أنا النبطي أجيئكم من مدينة الصخر الوردي

بقلم: أحمد فضل شبلول
كل امرأة تدعوني لنفسها

كأنني كنت هنا منذ آلاف السنين، حينما كنت أعيش في العصر الحجري، لم أجد أروع من البتراء لأسكن فيها، وأعيش في كهوفها الصخرية الوردية متحصنا من هجمات الرياح والأمطار والحيوانات المفترسة.
كأنني كنت هنا أسير بين الجبال الشاهقة، وأمشي في الشوارع الحجرية الناعمة، وأنشد شعرا في المدرجات الواسعة، وأشاهد الأنثى على فطرتها الهامسة، وأنظر في عينيها الواسعتين كبحرين ونهرين يفيض الماء منهما، فأشرب ويشرب معي الصخر اللازب، فيذوب رقة وحنانا ويصعد إلى قمة الجبل الذي سمي فيما بعد جبل موسى.
هنا عرفت كل أنواع الصخور والحجارة، وصادقتها فمنحتني سر النار والخلود، ولم تعاقبني الآلهة مثلما عاقبت برومثيوس في بلاد أخرى غير بلاد الأنباط، عندما سرق النار من الآلهة. أنا لم أسرق نارا ولكن الأحجار هي التي كشفت لي أسرارها، وشفرات مائها، فعشت أجمل أيامي بين الماء والنيران، ومتوجا بهامات الصخور والجبال.
أنا النبطي القادم من أعماق التاريخ، والكتبي الذي رأى ما لم يره غيره في الصخر والحجر، ومني عرف الفراعنة سر بناء الأهرام من الأحجار، فبنوا معابدهم ومسلاتهم ونقشوا على الأحجار مدوناتهم، وشيدوا أهراماتهم الكثيرة والمتعددة وأطلقوا عليها أسماءهم. ولا أذيع سرا عندما أقول إن هناك أهراما أخرى لم يكتشفها المصريون بعد مليئة بالخيرات والكنوز الرائعة، وأن حفيدي الدكتور زاهي حواس يعرف ذلك السر، ولكن لم يشأ أن يذيعه الآن.
لقد شيدت مدينتي الكاملة في قلب الجبال والصخور، وحفرت مساكن قبيلتي وأبنائي في أعماق الجبل الصخري الشامخ الذي يتحدى الدنيا وصواريخها وقنابلها التي سيخترعها أحفادي فيما بعد.
لقد دونت كل هذا في صحيفتي التي أطلقت عليها اسم "الكتبي" حيث علمني ربي الكتابة على الصخر والنقش في الأحجار، وبعد آلاف السنين يأتي أحفادي في الأردن ليصدورا نشرة تعريفية تصدر عن الهيئة العربية للثقافة والتواصل الحضاري "بيت الأنباط"، ويدشنون على ما يسمى "شبكة الإنترنت" موقعا يشتمل على معلومات وافية عن أنشطتهم وبرامجهم، وأشكرهم على أنهم يعتنون بي وبأخباري وينظمون المؤتمرات عني ويصدرون الكتب.
ومن أهم تلك الكتب التي قرأتها مترجمة إلى العربية فيما بعد كتاب "تطور الخطوط والكتابة العربية من الأنباط إلى بدايات الإسلام" وحزنت لأن شخصا أجنبيا اسمه بياترس جرندلر هو الذي ألفه باللغة الإنجليزية، ولم يكن عربيا أو نبطيا من صلبي، ولكن حفيديَّ د. سلطان المعاني ود. فردوس العجلوني قاما بترجمته إلى العربية.
وتأتي أهمية الكتاب من كونه أحدث الكتب باللغة الإنجليزية التي تناولت تطور الكتابة والخطوط العربية، واستند إلى منهجية علمية صارمة في تتبعها التاريخي بالاستفادة من التراث العلمي في هذا المجال.
ويحتوي الكتاب على خمسة فصول وملحق برسومات ولوحات توضيحية تبين تطور الحروف العربية وفضل الأنباط في هذا الإنجاز الثقافي الذي حول اللغة العربية من لغة محكية بدون كتابة إلى لغة مكتوبة.
