'أمير الشعراء' يفرض نفسه على أجندة الفعاليات الثقافية الكبرى

كتب ـ أحمد فضل شبلول
لا تعذليه فإن العذل يولعه ** قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

يفاجئنا برنامج "أمير الشعراء" كل عام بفقرات جديدة وغير مسبوقة تشد جمهور المشاهدين وجمهور مسرح "شاطيء الراحة" بأبوظبي الذي تجري فيه وقائع البرنامج الشعري الشهير الذي ينتظره المشاهدون من عام إلى عام، وإن كانت الاستراتيجية الجديدة لـ "أمير الشعراء" وتوأمه "شاعر المليون" هو التناوب السنوي بينهما.

ومن جديد "أمير الشعراء" هذا العام فقرة المجاراة التي تستضيف فيها أكاديمية الشعر بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث ـ الساهرة على تنفيذ خطة استراتيجية ثقافية كبرى تضع العاصمة الإماراتية في مصاف المدن الثقافية عالميا ـ شاعرين من نجوم الدورات الماضية للمسابقتين: "أمير الشعراء" و"شاعر المليون"، ليواجها بعضهما بالشعر الفصيح والنبطي، ويتباريا في الإلقاء والإنشاد على موضوع يتفقان عليه، ويجلسا معا قبل الظهور على المسرح لأداء تلك الفقرة الشعرية خفيفة الظل.

ومن جديد الدورة الرابعة أن تم الاستغناء عن الفقرة الغنائية التي حفلت بها الدورات السابقة كنوع من الترفيه للجمهور، وكنت أرى أن هذه الفقرة الغنائية لا لزوم لها، فما أكثر القنوات التلفزيونية التي تقدم عشرات الفقرات الغنائية يوميا.

وكنت اقترحت في مقال سابق أن تُختار قصيدة من قصائد الفائزين الخمسة، ولتكن في البداية لحامل لقب "أمير الشعراء" لتلحن وتغنى في الموسم التالي، فينتشر شعره أكثر بين الناس، ويحفظونه ويرددون اسمه دائما، فلولا غناء أم كلثوم لأطلال إبراهيم ناجي، لما عرف المستمعون اسمه، حتى نزار قباني لو لم يغن قصائده عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة وأم كلثوم وفايزة أحمد ومؤخرا كاظم الساهر، لما انتشر اسمه كانتشار النار في الهشيم، وأصبح متداولا في كل بيت عربي، وأعتقد أن أحمد شوقي استفاد من صوت وألحان محمد عبدالوهاب على الرغم مما يقال إن عبدالوهاب صناعة شوقية، وأن أم كلثوم لو لم تتغن بنهج البردة وسلوا قلبي لأخذ اسم شوقي في الخفوت تدريجيا.

لذا مازلت أحلم بتنفيذ هذا الاقتراح، خاصة أننا نلاحظ الآن تراجع غير مسبوق على مستوى غناء القصيدة الفصحى، ولم يعد قادرا على غنائها سوى أسماء معينة من أمثال: كاظم الساهر وماجدة الرومي وآمال ماهر وعلي الحجار، وقليلون غيرهم على امتداد الوطن العربي.

وإذا كانت أكاديمية الشعر بهيئة أبوظبي للثقافة التراث قد أضافت فقرة المجاراة بين الفصيح والنبطي هذا العام، فإني اقترح على الأستاذ سلطان العميمي مدير الإكاديمية إضافة فقرة شعرية في برنامج الدورة القادمة لشعرائنا القدامى.

إنني لاحظت من خلال تعليق وتحليل نجوم لجنة التحكيم: د. صلاح فضل ود. علي بن تميم، ود. عبدالملك مرتاض، أنهم يرددون بكثرة أسماء المتنبي والبحتري وأبوتمام وأبوفراس الحمداني وابن زيدون وغيرهم، وفي الحلقة الأخيرة على وجه التحديد ذكر ابن زريق البغدادي ومطلع قصيدته الشهير: "لا تعذليه فإن العذل يولعه ** قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه"، إلى جانب أسماء أخرى حديثة مثل محمود درويش ونزار قباني، وقد يكون المشاهدون من الشباب خاصة ليسوا على اطلاع واسع على نتاج هؤلاء الشعراء خاصة القدامى، ورُبَّ إضافة فقرة شعرية جديدة تلقى فيها أبيات أو مقاطع لهؤلاء الآباء والأجداد من الشعراء العرب، يكون حافزا للتذكير بهم وبشعرهم والنهل منه، خاصة إذا ألقى هذه الأبيات فنان قدير، أو ممثل يجيد الإلقاء المسرحي للشعر.

لم تزل ترن في أذني حتى الآن أبيات من "بُردة البوصيري" بصوت الفنانين فاتن حمامة ومحمود ياسين، وعبدالوارث عسر ومحمد الطوخي وفردوس عبدالحميد وأحمد ماهر وغيرهم (على ما أتذكر)، عندما ألقوها كاملة (160 بيتا) في كرمة ابن هانئ (منزل أمير الشعراء أحمد شوقي بالقاهرة) وفي السرادق المقام بساحة مسجد المرسي أبوالعباس في الإسكندرية، وكان ذلك في أيام من سبعينيات القرن الماضي.

إنني اتخيل أن يخرج من وسط الديكور الأندلسي الرائع لدورة أمير الشعراء هذا العام، الشاعر ابن زيدون بصوت فنان متميز قادر على الإحساس بالكلمة الشعرية. ولماذا لا نجرب النجم المتألق الفنان باسم ياخور ـ الذي اصطفته الهيئة لنفسها هذا العام، فكان إضافة جيدة للبرنامج ـ في إلقاء الشعر، خاصة أنه يجيد اللغة العربية وقد شاهدناه في بعض المسلسلات التاريخية يتحدث جيدا بها.

وعلى الرغم من أن البرنامج قد خفَّض عدد المحكمين إلى ثلاثة محكمين بدلا من خمسة في الدورات السابقة، إلا أنني لاحظت زيادة الجرعة النقدية وتبسيطها عما قبل. فكل ناقد من النقاد الثلاثة أصبح لديه متسع من الوقت ليقول ما يريد قوله حول قصائد المتسابقين في كل حلقة، بما يوضح فكرته ويؤيد وجهة نظره، ويلامس رؤيته الجمالية للنص الذي يتحدث عنه ويحاوره، وفي هذا فائدة جمة للمشاهد والشاعر معا.

إن "أمير الشعراء" أصبح حقيقة ثقافية عربية واقعة فرضت نفسها على أجندة الفعاليات الثقافية الكبرى في الوطن العربي، وأصبح هاجسا شعريا جميلا لمعظم الشعراء الشباب (تحت سن 45) الذين يتحدثون العربية سواء داخل الوطن العربي أم خارجه.