أنابوليس .. مخاطر وألغام

بقلم: د. علي عقلة عرسان

لحظات من فضلكم نلقي فيها نظرة على بعض الأقوال والالتزامات والثوابت التي تمحور حولها الجهد في مؤتمر أنابوليس، وتلك التي برزت في ظلاله وبموازاته وتحت تأثيره من عناصر ومؤسسات صهيونية على الخصوص، نقارب خلالها ما يمكن أن يكون الجديد والمستجد الذي يؤسس لمعطيات ذات قيمة تؤثر في مستقبل الصراع ومستقبل التفاوض بناء على هذا المؤتمر وعلى مواقف المشرفين عليه والداخلين فيه ومن يصنعون القرار على الأرض في فلسطين المحتلة، أعني رجال الدين والمستوطنين وغلاة اليهود، الذين يقول قائلهم للعرب والعالم عن متطرف مسؤول منهم هو أولمرت: "اليوم ليست لدى أولمرت شرعية للتنازل حتى عن سجادة واحدة، ناهيك عن مناطق".
أكد الرئيس بوش، صاحب المبادرة والرؤية لدولتين، في كلمته الافتتاحية على أن "التسوية ستنشئ فلسطين كوطن فلسطيني، مثلما هي إسرائيل وطن للشعب اليهودي.." وأراد أن يمرر المطلب الصهيوني الجديد بديبلوماسية وقوة وتخفيض سقف المطالب الفلسطينية والعربية من اللحظة الأولى. ويبدو أن هذا المطلب، أعني يهودية الدولة العبرية الذي طرح بقوة أمام تجمع دولي كبير ومؤثر، هو أحد أهم أهداف مؤتمر أنابوليس والموضوع الحاكم لمستقبل المفاوضات التي أطلقها المؤتمر بادعاء عريض، حيث قال الرئيس بوش: "إسرائيل وطن قومي لليهود، ونحن نلتزم بأمن إسرائيل كوطن قومي". وهذا المطلب الإسرائيلي ـ الأميركي يحدد سقفاً منخفضاً جديداً للفلسطينيين بعد رسالة بوش لشارون حول المستوطنات في 14 نيسان/أبريل 2004 وموضوع "يهودية الدولة العبرية" سيكون حجر الزاوية في كل ما يحكم مستقبل مفاوضات عباس ـ أولمرت وينهي حق العودة ويؤسس لـ "ترانسفير" فلسطيني جديد من فلسطين 1948 إلى خارجها. وهو ما حشد له الرأي العام الصهيوني لا سيما في فلسطين المحتلة الذي عبر عنه بيان نشره الحاخامون وصدر بالتوازي مع المؤتمر وجاء فيه: "هناك حظر شديد من التوراة ضد تسليم أجزاء من أرض إسرائيل للكفرة، خصوصاً الفلسطينيين الذين هم أعداء وكارهون".
وحسب يديعوت أحرونوت في 29/11/2007 أعلن حاخام كريات أربع دوف ليئور الذي يشغل منصب رئيس "اتحاد الحاخامين من أجل أرض إسرائيل" بأنه "ينبغي تنظيف البلاد من العرب وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.. إذا كان هذا يعني أنه ينبغي أن ندفع لهم.. سنفعل هذا أيضا وسنخرجهم من هنا.. وسنقتلهم أيضاً، دون هذا لن يحل الهدوء في بلادنا".
من الأهمية بمكان قراءة هذا وعدم الاستهانة به، ومن المهم أيضاً الالتفات إلى كلام تسيبي ليفني في المؤتمر، وهي ابنة ايتان ليفني، قالت وكأنها تقدم تنازلاً كبيراً للعرب ولفتة تستحق التقدير: ".. أنا أؤمن بحق الشعب اليهودي في كل البلاد. ولكن هذا هو الوقت للتفكير بحق آخر: حق أطفالنا بالعيش بسلام وكرامة متبادلين". إن فلسطين كلها لها ولكنها تتنازل عن شيء منها من أجل مستقبل أطفال اليهود؟! إن الثقافة الصهيونية القائمة على أساس أنهم أصحاب الأرض والفلسطيني محتل ومغتصب ويجب أن يُطرد أو يُباد.. هذه الثقافة العنصرية المعادية للحقيقة والمنطق والتاريخ والقيم لن تقيم تعايشاً ولا سلاماً بين الفلسطينيين والصهاينة، ولا بين المشروع الصهيوني والعرب الذين يمكن أن يكون لهم مشروعهم.