طبعا هناك كتب أخرى صدرت عني وعن العصر الذي عشت فيه في "بيت الأنباط" الذي يرأسه باسم الطويسي ونائبه مفلح العدوان، وسأذكر بعض هذه الكتب ومؤلفيها ونبذة قصيرة عنها، وإذا أردتم الاستزادة فاتصلوا بحفيدي محمد الحسنات في بيت الأنباط بالبتراء، أو زوروا موقع بيت الأنباط على الشبكة التي تسمى بالعنكبوتية www.baitalanbat.org
ـ كتاب "عهد الحارث الرابع" لحفيدي مسلم الرواحنة، وهو عبارة عن دراسة في مجموعة خاصة من المسكوكات النبطية في عهد أحد أبنائي وهو الحارث الرابع.
ـ كتاب "مملكة الأنباط" لحفيدي الدكتور خالد الحموري، وهو عبارة عن دراسة في الأحوال الاجتماعية والاقتصادية. ويستعرض الكتاب جغرافية المملكة التي كنت أعيش فيها، وهي مملكة الأنباط، وحدودها وعروبة الأنباط وأصولهم، أقصد أصولنا، وأنواع الزواج عندنا وأنماطه التي سادت في ذلك المجتمع القديم جدا، وكذلك الطلاق، مع أننا لا نحبذ الطلاق على الإطلاق، لأن المرأة ذلك الكائن الجميل الذي يشبه الطيور التي تحلق في سماء جبالنا، لا يجوز لنا أن نتركها تحلق وحدها بعد أن عشنا معها أجمل الأيام.
وعلى كل حال فقد كانت حالات الطلاق قليلة جدا، وحاول حفيدي الحموري أن يلامسها بذكاء، كما أنه تحدث في هذا الكتاب المهم عن الإرث والأعياد، واحتفالاتنا الوطنية والدينية والرسمية والشعبية، لكنه لم يذكر اسمي ضمن هذه الاحتفالات.
ويبدو أن الحموري لم يعرف أنني أنا الذي كتبت قصائد وأشعار تلك الاحتفالات جميعا، وأن اسمي الشبلولي محفور على الصخور الوردية التي تميل إلى اللون الأزرق، وسوف يجد تلك الصخور على بعد عدة أمتار من التمثال الذي نحتته الطبيعة لأمي وهي واقفة في شموخ وتحد لكل عوامل الطبيعة القاسية التي تمر على ليالينا وأيامنا في بعض الأحيان.
ففي لحظة انسجام ووفاق بين أمي والطبيعة نحتت الأخيرة تمثالا بديعا لأمي ولكن عندما شاهدته مؤخرا وجدت أن طبيعة القرن العشرين بدأت تنال منه بعض الشيء، ولكني لم أحزن، فهناك آلاف الأجانب يعرفون ذلك ويأتون يوميا ليلتقطوا صورا مع تمثال أمي.
وقد شاهدت إحدى السائحات الأجنبيات الجميلات تحتض تمثال أمي بشدة وتبكي، فتوهمت أنها ابنتها، وكنت على وشك أن أسألها: هل أنت أختي؟
غير أنني لاحظت أنه لا يوجد شبه بيني وبينها فهي بيضاء كالقشدة (أو كما قال حفيدي الفنان المصري عبدالفتاح القصري: يا صفايح القشطة السايحة) وعيناها خضراوان مثل البرسيم، وأنا أسمر مثل الصخر الذي كنت أعيش بداخله، وعيناي سوداون مثل قطعة الفحم. إذن لماذا تبكي تلك السائحة أمام تمثال أمي؟ هل تعتقد أنها السيدة مريم العذراء، فهناك شبه بين أمي وبين العذراء في طيبتها وجمالها وسكينتها واستسلامها لقضاء الله وقدره وأوامره، ولكن أمي لم تكن عذراء، وإلا ما كانت أتت بي، فأنا لست المسيح.
وعلى الرغم من أنني كنت أجد في كهف أمي فاكهة في غير أوانها، وماء باردا في الزير الذي صنعتُه بعد رحيل أبي في أوائل شبابي، وخضارا وأحجارا غريبة تضيء في الليل قالت لي إنها تهبط من السماء في أيام معلومات، وأن الحجر الأسود في الكعبة بمكة المكرمة واحد منها، فإنني لم أعتقد يوما أنها مريم العذراء.
