أم حبشي فواز بعد موته: نريد أن ننظف البيت من كتبه

بقلم: مصطفى نصر
لا تفرطوا في الكتب

تعرفت عليه في ندوة بقصر ثقافة الحرية – تقريبا – في أواخر السبعينيات. قالت مديرة الثقافة – في ذلك الوقت – وهي تخفي ابتسامة ساخرة: إنه يبحث عن عروسة، ابتسامتها هذه لأنه قد تجاوز الخمسين بقليل، فهو من مواليد 1928.
بعد الندوة قال: سأذهب إلى حي بحري، من سيأتي معي؟
سرت بجواره قاصدا دكان "مختار علوبة" في شارع محمد كريم ومعي بعض الزملاء. دخل الدكان معنا لأول مرة، وجلس "مختار علوبة" خلف البنك.
كان حبشي فواز يرتدي بذلة كاملة (ولم أره خارج بيته إلا بالبذلة كاملة)، طلب منا أن نقرأ له بعض قصصنا، فبدأ مختار علوبة بالقراءة، فأومأ برأسه ولم يعلق، ثم قرأ بعض الموجودين، ولم أكن راغبا في القراءة، لكنه طلب مني ذلك، وعندما قرأت قصتي، وجدته متحمسا لي، وحدثني بيني وبينه بأنني أفضلهم وييجي مني.
دهشت من لقائي هذا بحبشي فواز، فقد كنت أقرب جيلي إلى الكتاب الكبار في الإسكندرية شعراء أو كتاب قصة، كنت أعطيهم حقهم من الاحترام والتقدير. وأزعم بأنني أعرفهم جميعا، فلماذا لم أعرف حبشي فواز منذ أن اتصلت بالحركة الأدبية في أواخر عام 1967؟
لقد حضرت احتفالات كثيرة، وندوات أكثر ولم أره مرة واحدة .
في أول لقاء معه في بيته، أدخلتني أمه حجرة تطل على البحر، وجاء هو مرتديا بيجامة مخططة، فنظر إلى الحجرة وقال في سرعة وهو يخرج ويغلق الباب خلفه:
- أغلق الشباك.
أغلقت الشباك وجاء، رحب بي وقال:
- لا تؤاخذني لأن أثاث البيت ليس على ما يرام، فسوف أقوم بتجديد كل شيء.
ثم أشار إلى لفة فوق دولاب قديم، وأكمل:
- هذا فرش اشتريته من إيطاليا سأشد به الكراسي.
(لاحظت بعد ذلك أن هذه طريقته عند اللقاء الأول لزائره، يحدثه عن الأثاث القديم، ويشير إلى اللفة فوق الدولاب).
سألني عن عملي، وطلب مني أن أقرأ بعض قصصي، فقرأت له، فأثنى على كتاباتي ونصحني بأن أقرأ كتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي، وأخبرني بأن أمل دنقل استعاره – عندما كان يعيش في الإسكندرية - من عبدالمنعم الأنصاري، ولما أعاده إليه قال للأنصاري: لقد أتعبني.
قال لي: لا أريدك أن تكون مثل فلان وعلان (ذكر أسماء بعض الزملاء) أريدك أن تحقق شهرة ومكانة عالية. وأعطاني بعض الكتابات التي تخص هيئة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، لأكتبها على الآلة الكاتبة، فقد كان يشغل نائب رئيس الهيئة في ذلك الوقت، ورئيسها الدكتور عمر الجارم، ومقرها في عيادته بشارع الشهداء.
سألته عن سبب ابتعاده عن الحياة الأدبية والندوات خلال هذه المدة الطويلة؟ فحكى لي حكاية غريبة، فهو من أصل مغربي مثل الكثيرين من أهل بحري، وأنه يخفي هذا عن الناس، على أمل أن يأتي يوم ويعينونه محافظا لمحافظة من محافظات مصر، وأنه كان ضمن وفد أدبي سيمثل مصر في مؤتمر ببغداد أيام حكم عبدالكريم قاسم. أعضاء الوفد سيسافرون من القاهرة إلى العراق، وهو سيسافر من المغرب إلى هناك، لكن عبدالكريم قاسم صرح فجأة بتصريحات تسيء إلى مصر وجمال عبدالناصر، فتم إلغاء زيارة الوفد، وأعلنت مصر هذا رسميا، في الوقت الذي سافر هو فيه إلى العراق، فاستقبلته بغداد ووصفته بأنه رئيس الوفد المصري، وبالغت في الإعلان عن حضوره؛ لدرجة أن عبدالكريم قاسم قابله شخصيا، وصدرت جرائد العراق في اليوم التالي وصورته وهو يصافح عبدالكريم قاسم تتصدر صفحاتها.
