أمين الإعلام بالحزب الحاكم يشبه التغيير في مصر كالثورة البلشفية الملحدة



القاهرة

التغيير الإيجابي المأمول

اتهم علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد، وأمين الإعلام بالحزب الوطني الديمقراطي وعضو هيئة مكتب أمانة الحزب المثقفين المصريين الذين تبنوا دعوة البحث عن ثقافة جديدة منذ أوائل القرن العشرين وحتى الآن بأنهم لم يحالفهم الحظ في تحقيق نجاح في تقديم ثقافة جديدة، وقال إنه سنة 1920 قال المثقفون لابد من البحث عن ثقافة جديدة، وعام 1952 طالبوا بالتغيير الثقافي وفي الستينات شددوا على أهمية بناء الشخصية والبحث عن ثقافة جديدة، وقال "الأجيال السابقة حظها من النجاح محدود جدا، إن ردة للقديم حدثت خلال الثلاثين عاما الأخيرة، حيث دخلت قيما جديدة على المجتمع لم تكون موجودة من قبل".

وألمح علي الدين هلال في إشارات مستترة غير مباشرة إلى أن التغيير ليس خيرا كله، وأنه يمكن أن يأتي بما لا تحمد عقباه، وتساءل في ندوة نظمها منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية في إطار الملتقى الثاني لبحث رؤى جيل الوسط حول المستقبل، بعنوان "مستقبل الثقافة في مصر.. رؤى جيل الوسط"، هل الجديد بالضرورة هو الأكثر استنارة ونفعا للناس؟ وقال إن الثقافة الجديدة والتغيير "ليس بالضرورة إيجابيا ومستنيرا وذا جدوى للناس، في عام 1917 حدث ما اسمها الثورة البلشيفية في روسا، أكبر دعوة للتغيير، قام هذا النظام بحرب منظمة ضد الأديان والقوميات واللغات وأصبح الإلحاد يدرس في المدارس، خلال سبعين عاما كانت هناك حرب منظمة ضد الأديان والقوميات واللغات القومية ثم انهار الاتحاد السوفيتي فعاد اليهودي يهودي والمسيحي مسيحي والمسلم مسلما".

وأضاف لقد اتخذت الثورة البلشيفية العديد من الإجراءات الأخرى التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر القرن العشرين وقال "لابد أن يعرف من يبحثون من جيل الوسط عن ثقافة جديدة درس التاريخ وما هي الجوانب التي تتغير والجوانب المستعصية على التغيير والجوانب المستحيلة التغيير".

وكان على الدين هلال قد بدأ محاضرته الافتتاحية للملتقى بتساؤلات حول مفهوم الجيل الوسط على المستوى السيسيولوجي والثقافي والنفسي والاجتماعي، والبحث عن التغيير والثقافة الجديدة، مؤكدا أن سؤال التغيير هو قضية كل الأجيال وليس جيل الوسط فحسب، وأنه لتحقيق تغيير وثقافة جديدة لابد من امتلاك مفاتيح لم يتم التوصل لها حتى الآن، وقال "هناك جوانب صعبة على التغيير، من المهم أن تعرف ماذا تريد لكن الأكثر أهمية كيف تحقق ما تريد؟ لم يخطئ العرب والمصريون عندما أرادوا ورغبوا في الديمقراطية والعدالة والحرية، والإخفاق دائما أننا لم نجد الأساليب والمفاتيح والآليات التي تمكننا من تحقيق هذه الأهداف".

وأضاف هلال "أن البحث عن ثقافة جديدة ليس معناه التخلص من القديم"، مشددا على وجوده، إلا أن التحديات التي تجابه كل جيل وإيجاد توافق بين القوى المؤثرة في المجتمع هما مفتاح التغيير، مشيرا إلى أن كيفية تحقيقه أهم من التساؤل حول المراد منه.

