أميركا و شيعة العراق إلى أين؟

بقلم: علي ال غراش

هل انتهت أيام العسل في العلاقة بين شيعة العراق وأميركا، وهل تحطمت أحلام أميركا بالاعتماد على الشيعة في بناء عراق جديد حسب المواصفات الأميركية، وهل شيعة العراق ليسوا بحاجة لأميركا بعد سقوط نظام صدام، أم إن العلاقة بينهما (..) لم تقم في الأساس على الثقة المتبادلة؟
العراق يتكون من عدة قوميات وطوائف متعايشة، وقد برزت الحالة الطائفية في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وقيام نظام جديد يعتمد على المحاصصة الطائفية والعرقية، ومن تلك الطوائف التي برزت بشكل ملفت "الشيعة" شيعة العراق الذين يمثلون الأكثرية في العراق، ويتكونون من قوميات متعددة: عرب وأكراد وتركمان وغيرها، ولهم توجهات مختلفة: إسلامية وليبرالية وعلمانية، ويتواجدون في جميع مناطق العراق وبالخصوص في الوسط والجنوب بكثافة.
وعندما تحركت أميركا لإسقاط نظام بغداد السابق اعتمدت بشكل رئيسي على الأحزاب الشيعية العلمانية والإسلامية، وكذلك الكردية بالإضافة إلى الحركات السنية... مستغلة حالة الضعف والظلم الذي يتعرض له شيعة العراق على يدي أزلام النظام الصدامي، وتنامي الكراهية والعداء لدى أبناء الطائفة ضد النظام.
جميع الدلائل حاليا تشير بان أميركا بدأت بتطبيق مرحلة سياسية جديدة في العراق وبالخصوص مع الشيعة، نتيجة الانتكاسات المتتالية التي تعرضت لها سياستها منذ الإطاحة بنظام صدام واحتلال العراق بشكل رسمي، وان أميركا نفذ صبرها وفقدت الأمل في شيعة العراق للاعتماد عليهم في بناء عراق حديث بحسب المزاج والمواصفات الأميركية، وان هناك تهديد من قبل أميركا للساسة العراقيين الشيعة بأنه إذا لم تستطع الحكومة العراقية بقيادة الرئيس نوري المالكي بتحقيق الأجندة الأميركية، وتحقيق انجازات على الأرض على المستوى الأمني، وإيقاف التيارات والمليشيات العسكرية، وبالذات المعارضة للوجود الأميركي..، فأنها ستلجأ للاعتماد على غيرهم في العراق... لأجل تحقيق مكاسب لصالح الإدارة الأميركية!
ولا يخفى على من يتابع الساحة العراقية إن هناك إلحاح ومطالبات وإغراءات بل وضغوط من قبل دول خارجية وإقليمية ـ وخاصة من الدول العربية المؤثرة الحليفة ـ على أميركا منذ سنوات بضرورة تغيير سياستها في العراق بما يخدم أنظمتها ويحافظ على القوة المذهبية السائدة في المنطقة بدون تغيير، والتقليل من الاعتماد على الشخصيات الشيعية في المواقع الحساسة في الحكومة العراقية، فهي لا تحبذ أن تتعامل مع شخصيات شيعية (فهناك حكومات عربية صرحت بان لديها تحفظ في استقبال والتعاطي مع القيادة العراقية لأنها شيعية)، بالإضافة إلى طلب إيقاف العلاقات بين التيارات الشيعية العراقية وإيران التي توسع نفوذها كثيرا..، على أن تقوم هذه الدول العربية بدعم الخطط الأميركية في العراق وفتح سفاراتها، والتدخل لإيقاف الهجمات من قبل القوى السنية المتطرفة والتكفيرية، وتشجيع سنة العراق بالدخول في العملية السياسية بفعالية، والانفتاح على الحكومة العراقية.
وقد شاهدنا في الفترة الأخيرة أن أميركا وبسبب الفشل الذريع لبرنامجها في العراق، وتنامي حالة الرفض الشعبي الأميركي والعالمي لوجودها بالعراق، أخذت بالنصيحة العربية (..) وتوجهت بقوة إلى أحضان هذه الدول الحليفة التي وافقت بدورها على فتح سفاراتها والانفتاح على العراق... بعد التطمينات الأميركية.
وما تقوم به أميركا من استقطاب لسنة العراق باسم رجال الصحوة وربط هؤلاء بالقوات الأميركية مباشرة ليكونوا ورقة لديها وليس بيد الحكومة، ومراجعة قانون اجتثاث البعث، ومؤتمرات المصالحة، وكذلك ضرب الحركات والمليشيات الشيعية المسلحة في البصرة وبغداد، وبقية المدن ومنها العمارة إلا ضمن ذلك التوجه.
أميركا تملك أوراق كثيرة، وربما تملك القدرة على قلب الأوراق في العراق في أي لحظة، ولو على حساب مصلحة العراق والعراقيين، أميركا لها حساباتها فهي لن تقبل بوجود من تصنفهم بالأعداء في العراق كقوة متنامية بحيث يمثلون خطرا عليها وعلى سياستها، ولن تقبل بوجود معارضة مسلحة لوجودها، ولن تقبل بفشل إقرار الاتفاقية الأمنية بينها وبين العراق.

هل شيعة العراق يدركون مدى التغيير في السياسة الأميركية التي تبحث عن مصالحها فقط، لا يهمها مصلحة العراق والمواطن العراقي ولا تفرق بين عربي أو كردي أو تركماني، مسلم أو غير مسلم، شيعي أو سني، ديني أو علماني، وهل لديهم "شيعة العراق" القدرة في التعاطي بسياسة الأمر الواقع، وان السياسة في نهاية الأمر مصالح وفرص!؟
وفي الأخير تبقى الورقة الأقوى على التأثير في الساحة العراقية بعد نجاح الحملات الأمنية الأخيرة وبسط الأمن والامان بيد العراقيين أنفسهم، من جميع الطوائف والتيارات وبالخصوص الشيعة، وذلك من خلال وحدتهم واتفاقهم على ممارسة الديمقراطية الحقيقية، وعبر الشراكة والمشاركة العادلة، والاهتمام بالمواطن العراقي مهما كان عرقه ودينه ومذهبه وفكره... لكي يصبح العراق نموذجا ايجابيا في المنطقة.. هل سيتحقق ذلك .. القرار بيد العراقيين؟ علي ال غراش