وعندما عاد إلى مصر تم القبض عليه وسؤاله، وكاد يفقد وظيفته المهمة، وحذروه من ممارسة إي عمل إعلامي، فابتعد طوال حكم عبدالناصر وجزء كبير جدا من حكم السادات.
كان يعيش في الشقة هو وأمه وأخوه الصغير، الذي يسير ويتحرك بطريقة هادئة تحير، وكان دائم الخلاف معه، وحدث أن اجتمعنا أنا وبعض أدباء الإسكندرية في الحجرة المطلة على البحر، وخرج حبشي فواز وأغلق الباب خلفه وسمعناه يصيح في أخيه: أنت شربت اللبن. وأخوه يجيبه بصوت خافت متردد: ما شربتش حاجة.
ويؤكد هو أن أخاه شرب اللبن. والأم تصيح غاضبة: عيب يا حبشي الناس موجودة.
ويقول حبشي: أنا كنت معلم القزازة بالقلم الجاف.
ثم يأتي إلينا وهو غاضب، ونحن صامتون ننتظر أن يعود إلى هدوئه لنكمل الحديث.
كان صديقا لبعض الأغنياء في المنطقة الحاج مسعد عبدالله التاجر الكبير والحاج قمر تاجر الأقمشة المشهور وغيرهما، فكانوا يعطونه نقودا يقوم بتحويلها إلى بضائع ويصرفها من بيته للمحتاجين، وكنت من حجرتي التي أجلس فيها أسمعه يقرر المحتاجات ويسألهن، فعندما طلب مني أن أبحث له عن محتاجين في حينا؛ ليعطيهم أقمشة وبعض الأغذية، لم أفعل هذا.
ومرة جاءته مشرفة اجتماعية في إحدى المدارس بإمرأة شابة زوجها مات في رحلة من رحلات صيد السمك، وتركها بأطفالها دون عائل. بحثت في ملابسي فوجدت خمسة جنيهات، فطلبت المشرفة الاجتماعية وأعطيتها لها، فأبلغته بهذا، فأخذ يحكي هذه القصة لكل من يسأل عني.
ترددت على بيته كثيرا، في كل مرة يعطيني كتابات لهيئة الفنون، أو قصصا قصيرة لكي أكتبها له على الآلة الكاتبة، كنت أنتهي من كتابة قصة أو فصول من رواية فأذهب إليه في أي وقت، فهو موجود في البيت معظم الوقت، ويسهر لوقت متأخر من الليل، كنت أقرأ عليه ما انتهيت من كتابته ، فيصحح لي النحو والإملاء، وبينما أن منشغل بالقراءة، يصيح فجأة: من الذي يرأس تحرير المجلة الفلانية؟ (أو أشياء من هذا القبيل) فأحس وكأنه ألقى على رأسي جردل مياه باردة.
عرض علىّ أن أعمل سكرتيرا إداريا للهيئة مقابل عشرة جنيهات في الشهر، على أن أذهب إلى مقر الهيئة مساء كل يوم خميس. رفضت هذا بإلحاح، فحصولي على نقود من الهيئة يعني أن أقلل من شأني أمامه وأمام أعضاء مجلس الإدارة، لكنه ألح هو والدكتور فتحي حسونة أمين عام الهيئة؛ الذي قال لي: ما أنت بتكتب مكاتبات الهيئة دون نقود، حتى وافقت ويا ليتني ما وافقت، فقد كنت أذهب مساء كل يوم خميس، ويكون معي صديقي محمد عبدالله عيسى وبعض الزملاء والأصدقاء، نجلس في عيادة الدكتور نصر الحارس، وسط المرضى، بعضهم يعاني من اضطراب نفسي، فتصدر منه تصرفات تدعو للخوف، وبينما أنا منهمك مع أصدقائي وزملائي، يأتي عزب شهاب، وهو عضو مجلس إدارة في الهيئة، وكان في شبابه مدرسا للدكتور نصر الحارس في رشيد، يناديني ويطلب مني كذا وكذا، ويقول لي: يا ابني يا مصطفي. أحسست بأنه يريد أن يفرض علي رئاسته، وكانت طلباته تحرجني أمام أصدقائي وزملائي، فاعتذرت عن عملي هذا، لكنهم طلبوا مني أن أتحمل إلى أن تنتهي الانتخابات.