لقد أكد الرئيس بوش على يهودية الدولة العبرية من جهة وألزم بلاده بحماية أمنها ومن ثم هويتها، وحدد الطريق لتثبيت ذلك فقال: "إن الإرهاب ـ أي المقاومة الفلسطينية وأية مقاومة عربية للاحتلال ـ هو العدو الذي يعترض طريق الدولة ـ الفلسطينية ـ إن الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض أعلنا دون تردد أنهما يعارضان الإرهاب وملتزمان بالسلام. وهما ملتزمان بتحويل هذه الأقوال إلى أفعال على أرض الواقع ومكافحة الإرهاب.". إنها الدعوة المباشرة للاحتراب الفلسطيني ـ الفلسطيني، والوصفة المثالية لتدمير الذات فلسطينياً بأيدي فلسطينية، وهو المطلب الصهيوني القديم الجديد والشرط الأساس الذي تضمنته خريطة الطريق في سطرها الأول ومرحلتها الأولى، حيث لا تحرك في التنفيذ إلا بعد أن يُقضى على المقاومة "الإرهاب" وتُفكّك بنيتها التحتية وتُدمَّر كلياً. وقد جاء فيما سمي "التفاهم المشترك" الذي فرضته ليفني على المفاوض الفلسطيني أبو علاء حيث أبلغته، حسب معاريف.. "أن الأمر انتهى.. هذا هو البيان، لا يوجد غيره. خذه أو دعه"، وحين تركه فرضه الرئيس بوش بنصه "الإسرائيلي" على عباس الذي "تراجع وصادق على الصيغة الإسرائيلية، وانطلقت الصيغة على الدرب".
جاء في ذلك التفاهم:"ستراقب الولايات المتحدة وتحكم على مدى وفاء كل من الطرفين بالتعهدات الخاصة بخارطة الطريق.. تنفيذ معاهدة السلام المستقبلية سيكون متوقفا على تنفيذ خارطة الطريق وفق ما تحكم به الولايات المتحدة ما لم يتفق الطرفان على شيء آخر".؟ يا للعجب.. وهل الولايات المتحدة إلا "إسرائيل"؟ وهل كانت إلا منحازة بعنصرية بغيضة إلى جانب العنصرية الصهيونية الكريهة وضد الفلسطينيين والعرب عبر تاريخ الصراع كله؟ وهل نسينا ازدواجية المعايير والمكاييل الأميركية وما عانينا منها طويلاً؟ أليست هي التي اعتمدت سياسة مجحفة منذ 1967 آتت بعض أكلها فيما يبدو مع بلدان عربية ومسؤولين فلسطينيين، نقلها وليم كوانت على لسان رئاسة أميركية بقوله: "ستدعم الولايات المتحدة إسرائيل في الاحتفاظ بالأراضي التي تم احتلالها في تلك الحرب إلى أن تصبح الدول العربية مستعدة للاعتراف بإسرائيل وإقامة السلام معها"، أي أنها سوف تناصر العدوان والقرصنة وقضم الأرض وإرهاب الدولة وإذلال الفلسطينيين وإضعاف العرب وإجبارهم على التنازل عن حقوقهم وآخرها حق العودة والخضوع "لترانسفير" جديد باسم السلام؟ إن الولايات المتحدة تعود اليوم كما كانت ومن دون تغيير إلى موقع الخصم والحكم الذي وضعها فيه عرب من العرب وأسلموها بتمزقهم وضعفهم مقاليد الأمر كله.
