبل الميلاد، وضمنها عدة أناشيد مستقاة من النص الأصلي تعبر عن الموت وتروي ما لا يشاهد على المسرح.

وأضفى معوض رؤية معاصرة عبر موسيقى روك للمغني الفرنسي، برتران كانتا، الذي شكل مع فرقته التي تضم عازفي غيتار وعازف إيقاع، شيوخ المدينة اليونانية.

وتسمع في المشهد الأول من المسرحية أصوات دوي قنابل، ثم تخرج انتيغون وشقيقتها اسميني وتتحدثان حول القرار الذي أصدره حاكم مدينة طيبة كريون الذي يقضي بدفن جثة شقيقها اتوكليس، وبترك جثمان بولينيس في العراء دون دفن أو طقوس جناز لأنه يمثل الشر.

وتظهر انتيغون على أنها ضحية تمردها ضد القوانين وهيمنة حاكم طاغ ينتهك كل المحرمات.

وفي إطار سينوغرافي فقير يعتمد على بعض المقاعد وأحجار باطون تدفن انتيغون خلف أحجارها واقفة مرفوعة الرأس.

وتتطرق المسرحية إلى علا‌قة الحب التي جمعت بين انتيغون وهيمون، ابن كريون.

ويحاول هيمون أن يوعي والده الذي أعماه الغضب والكبرياء وحب السلطة والتسلط.

وتتوالى شهادات مؤثرة في العرض المسرحي المبتكر، حيث تدلي بها شابات وسيدات يعتلين خشبة المسرح للمرة الأولى في حبكة مسرحية تمت بإشراف مجموعة من المسرحيين والسينمائيين السوريين المقيمين بين بيروت ولندن.

وقال كاتب السيناريو محمد العطار (33 عاما): "نحن نكلل رحلة مميزة عمرها أشهر مع هؤلاء النساء، إنها من أجمل التجارب التي خضتها في المسرح".

وفيما درجت العادة أن تكون حكايات الثورات والحروب مقتصرة على شهادات الرجال ووجهات نظرهم، أراد المسرحيون السوريون إخراج ما في جعبة النساء من قصص وآراء، والبحث في "معركة المرأة السورية اليوم وطبيعة المواجهة التي تخوضها"، من خلال عناصر شخصية انتيغون التي "تتحدى السلطة في ظل اقتتال الإخوة".

وأضاف العطار: "الأكثر أهمية أن هذا النص يضع الفرد في مواجهة السلطة السياسية والذكورية، وتحديدا المرأة، إنها مواجهة مع الملك بوصفه الذكر المتغطرس".

ورأى أن أهم ما حققه المشروع "هو البوح والثقة بالنفس لدى المشاركات، رغم طبقات الحرمان والعنف المادي وغير المادي الذي عانين منه كنساء مهجرات لاجئات يعشن ظروفا قاسية، على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى احتضانهن، يضاف ذلك إلى العنف الذي تمارسه الأعراف الاجتماعية".

وتؤدي منى دور الراوية في المسرحية، حيث تتطرق إلى قصة إصابة ابنها بمرض خبيث وصعوبة علاجه في بلد يدمره النزاع، ومن ثم وفاته، من دون أن يكون في ذلك أي استدرار لعطف المشاهد ودموعه.

وتقول هذه الشابة ذات الـ29 عاما، والتي كانت تعمل مدرسة ابتدائية في مدينة الهامة قرب دمشق: "هذا العرض أتاح لنا إخراج الحزن من داخلنا، كنا نروي قصصنا بصعوبة، في السابق لم أكن أستطيع إكمال قصة وفاة ابني، لكن الآن خرج هذا الحزن وبتنا نروي قصصنا، لقد داوينا أنفسنا بأنفسنا".