كنت أحضر اجتماعات مجلس الإدارة المكون من رجال أراهم لأول مرة: لواء شرطة سابق اسمه مصطفى الزواوي، واللواء على الباز (الشاعر المشهور والذي حصل على الدكتوراة بعد ذلك)، والأستاذ الدكتور محمد على أبو ريان، وممدوح العربي، وأحمد رضا الذي كان يشغل أمين الصندوق، وكان أكثرهم خبرة بقوانين الجمعيات الأهلية وطريقة الانتخابات، وكان معظمهم غير راغب في وجوده بينهم، وينتظرون أن يسقط في الانتخابات القادمة. فسألني في جلسة بيني وبينه: هما بلغوا المباحث؟ قلت: لا أعلم.
وأخبرت حبشي فواز بهذا، فأبلغ من معه بنية أحمد رضا بأن تتم الجمعية العمومية والانتخابات دون إبلاغ المباحث، فإذا نجح أحمد رضا: خير وبركة، ولكن إذا سقط، يبلغ المباحث، فتعتبر الانتخابات لاغية، وتعاد مرة أخرى.
الغريب أنه وعزب شهاب اعتبروني شريكا لأحمد رضا في هذه المؤامرة، رغم أني كنت أتمنى أن يسقطوا ثلاثتهم في الانتخابات (رضا وفواز وشهاب) وكنت أسميهم حسن ومرقص وكوهين ، وبلغوا المباحث وتمت الانتخابات لكن رضا نجح فقد كانت الهيئة وجماعة الأدب العربي كل حياته، فهو لم ينجب، كما أنه كاتب قليل القيمة، وقليل الثقافة، فكان يسعى إلى أن يُدخل الهيئة وجماعة الأدب العربي زملاءه في العمل دون أن تكون لهم أية صلة بالأدب، أو الفن.
وبعد الانتخابات تركت لهم ما يخصهم في دولاب يخص الهيئة في عيادة الدكتور نصر الحارس، وأبلغتهم بأنني منسحب من العمل معهم، لكن فواز وعزب شهاب رفضا هذا، وأرادا أن أعمل بالغصب، لدرجة أن عزب شهاب أراد أن يتصل برئيس الشركة التي أعمل بها لكي يجبرني على العمل معهم، لولا أن عامل التليفون بالشركة لم يسمح له بالاتصال به.
كان أعضاء مجلس الإدارة في ذلك الوقت؛ يتشاجرون في كل اجتماع، ويغضب بعضهم تاركا الاجتماع. وكان حبشي فواز فور الانتهاء من اجتماع مجلس الإدارة، يحمل ورقا في يده داخل جريدة قديمة ويدخل دورة المياه، ليغير الورق الذي وضعه فوق صدره قبل خروجه من البيت بورق جديد. وكان الكل يعلم عنه هذا، ويصيح رضا ساخرا: سيادة المستشار بيغيّر.
تعرفت من خلال حبشي فواز على مجلة "الخفجي" التي تصدرها مجموعة شركات الخفجي بالسعودية، فأرسلت إليها قصة بعنوان "النجم الجديد"، وكانت الشركة ترسل المجلة إليه كل شهر، فأبلغني بأن لي قصة منشورة، فشعرت بالسعادة وطلبت منه أن أستعير المجلة منه إلى الغد لكي أصور القصة منها، فرفض بشدة وقال لي: أنزل دلوقتي صورها وهاتها تاني. فشعرت بالضيق وتركتها له.
كانت كتبه ومجلاته ملقاة فوق الأرض ومعها علب الأدوية وأكياس البلاستيك وغيرها من الأشياء في كومة عالية جدا، وكان كلما قابل مجموعة من البنات والشباب؛ خاصة الذين يمارسون المسرح، يطلب منهم أن يأتوا إلى شقته لتوضيب مكتبه. وقابلت بعضهم في بيته، جاءوا بينما كنت أتحدث معه في الحجرة التي نتقابل فيها، كان على رأسهم الممثل المسرحي المشهور محمد سعيد، ومعه شاب بنظارة، وفتاة سمراء شهية وأخرى شقراء جميلة، جاءوا إليه آملين في نيل بعض المكاسب منه، رجل مسن أعزب يشغل وظيفة نائب رئيس مجلس الدولة، وغني جدا، الفتاة السمراء تزوجت في لبنان وهربت من زوجها وتريد حبشي فواز أن يساعدها في الحصول على الطلاق، والشقراء لديها مشاكل مع مديرية التعليم في الإسكندرية .. الخ.