وسخَّر الرئيس بوش الرباعيةَ لبرنامجه "القضاء على المقاومة أولاً" فقد أعلن أنها "رحَّبت بجهود الطرفين المستمرة لإنجاز كل منهما لالتزاماته المنصوص عليها في المرحلة الأولى من خريطة الطريق"، والمرحلة الأولى كما أسلفنا هي القضاء على المقاومة، وهو الأمر الذي تُعد له العدة الآن في ظل الحصار البشع المفروض على غزة، حيث يتم هجوم كاسح عليها بذرائع مختلفة منها إطلاق صاروخ قسام واحد على "إسرائيل" مثلاً، ويتولى الجنرالان الأميركيان كيث دايتون القديم وجونز الجديد هذه المهمة بتنسيق مع الكيان الصهيوني ومع قوات السلطة الفلسطينية ومن تضعهم إسرائيل تحت تصرفها أو تدفعهم بالتوازي مع جهودها لاحتلال غزة وتنفيذ المهمة القذرة ضد مقاومة الشعب الفلسطيني وممانعته ورفضه للاستسلام والتنازل عن حقوقه كلها.
وقد أكد الرئيس بوش على أن "الإرهابيين يهددون المنطقة وستلحق بهم الهزيمة" بهدف زحلقة دول عربية وإسلامية على طريق قبول ذلك ورفض المقاومة الإسلامية التي يصفها الصهيوني والأميركي بأنها إرهاب، لأن تلك الدول تعاني من مثله في بلدانها. وأبلغ المجتمعين بضرورة دعم عباس وفياض وخططهما الجديدة، وقال لرأسي التفاوض المعنيين بتنفيذ خريطة الطريق ابتداء من مرحلتها الأولى: "أقطع لكما التزامي الشخصي بأن أدعم عملكما بموارد وتصميم الحكومة الأميركية". وهو يعطي هذا أولوية في نهاية عهده لأنه بدأ يرى أن "السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو مصلحة قومية للولايات المتحدة.. وكم مسح بالولايات المتحدة جرائم وحماقات مسحت بها الأرض بدورها". وهو يرمي هذا الطعم للعرب اليوم بعد تفاقم مآزقه في العراق، والجرائم التي ارتكبها ضد الفلسطينيين والعراقيين، وبعد أن أدخل بلده في مستنقعات دامية ومآزق خطيرة أفقدتها احترام العالم وثقته، وأثارت فيها معارضة قوية ضده.. يرمي هذا الطعم لهم تمهيداً لتنفيذ المطلب الحيوي الثاني لإسرائيل بعد طلبها تدمير العراق، وهو توجيه ضربة قاصمة للمقاومة ولإيران بأيدي عربية وإسلامية ودعم غربي وصهيوني، تلك الخطة التي قررت إدارة بوش من أجلها تشكيل تحالف جديد لمن تسميهم "معتدلين" ضد متطرفين، والتأسيس لمواجهات دموية بين عرب ومسلمين على أسس مذهبية، سنة وشيعة، ونشر "الفوضى البناءة"؟ و"تنظيم الفراغ"؟ وإشاعة التنازع العرقي لإضعاف العرب والمسلمين وتمزيق قوتهم بكاملها.
ولم يتأخر شمعون بيريز عن الاستثمار في هذا الاتجاه والإشارة إليه بطريقة أفعوانية ملتقطاً اللحظة الدلالية من حضور العرب الكثيف في مؤتمر أنابوليس، ومركزاً على إثارة الفتنة والتحريض عليها والتأسيس لمسوغاتها، حيث قال للإذاعة العامة في الكيان الصهيوني: "من الجوانب الملفتة لهذا المؤتمر المشاركة العربية القوية جداً حول طاولة واحدة" مع إسرائيل.. إن إيران بسياستها المتشددة والمثيرة للخوف والتهديد هي السبب في ذلك.. كثيراً من الأشخاص بدؤوا يدركون أن الخطر لا يأتي من إسرائيل وإنما من إيران."؟ ولم ينس في ذلك اللقاء الدس على خالد مشعل ودمشق التي تؤويه.
