أنا من إسرائيل!


يوجد أمران خاطئان عند سؤال الناس عن أصولهم، الأول يظهرك بصفة غير المهذب، والآخر أنك تشير إلى أنهم مختلفون عنك، وربما لا ينتمون إليك. ربما لا تقصد ذلك، لكن هذا ما يشعر به كثيرون.


سؤال من أين أنت ارتفع بوتيرة غير مسبوقة في العالم اليوم

ينصحنا مايكل سكابينكر من صحيفة فايننشيال تايمز بأن نتمهل قليلا قبل أن نسأل الآخر من أين أنت؟ لكن هذه النصيحة تتلاشى عند أفواج من المهاجرين إلى العالم الغربي، لأن الأسئلة برمتها تختفي عند الالتقاء بمن هم على شاكلتهم، ويصبح سؤال “من أي بلد أنت” يسير كالماء في أفواههم، وقد تكتشف أن بعضهم لا يعرف من الإنكليزية غير هذه الجملة!

من السهولة بمكان أن نعزو ذلك التكرار بالتفكير إلى الاغتراب أولا وصعوبة الاندماج في المجتمعات الوافدين إليها، لذلك يبحث المغترب عمن هو على شاكلته في القومية والدين واللغة وما أكثرهم، لكن المسألة تبدو أعقد في زمن ترامب الشعبوي.

سؤال من أين أنت ارتفع بوتيرة غير مسبوقة في العالم اليوم، وكان المايكروفون الأقوى له صوت الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لو كنت ولدت في بريطانيا أو الولايات المتحدة فلا أحد يفكر في التشكيك في حقوقك، إلا أن ترامب فعل غير ذلك وشجع الآخرين على اتباعه، مع أن بالنسبة إلى أولئك المعجبين بالولايات المتحدة منا، بدت سخرية ترامب غير أميركية، لم يفعلها بوريس جونسون النسخة 2 من ترامب في بريطانيا، دعك من نايجل فراج وحزبي بريكست و”يوكي”.

يتوقف مايكل سكابينكر عند سؤال الناس “من أين أنت؟”. فإذا كان الجواب برمنغهام، أو إنكلترا، فعلينا بالتأكيد التوقف عن المتابعة والقول “لكن من أين أنت بالفعل؟”. يمكننا التوقف كذلك عن سؤال هل استشم رائحة لكنة ما؟ تكون إجابته ربما وكذلك “ما أصل اسمك؟”.

يختلف هذا التوقف كثيرا عندما يطلق المهاجرون السؤال على بعضهم البعض، فالأمر بالنسبة إليهم متعلق بالبلاد والدين والطائفة، تذكر الخلاف الهندي الباكستاني، خلافات العرب في ما بينهم، ماذا يعني السني بالنسبة للإيراني الشيعي عندما يسأل الآخر من أي بلد أنت، كلها تجتمع في بوتقة “من أين أنت” التي كانت موجودة ولكنها صارت سائدة في الزمن الشعبوي الجديد.

لا يعني ذلك أن إجابات هذه الأسئلة ليست مثيرة للاهتمام إذا كان الدافع من السؤال معرفيا وثقافيا ومركزا على اللغة والشأن السياسي في محاولة اكتشاف طبيعة المجتمعات، لكن ما أقبحه وما أشده في التسبب بالملل والتكرار والإزعاج عندما يهدف إلى معرفة الدين وهوامشه!

يوجد أمران خاطئان عند سؤال الناس عن أصولهم وفق سكابينكر، الأول يظهرك بصفة غير المهذب، والآخر أنك تشير إلى أنهم مختلفون عنك، وربما لا ينتمون إليك. ربما لا تقصد ذلك، لكن هذا ما يشعر به كثيرون.

أعرف شخصا يعيش في لندن من خمسين عاما تخلص من تبعات السؤال بتجهيز إجابتين وفق حدسه بهدف السائل، الثاني لن أذكره لكم! أما عندما يعرف أن سائله يهدف إلى التحدث عن الدين والقومية والخلافات العربية، فيجيبه “أنا من إسرائيل” عندها يتوقف الكلام بين الاثنين، وما أخبثها وأضعفها من حيلة!