جلست الفتاة الشقراء بجواري، تحدثت معي، بينما انشغل هو بالسمراء التي كان يعجب بها كثيرا، واكتشف فجأة ما يدور بيني وبين الشقراء من حديث، فصاح غاضبا "وبعدين يا مصطفى"، لكنني لم أسأل فيه وأكملت حديثي، فقال لها "خللي بالك ده متجوز وعنده عيال"، ولم انته من الحديث مع الفتاة، فأمرني بأن أقوم من جوارها وأجلس بعيدا.
كنت أذهب إليه كثيرا، بين الثامنة والثامنة والنصف مساء، فأجده جالسا بجوار الراديو يسمع قرآن السهرة، فيشير لي بألا أتكلم، ولا يبدأ العمل والحركة إلا بعد انتهاء القرآن، كما أنه كان يغضب إذا كتبت في الجنس، ويطلب مني أن أمسح هذا الجزء، وكانت أمه تصيح فيه "حبشي، العشاء أذنت" فيقول لها: حاضر ياماما، لكنه ينشغل معي، فتذكره ثانية وثالثة إلى أن تصيح فيه غاضبة، فيضطر أن يقوم ويصليها.
وكنت أذهب إليه فتقدم أمه لي الشاي أو العناب، وكنت أصوم الاثنين والخميس خلال شهري رجب وشعبان، وعندما علم بهذا قال لي: أنا كنت فاكركم شيوعيين، فقد قال لي: أحمد السمرة "كل إللي بيترددوا على قصور الثقافة شيوعيين."
ودهشت من هذا، فقد كان أحمد السمرة من المترددين على قصور الثقافة، ولديه ندوات أسبوعية في قصر الحرية والأنفوشي.
حكى لي الشاعر عبدالمنعم الأنصاري أن حبشي أعطى لأمل دنقل خمسة جنيهات طالبا منه أن يضرب عبدالمنعم الأنصاري، فجاءه أمل دنقل، وأخبره بذلك، وذهبا ليسهرا ويشربا بالخمسة جنيهات.
وشاعت عنه بعض الأقاويل التي تجعل التعامل معه صعبا، وقد يسيء للذين يترددون على بيته، فابتعدت عنه بعض الوقت، وكنت قد نشرت روايتي "الجهيني"، التي حققت شهرة واهتماما كبيرا من النقاد، وكتب مصطفى محرم سيناريو وحوار عنها، وتحمس لها عاطف الطيب واشتراها مني محمود ياسين ليحولها إلى فيلم سينمائي، فاعتبر فواز بُعدي عنه بسبب الغرور الذي لحقني بعد هذا الاهتمام، وقال لي: أصابتك الحالة التي أصابت يوسف إدريس بعد نجاح مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليال".
منذ أول يوم عرفت فيه حبشي فواز وأنا أعرف أنه يبحث عن فتاة ليتزوجها، وقد حكى لي بأنه خطب فتاة أو ربما كتب كتابه عليها، لكنه اختلف مع والدها وحدثت مشاكل طويلة إلى أن انتهى من هذه العلاقة.
وحكى لي عبدالمنعم الأنصاري عن هذه الحادثة فكتبتها قصة بعنوان "اليوم السابع"، وهي تحكي عن شاب نابغ ناجح في عمله خطب فتاة والدها جواهرجي غني، فذهب إليها بأمه وأخوته الكثيرين، ثم أعجب بما قدم إليه من طعام فأخذ يذهب كل ليلة ليتعشى هو وأمه وأخوته إلى أن جاء اليوم السابع، فطردهم والد العروس.
كان يتعرض فواز لموظفات الثقافة، وكان يعجب ببعضهن، ويندب حظه العاثر لأن السلسلة لا تنقطع، فسألته عن معنى هذا، فقال: يعنى ما فيش واحدة منهن يموت زوجها أو تطلق. كان ينتظر أن تفضى واحدة من اللاتي يعجب بهن لكي يذهب ويطلبها للزواج، لكنه لحظه العاثر مات قبل أزواجهن جميعا.