لقد أخذتني أمي ذات صباح مشرق إلى نهر الأردن وسبحت معها، وخرجت منه كأنني أولد من جديد بغير خطايا ولا ذنوب، وكذلك هي، وعندما عدنا إلى منزلنا الصخري في البتراء، رأيت الناس ينظرون إلينا في دهشة وإكبار، وكأننا أصبحنا نبيين، ورأيت طفلا صغيرا يلمسني ويضحك ضحكة ملائكية لم أر مثلها حتى الآن، وفجأة اختفى هذا الطفل.
أما نساء البتراء فقد نزلن من كهوفهن وقبلن أمي بحرارة شديدة وكأنها عائدة توا من الحج، أو عائدة توا من عند الله أو من رحلة مثل الإسراء والمعراج الذي سيقوم بها رسول الله محمد فيما بعد. وكن ينظرن إليَّ نظرة فيها نوع من الجرأة غير العادية، وكأن كل امرأة تدعوني لنفسها، فأخذت أفكر في النبي يوسف الذي لم يكن قد أتى إلى الدنيا بعد، وألقى الله في قلبي قصة يوسف مع امرأة العزيز التي سترد في القرآن الكريم فيما بعد، ورأيت نساء مصر اللواتي قطعن أيديهن بدلا من أن يقطعن التفاحات.
وعندما سمعتُ امرأة العزيز تقول لهن {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} خفت كثيرا وجريت إلى كهفي وبكيت في تلك الليلة كثيرا، فعاد إليَّ الطفل الذي لامسني بضحكته الملائكية، وهدأ من روعي، ولامس شعري فغفوت طويلا. واستيقظت على نبأ رحيل أمي.
فهل كانت السائحة الأجنبية تعلم كل هذا، لذا بكت عندما رأت تمثال أمي؟ أم أنها من النسوة اللواتي رأينني في قصر الفرعون متماهيا مع يوسف الصديق، وعرفت قصتي وأرادت أن تكفر عن ذنبها بالبكاء أمام تمثال أمي؟
كل هذا لم يذكره حفيدي الدكتور خالد الحموري في كتابه "مملكة الأنباط" على الرغم من استعراضه للمعتقدات الدينية لنا، ودراسته لآلهتنا ومعابدنا وطقوسنا الدينية.
لقد ذكر الحموري أن أحفادي وجدوا على أحد الصخور صورا لأشخاص رافعين أيديهم في وضع دعاء أو صلاة وتراتيل، ولكنهم لم يعرفوا أن هذه الصور لي ولأمي، أثناء عودتنا من نهر الأردن.
ونترك الحموري وكتابه لألتقي مع حفيدي الدكتور أحمد العجلوني وكتابه "حضارة الأنباط من خلال نقوشهم"، حيث يحاول قراءة ملامح حضارتنا من خلال وثائق الأنباط أنفسهم المتمثلة في نقوشنا.
ويذكر العجلوني أن الرحالة بيركهارت اكتشف البتراء في عام 1812 موضحا جهود الرحالة والمستشرقين في تعريف العالم الغربي في القرن التاسع عشر بهذه المدينة، ولكنه لم يذكر أنني كنت هنا منذ آلاف السنين، وأنني كنت أتنقل من البتراء إلى الحجر وسيناء والنقب وأم الجمال وحوران ومكة ويثرب وغيرها من الأماكن التي عشت فيها إلى أن حط بي التاريخ والجغرافيا في مدينة على البحر المتوسط هي الإسكندرية التي بناها أحد أحفادي من غير العرب هو الإسكندر المقدوني الذي منحتُه لقب الإسكندر الأكبر، وأشرت عليه أن يزور معبد سيوه ويصادق آلهة المصريين ليكسب ود الشعب المصري القديم. وبعد وفاته في بابل أسرَّ لي خليفته بطليموس الأول عن المكان الذي يخبئون فيه كنز الإسكندر.
إنني أحمل الكثير من الأسرار الكونية التي لا يمكنني أن أكشف عنها دفعة واحدة، وإلا لتغير وجه الأرض، وسقطت الجبال من عليائها وخسفت الشمس، وتغير مسار الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء بحثا عني.
غير أنني همست ببعض الحروف لحفيد لي من الإسكندرية اسمه الدكتور يوسف زيدان عندما زارني في مدينتي المحببة "البتراء" منذ أسابيع قليلة، ليكتب ما قلته في روايته "النبطي". أحمد فضل شبلول ـ البتراء