وعرض الباحث سامح فوزي نائب مدير منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية مدخلا حول تجديد الثقافة ينبع من رأس المال الاجتماعي الذي ينقسم إلى عدد من الأنواع، منها: البشري، والمادي، والثقافي، والديني، والاجتماعي، مضيفا أن رأس المال الاجتماعي هو مجموعة القيم الأساسية التي تحكم أي مجتمع.

ولفت إلى أن هناك مصادر لرأس المال الاجتماعي، إلا أن المشكلة في مصر تكمن في أن المصدر الرئيسي له هو الروابط التقليدية، وهو ما يظهر جليا في الانتخابات، حيث تسود القبلية فيها. وشدد على أهمية نهوض مؤسسات الدولة والمجتمع المدني كمصادر لرأس المال الاجتماعي وتقويتها، مركزا في هذا الإطار على تراجع دعاة تهميش دور الدولة في المجتمع، مثل العالم الأميركي فوكوياما، عمّا كانوا ينادون به، إذ أظهرت الأزمة المالية العالمية أهمية دور الدولة.

وأكد فوزي عدم وجود تعارض بين الدولة القوية والمجتمع المدني القوي، مشددا على ضرورة استعادة الثقة بين الجميع لإحداث التغيير الإيجابي المأمول.

وفي سياق متصل، قدمت دينا شحاتة للثقافة الجديدة من منظور الحركات الاجتماعية الجديدة التي ظهرت خلال العشر سنوات الماضية في مصر، والتي تمسى أحيانا بالحركات الاحتجاجية.

وقالت دينا إن تلك الحركات ظهرت على ثلاث مراحل، الأولى بدأت بتأسيس اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية والتي كان لجيل السبعينات دور رئيسي في إنشائها، مضيفة أن تلك المرحلة تميزت بتركيز الحركات على الشأن الخارجي. وظهرت المرحلة الثانية بقيام حركة كفاية التي تركّز نشاطها بشكل رئيسي على الداخل المصري.

في حين كان عام 2007 هو بداية المرحلة الثالثة التي مازالت مستمرة حتى الآن، والتي تتسم بظهور حركات احتجاجية تنادي بمطالب اقتصادية واجتماعية.

وألمحت إلى أن الحركات الاجتماعية الجديدة في مصر التي ظهرت خلال العشر سنوات الماضية يمكن تقسيمها إلى: سياسية، وفئوية تنادي بمطالب اقتصادية واجتماعية مثل إضرابات العمال.

وأضافت أن هناك سمات مشتركة لتلك الحركات، ومنها: أنها جميعا نشأت خارج إطار مؤسسات الدولة والمجتمع المدني على حد سواء، كما أن معظمها اعتمد على الفعل السياسي المباشر، إضافة إلى أنه كان هناك دور ملحوظ لجيل السبعينات في تأسيس تلك الحركات وتشجيع جيل من الشباب على الانخراط فيها وتولي المهمة.

وأشارت إلى أن ظهور تلك الحركات يعبر عن إعادة تسييس المجتمع المصري، ويدلل على فشل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في التعبير عن مصالح الفئات التي قادت تلك الحركات، إضافة إلى أن ظهورها أدى إلى نشر ثقافة الاحتجاج الجديدة في المجتمع.

وذهبت دينا إلى أن عدم تحقيق تلك الحركات للتغيير الذي توقعه عدد من المحللين راجع إلى عدة أسباب، منها: ضعف الحركات وتفتتها، ووجود تنافس أحيانا بينها وبين القوى التقليدية مثل الأحزاب السياسية، مما أضعف تأثيرها، إضافة إلى الانقسامات التي شهدتها بعض تلك الحركات، وعملها خارج إطار المؤسسات الأمر الذي حد من قدراتها.

وفي ذات السياق، عقدت الجلسة الثانية في اليوم الأول من ملتقى جيل الوسط تحت عنوان "أين نحن من التاريخ"، والتي تحدث فيها الدكتور حاتم الطحاوي والدكتور عماد أبو غازي والدكتور حسام عبد المعطي والدكتور خليل مرعي، كما قدمت الباحثة سوزان عابد مبادرة "ذاكرة مصر المعاصرة" الرقمية.

