أناس الليل: أداء مسرحي هادئ..بعيدا عن الصراخ

دمشق
أسرار وجدانية وحياة داخلية وسط مناخات كابوسية

بدأت على مسرح القباني بدمشق أول أمس عروض مسرحية "أناس الليل" عن رواية ليلة القدر للكاتب المغربي الطاهر بن جلون والمسرحية من إخراج الفنان العراقي باسم قهاروتمثيل عدنان عبد الجليل، رائفة أحمد، فيحاء أبو حامد، حسام سكاف، محمد ملص ويمن الحموي.

وتمكن ممثلو العرض من تقديم حكاية الرواية بأداء مسرحي منسجم مع تكويناته الصامتة الناطقة وفق أسلوب اعتمده مخرج العرض بالاتكاء على تقطيع هادىء للجمل الممسرحة معوضاً عن البناء الدرامي الروائي بإنشاءات درامية صرفة وزعها على ممثليه وفق تنويعات حركية متعددة.

ويروي عرض "أناس الليل" حكاية أب يصر على أن تكون ابنته السابعة صبياً ذكراً كي يرثه في مماته ويخلد اسمه عبر الاعتماد على شهادة ميلاد مزورة إلى أن تكبر الفتاة وتقع في حب رجل أعمى ما يؤدي إلى اكتشاف حقيقة الفتاة التي دارت أنوثتها ثلاثة وعشرين عاماً عن مجتمعها وأسرتها.

وتتطور أحداث العرض وفق موضوعته الدرامية المشوقة متكئة على تعاقب مسرحي هادىء ابتعد عن الصراخ مقتصداً في لهجته معولاً على نبرة شعرية هادئة أفادت من أجواء رواية ابن جلون المكتوبة مطلع ثمانينيات القرن الفائت للذهاب إلى محاولة فهم الرجولة والأنوثة من خلال تشريح مشهدي ذي حساسية خاصة في مخاطبة الجمهور ومواجهته .

وتمكن مخرج العرض من إضافة أبعاد جمالية لمسرحيته عبر الاستفادة من شاشة مصنوعة من القماش الأسود وضعها كمانشيت لمشاهده المسرحية بغية عنونة المراحل الزمنية لأعمار الشخصيات على الخشبة متجاوزاً بذلك بنية الرواية الأصلية نحو مزيج من تداخل الأصوات المترافقة بمقطوعات موسيقية اقتربت في بعضها من الحالة الإذاعية بدلاً من تقديم الصراع المسرحي في حالته التقليدية.

وقال الفنان باسم قهار مخرج العرض إن خصوصية عرض أناس الليل تأتي من خلال تماسك الحكاية التي وجدها في رواية الطاهر بن جلون بعد التصدي لإخراج رواية "تياترو" للكاتب السوري فواز حداد التي اعتمد في إخراجها على منطق التوثيق التاريخي فيما جاء عرض أناس الليل بعيداً عن التبعية لزمان أو مكان معينين بالتعويل على سرانية الأحداث وشفافيتها بعيداً عن الإعلان أو الإفصاح المباشر.

وأوضح المخرج العراقي أن رواية ابن جلون قدمت له إغراء كبيراً لتحقيقها على المسرح لما يكتنف النص من أسرار وجدانية وحياة داخلية تعيشها شخوص الرواية بشكل متجاور بعيداً عن التصريح مقتربة من التلميح الشعري وسط مناخات كابوسية تنهل من غموض العمى كرمز نفسي روحاني كما في الوجه المجهول من القمر الذي لا يستطيع البشر رؤيته بل عليهم تخيله ومقاربته بصرياً.

وأضاف صاحب مسرحية كهرب أن خيار إعداده للعرض باللغة العربية الفصحى جاء من ضرورة التعبير عن بوح الشخصيات المكتوبة في الرواية التي أسست لبناء بصري إخراجي اعتمده للانفتاح على جغرافية عرض بخيارات تعبيرية أكثر رحابة رغم ميله الخاص إلى خيار الكتابة المسرحية بالمحكية لملاءمتها إيقاعياً في رسم الميزانيسنات على الخشبة وصياغة ردود أفعال الشخصيات.

وبين القهار أن احتفاءه برواية الكاتب المغربي الطاهر بن جلون جاء من رغبته الأثيرة في بناء مشهدية مسرحية خاصة وفق بناء علاقة جديدة مع الممثل باكتشاف الإيقاع الداخلي للدور المسرحي عبر ترميز مستمر للأزياء والديكورات على الخشبة للوصول إلى مناقشة صميمية تعبر بالممثل من هيمنة الفضاء إلى صدام حيوات نفسية للشخصيات المتشابكة في صراعاتها البنيوية النصية.

وحقق العرض شرطا حكائيا معقولاً عبر قصة رجل أعمى من امرأة ترفض الانصياع إلا لعاطفتها من خلال ثنائيات لعب عليها مخرج العرض لتقديم ما يشبه حلولاً إخراجية تبرم العمى لصالح مقولة العماء الذي يكتنف مصير الكائن الإنساني وخصوصاً في مواجهة أقداره المكتوبة عليه وبالغ عرض إناس الليل في إيقاعية بطيئة أوقعت السرد الحكائي في تكرارية غير مبررة ما ضاعف في مباشرة واقعية كانت على عكس طرح مخرج العمل بالتعويل على ملاءات وستائر سوداء للرمز إلى طغيان الكابوس في العرض المسرحي كمادة أساسية في سرد الأحداث ولعبها على الخشبة مكرساً بذلك أفكارا عمومية مسبقة عن الداخل الإنساني وتورماته العميقة في الوجدان والذاكرة الشخصية.

يذكر أن عرض إناس الليل إضاءة بسام حميدي موسيقا شادي ريا وكان أن شاركت أناس الليل بعرض أول في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر من العام الماضي.(سانا)