لم يتكلم بوش في المؤتمر عن الجولان ولا عن مزارع شبعا ولا عن أي شيء يتصل بالحل الشامل، ولا عن العراق وما يؤسس له مع المالكي من اتفاقيات تقضي على استقلال العراق ومستقبله، حيث اتجه إلى ذلك بعد أن أنجز مهمة التدمير وتراءت له المأساة والهزيمة الممكنة على يد المقاومة، فأسس لهيمنة شاملة ودائمة على العراق بوثيقة بوش ـ المالكي التي ستؤدي إلى اتفاقيات التعاون الثنائي وتُحكِم سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على العراق وعلى ثرواته ومستقبله إلى مدى غير منظور.. لم يذكر شيئاً عن ذلك، ولكنه وجه تحذيراً مبطّناً لسورية بشأن لبنان من دون أن يذكرها بالاسم حيث قال: ".. الديمقراطية في لبنان من دون تدخل وعنف وتخويف.".. وهو الذي يتدخل ويخوِّف ويغري بالعنف؟ وحاول أن يوهم الجميع بأنه القادر من دون منازع والماحق من دون تردد.. في حين أنه لم يعد يملك إلا الحق في الكلام والاستقبال كما يقول بعض الساسة الأميركيين.
لقد كان عباس واضحاً في كلام ليس له منه إلا فرصة نطقه من منبر بهذا الحجم ليظهر مقبولاً عند شعبه ولن تكون له منه إلا فرصة إلقائه وسماعه بالطبع.. وهو يدرك جيداً أن ليس باستطاعته أن يصمد طويلاً أمام مطالبة بوش ـ أولمرت وبقية الفريق العامل، ومنهم أفراد في محيطه، بالإقرار بيهودية الدولة العبرية التي يقدمون له بموازاتها كرسي دولة "قومية" للفلسطينيين؟
لقد تكلم أولمرت في المؤتمر حول "آلام شعبه وتفجير الباصات" والمعاناة من "الإرهاب" و"المخربين" ولم يذكر عباس أن ما تقوم به "إسرائيل" هو الإرهاب بعينه، ولا أدري لماذا أجاز لنفسه التغاضي عن المس بتاريخ شعبه وبمعظم المقاومين الذين يسميهم أولمرت إرهابيين ولم يسمهم هو مقاومين ومدافعين عن الحرية وطلبة تحرير واستقلال وكرامة.. لم يدافع عن حقهم بالتصدي للاحتلال بوصفهم مقاومة مشروعة لها الحق بالدفاع عن النفس والحق والأرض والوطن والمقدسات التي تنتهكها إسرائيل منذ عقود تحت سمع العالم وبصره؟
أولمرت يريد يهودية الدولة العبرية والاعتراف بها، وحكومة فلسطينية مسؤولة تلتزم بذلك وتقوم بتنفيذ الاتفاقيات وبسط سلطتها، وسوف يساعدها على ذلك وعلى بناء المؤسسات التي كلما بنيت بجهد دولي دمرتها إسرائيل؟ ويرى أولمرت، المزدهي بالحضور العربي الكثيف في أنابوليس، أنه "على الدول العربية أن تمد يدها لإسرائيل التي لها مكان في المنطقة، وينبغي تطبيع العلاقات معها." وهو الذي لم يشر في كلمته إلى المبادرة العربية بين مرجعيات التفاوض والتسوية أو التصفية لقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني؟
أمور عجيبة وخطيرة في مؤتمر بوش ـ رايس في أنابوليس سوف تكون نتائجها على الفلسطينيين والعرب وخيمة ولن تخرج بوش من مستنقع أميركي داخلي أراد أن ينفش ريشه فوق مائه الآسن ليغطي "السماوات بالقبوات" كما يقول المثل الشامي.
لا أقول إن مؤتمر أنابوليس إفلاس وفشل، لأنه مخاطر قوية وألغام شديدة الانفجار توضع تحت أصلب موقع من مواقع نضال الشعب الفلسطيني وصموده وهو المقاومة وتحت أقوى ركيزة من ركائز حقوقه ممثلة في حق العودة.
فلنناضل ونتشبث بالوعي والحق والمقاومة ووحدة الشعب الفلسطيني وتاريخه النضالي وبما تبقى من موقف عربي وراء قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، حتى لا يُهرس هذا الحق تحت عجلات "يهودية الدولة العبرية" التي تتقدم بإرادة أميركية قوية تساهم في دفعها أحصنة عربية. د. علي عقلة عرسان