وفي كل يوم يحدثني عن فتاة أو امرأة جديدة يرغب في الزواج منها، واحدة عابت عليه بخله وخوفه المرضي على صحته، فقال لها في زهو: هاتان الخصلتان تخصان الملحن العظيم محمد عبدالوهاب فهو بخيل وموسوس بالنسبة لصحته.
وتعرف على امرأة شابة فيها مسحة جمال، جاءته طالبة معونة؛ فأعطاها بعض الأغذية، ثم طلب منها أن تأتي لمساعدة أمه في عمل البيت، وأسرَّ لي بأنه كان يلمس جسدها، وكانت ترتاح لذلك، وفكر في الزواج منها، وعرض عليّ الأمر فتحمست لهذا، كنت أتمنى أن تفوز بالشقة الكبيرة، التي لا يحتاجها أحد منهم، وأن تفوز بمعاشه الكبير وأمواله الكثيرة.
كانت المرأة أما لفتاة في الثانوية العامة وأخرى في الإعدادية وفتي في القبول الإعدادي، وكان يقول لي: إن الفتاة الكبيرة تحبه وتهواه.
وقد جاءت المرأة ببعض قريباتها في ندوة بقصر ثقافة الحرية لتريه لها، وقد رأيتها تحدث قريبتها عنه. وشكا لي من خوفه من أن يتزوجها فتأخذ نقوده وتتزوج بها شابا صغيرا، فقلت له "أنت حاتعول هم الدنيا وأنت ميت؟! ومن أخبرك بأنك ستموت قبلها."، وحكيت له قصة كتبها إحسان عبد القدوس منشورة في الأهرام عن رجل دفع ثمن نعيه في جريدة كبيرة وأعطى الوصل لزوجته لكي تقدمه للجريدة بعد موته، لكن زوجته ماتت قبله.
كنت أحكي هذا وأنا جالس في الصالة بعد أن صرت قريبا جدا من العائلة، فنادى أمه التي كانت في المطبخ وهو فرح لقولي هذا، وطلب مني أن أحكي لها هذه القصة.
وطلب من المرأة أن تأتي إلى شقته وحدها، فهو لا يستطيع احتمال ابنتها وابنها، لكن شقيقها زاره في البيت وقال له: أمامك خياران إما أن تتزوجها وتعيش معها ومع أولادها في شقتها، أو تأتي بأولادها إلي شقتك.
لكن أخاه حذره من إنها لو جاءت إلى الشقة بأولادها ستستولي عليها.
وفي مرة ثانية قال لي إنه وجد الحل، سيعرض عليها أن تأتي إلى شقته بالنهار، وفي المساء تذهب لتبيت مع أولادها، لكنها عارضت هذا بشدة قائلة له: وهو ده يبقى جواز؟
وكنت أتمنى أن توافق المرأة على شرطه هذا، فبمرور الأيام سيأتي أولادها إليها، وسيعيشون مع أمهم في الشقة، لكنها رفضت وانتهت الزيجة.
جاء فتحي سلامة لمناقشتي في قصر ثقافة الأنفوشي، فركبت أنا ومديرة الثقافة في المقعد الخلفي، بينما جلست زوجة فتحي سلامة بجواره، فطلب حبشي فواز أن يجلس بجوارنا لنوصله إلى بيته القريب، لكن مديرة الثقافة، همست لي "ما تخليش الراجل ده يقعد جنبي"، وأخذت تعامله بسخرية وقسوة إلى أن وصل إلى بيته. وبعد أن نزل حكت لي بأن موظفة بالثقافة شكت من مطارداته لها بالتليفون، وأنه تحرش بفلانة الفلانية، وهي امرأة جميلة تكتب الأغنية والزجل؛ كانت تأتي إلى ندوة الاثنين بقصر ثقافة الحرية، لمقابلة الشاعر الراحل محمد مكيوي الذي يشرف على الندوة، كانت أصلا من الإسماعيلة وظروف الحرب رمتها على الإسكندرية لتعيش فيها، وأعجب حبشي فواز بها، وأعطاها نمرة تليفونه لتحدثه، والظاهر أنه فعل وهو يصافحها فعلا يعتبر تحرشا بها فشكت إلى مديرة الثقافة.