وقال الدكتور حاتم الطحاوي إن التاريخ ليس عملية إنشائية، وإنما فعاليات تحدث وتأخذ مكانها في الزمن، حيث يعيد كل جيل قراءتها. وأضاف أن مصر تزخر بالتجارب التاريخية، لافتا إلى أن المدرسة التاريخية المملوكية في مصر أثبتت تواصلها مع التراث التاريخي للحضارة العربية والإسلامية، إذ جاءت النقلة النوعية في كتابة التاريخ في العصر المملوكي. إلا أن حركة التأريخ لمصر في العصر العثماني لم تكن على نفس الوتيرة، وحدث فيها تراجعا كميا وكيفيا. في حين مثّل القرن العشرين مرحلة انتقالية من القديم إلى الحديث في الكتابة التاريخية.

وأشار الطحاوي إلى أن اتجاهات البحث التاريخي في مصر في القرن العشرين كانت انعكاسا للاتجاهات الفكرية آنذاك. وطالب طرح الإيديولوجيات جانبا عند إعادة قراءة التاريخ، مع الاهتمام بالتاريخ الثقافي والحضري.

وأوضح الدكتور حسام عبد المعطي أهمية الوثائق في التأريخ، قائلا إن الوثيقة هي كل مادة، أيّا كان شكلها، يصدرها أو يتلقاها شخص من القانون العام أو الخاص، وأن تكون لها قيمة تستدعي حفظها بشكل دائم. ونوّه إلى أن الوثائق هي في معظم الأحيان المصدر الرئيسي للمؤرخ، وهي لا تخلو من درجة من المصداقية.

ونادى عبد المعطي المؤرخين بعدم الاعتماد على مجموعة واحدة من مصادر الوثائق، إضافة إلى أهمية وجود منهج علمي واضح في التعامل معها. كما ندّد بصعوبة الوصول إلى الوثائق التي صدرت عقب قيام ثورة يوليو، مشيرا إلى أن المتاح منها في دار الكتب والوثائق القومية قليل للغاية، وهو ما يؤثر بالسلب على المدرسة التاريخية المصرية.

ونفى الدكتور عماد أبو غازي، من جانبه، ما يثار من أن المؤرخ يمكن أن يكون محايدا، قائلا إن كل المؤرخين منحازون، ومن يدعي غير ذلك يضلل جمهوره. ولفت إلى وجود مشكلة حقيقية في مناهج التاريخ في المدارس، إلى جانب غياب الرؤية تجاه الأهداف التي تقوم عليها أقسام التاريخ بالجامعات المصرية.

وعرضت سوزان عابد خلال الجلسة تجربة مشروع "ذاكرة مصر المعاصرة" على الإنترنت modernegypt.bibalex.org، والذي يوثق تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي منذ عام 1805 إلى نهاية عصر الرئيس السادات من خلال الصور والوثائق وأفلام الفيديو والصوتيات والإعلانات والصحف والعملات والطوابع وغيرها من المواد النادرة.

وألمحت عابد إلى أن الموقع الإلكتروني للذاكرة يقدم التاريخ للطلاب والمهتمين بشكل جديد تفاعلي غير مسبوق في مصر، كما أنه يخدم الباحثين الذين يسعون للإطلاع على المواد التاريخية التي تعينهم في أبحاثهم، بتوفيرها من خلال ضغطة زر. وأشارت إلى خطأ الاعتقاد القائل بأن الشباب لا يهتمون بقراءة التاريخ، حيث يقبلون بشكل كبير على شراء وقراءة مجلة "ذاكرة مصر المعاصرة" التي يصدرها القائمون على المشروع كل ثلاثة أشهر، وذلك بسبب طريقة تناول الموضوعات التاريخية بالمجلة.