لم أكن امتلك تليفونا في بيتي، وكنت اعتمد على تليفون أخي الذي يسكن الشقة التي تعلو شقتي، ولأنني أعرف أن فواز يستظرف دائما مع من ترد عليه في التليفون، ويحدثها في أشياء سخيفة فلم أعطه نمرة تليفون أخي. وكنت أعتمد في اتصالاتي به على تليفون الشركة التي كنت أعمل بها، فاتصل بي بعد خروجه على المعاش بشهور قليلة، وقال لي "إنه رجّع شيئا أحمر، قد يكون دما، لو أنه يظنه بلح أحمر، فقد أكل بلحا أحمر قبل نومه."
ثم بلغني بعد عدة أيام أنه تم احتجازه بمستشفى المواساة، فذهبت إليه مساء، شكا لي من أخيه الصغير لأنه رفض أن يتبرع له بالدم، قلت له: قد تكون حالته لا تسمح له بهذا. فقال لي: لا دي مراته هي اللي مصلَّتاه، عايزاه ينام معاها كل ليلة.
وحكى لي كيف كان يدفع نصف مرتبه لعلاجه وهو طفل، بعد أن أصيب بمرض سيحوله لأبله، وقد عرضه على طبيب عالمي متخصص في هذا النوع من الأمراض، جاء زائرا إلى مصر.
قلت له: أنا مستعد أن أتبرع لك بالدم.
فدق الجرس حتى جاءته الممرضة، فقال لها: صديقي، يريد أن يتبرع لي بالدم.
فقالت الممرضة: ياريت ييجي بكرة بالنهار.
فقلت: لا أستطيع عندي شغل بكرة.
فقال لي : تعالي بعد أن تتبرع.
فأخذتني إلى بنك الدم بالمستشفي، كانت القطط تعبث بسلل المهملات فتقلبها، وعلب العصير التي يعطونها للمتبرعين بالدم في الصباح؛ ملقاة، شعرت بالخوف من أن أتلوث من هذه القذارة، لكنني لم أستطع التراجع، أخذت الممرضة الدم مني وهي غير راغبة.
عدت إليه فوجدته مجهزا لي طبقا فيه عنب كبير بالبذر.
خرج من المستشفى وقد شحب لونه، واتضح أنه يعاني دوالي في المريء بسبب مرض في الكبد. وأن أيامه في الدنيا معدودة، فسمحت أمه لي بأن أدخل حجرته الخاصة، فوجدته نائما على الأرض، وحوله الكتب والأوراق وأظرف الخطابات وعلب الأدوية، طلب مني أن أعينه في أن يوزع بعض الأغذية لوجه الله، فقد يشفيه من مرضه، ورغم مرضه الشديد أعطاني مجموعة من الكروت، وطلب مني أن أكتب على كل كرت أنواع الأشياء التي سيوزعها، (علبة مسلي السلطاني، وكيلو أرز وكيلو مكرونة وكيلو سكر) مجموعة يقترب ثمنها من الخمسة جنيهات، وفي الجانب الآخر اسم المستفيد، ظننته سيعطيني كل الكروت لأوزعها بمعرفتي، لكنه أعطاني وهو يبكي ثلاثة كروت، ولم يعط لأحد غيرهم.
وأضطررت أن أعطيه نمرة تليفون أخي، فاتصلت أمه وردت عليها زوجة أخي، قالت لها: هو في الشغل. فظنت أمه أنه تليفون الشركة التي أعمل بها وزميلتي – التي ردت عليها – تنكرني، فقالت لها: قوليله حبشي فواز مات وسيدفنونه في المنارة.
ذهبت مساء إلى المنارة، فلم أجد عزاء هناك، فذهبت إليهم في صباح اليوم التالي، قالت أمه: ما عملناش عزاء بالليل كانوا أخوته تعبانين من مرضه، ولكن نشرنا إعلانا في الأهرام تكلف كذا (وذكرت رقما كبيرا، لا أذكره الآن) وأخذني أخوه الذي رفض أن يتبرع له بالدم قائلا: أبقي تعالى خد الكتب دي علشان عايزين ننضفوا الشقة.
فقالت أمه: ما ينفعش دلوقتي، لسه فيه ستات بييجوا يعزوا.
ذهبت بعد عدة أيام، فوجدت دفاتر هيئة الفنون والآداب، أما الكتب فقد قالت لي عنها: أخوه إللي في أمريكا قال لي ماتفرطوش فيها.
ثم وجدتها تباع في شارع النبي دانيال لدى باعة الكتب القديمة. مصطفى نصر ـ الإسكندرية