أميركا.. وايران المنتصرة!

المُغَلّف الذي نقله خافيير سولانا مقرر السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي لايران، تضمن حوافز وتهديدا لايران بشأن برنامجها النووي، لكن أهم ما فيه أنه شكل انعطافة كبيرة في الموقف الأميركي إزاء هذا البرنامج الذي تعاطته ايران حتى الآن بعقليتها المعروفة "عقلية البازار" ، وبالصبر والتأني اللذين يتصف به عموم الايرانيين، ولم تتخذ فيه أية قرارات فردية، رغم معارضة بعض الأقطاب النافذين في النظام، لطريقة أداء الحكومة.
سولانا الذي كرر مرارا قبل توجهه الى طهران أنه سيعرض فقط ما في المُغَلّف، ولن يجري محادثات مع المسؤولين، التقى وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي، وأمين عام المجلس الأعلى للامن القومي علي لاريجاني. ووصف المسؤولان محادثاتهما مع المبعوث الدولي بالايجابية وبانها يمكن أن تفتح أفقا جديدا في علاقات ايران مع الغرب لحل أزمة الملف النووي الايراني.
المُغَلّف، وهو في الأساس مشروع تقدمت به فرنسا وبريطانيا والمانيا خلال اجتماع فينا الخميس الماضي الموسوم باجتماع 5+1 أي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا، انطوى على حوافز تجارية مهمة انضمت لها الولايات المتحدة بعرضها رفع بعض العقوبات المفروضة على ايران ما يتعلق منها بشكل أساس بتصدير الطائرات المدنية من أوروبا ومنها، وهذه النقطة بالذات تدغدغ مشاعر الايرانيين الذين يواجهون باستمرار كوارث سقوط طائراتها المدنية.
وربما تريد واشنطن من تقسيط رفع العقوبات التي فرضتها على ايران، ايجاد انقسام داخل القيادة الايرانية، وبينها وبين الشعب الذي يحن الى رؤية مكاسب الثورة الاسلامية، على الصعيد الاقتصادي، إذ دعا رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام اكبر هاشمي رفسنجاني، في احتفال جماهيري في ضريح الامام الخميني لمناسبة ذكرى رحيله، الى اتباع ايران دبلوماسية قوية وأن تستفيد من خطاب سياسي مقبول في العالم، وهو ما فسره معارضوه بأنه يندرج في خانة ما تريده واشنطن من بث الخلافات في القيادة الايرانية.
وليس أدل على ذلك الضجة التي أثيرت أثناء خطاب آخر لرفسنجاني ألقاه في ضريح السيدة معصومة بقم، والشعارات التي رددها اولئك المعارضون ضده.
رفسنجاني لم يكن وحده من الايرانيين ينادي بخطاب عقلاني للحكومة الايرانية ، لأن محمد جواد لاريجاني المستشار الأسبق للامن القومي الايراني - وهو من اخترع هذا المنصب قبل أن يصبح (المنصب) أمانة عامة في رئاسة الجمهورية - كتب مقالا جديدا، ضمنه رأيا جديدا عن السياسة الخارجية الايرانية، واقترح اجراء حوار مباشر بل وتعاون من نوع فريد بين ايران وخصمها اللدود: الولايات المتحدة.
لاريجاني وهو مقرب تماما من التيار المحافظ الحاكم في ايران، وشقيق للأمين العام الحالي للأمن القومي علي لاريجاني، دعا الى تعاون جدي بين ايران وبريطانيا والولايات المتحدة للخروج من الأزمة الحادة التي تمر بها علاقة ايران مع الغرب.
الذين يعرفون لاريجاني لا يشكون للحظة أن مقاله الجديد يعكس ما يجري من نقاش سياسي داخل حكومة الرئيس محمود احمدي نجاد، وبيت الولي الفقيه آية الله علي خامنئي، خصوصا أن المقال نشر على موقع "عارف نيوز" الذي يُصنف بأنه لسان حال الأوساط الأمنية والعسكرية.
واذا لم يكن المقال قد حظي بتأييد هذه الأوساط، فان مجرد نشره، يعني أن هذه الأوساط لا تعارض ما جاء فيه، مع ملاحظة أن هذا الموقع لا ينشر على الاطلاق مقالات الاصلاحيين الذين يكررون على الدوام الدعوة الى فتح حوار مباشر بين طهران وواشنطن.
اعتمد لاريجاني ليطرح مشروع "التعامل مع ايران المنتصرة" ، على ما وصفه بايران المنتصرة في صراع الملف النووي مع الغرب، وأيضا على قصة ارسال الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان مستشاره للأمن القومي روبرت مكفارلين، الى طهران بعد عمليات تحرير الفاو في البصرة، وقال إنه كان بالامكان استثمار تلك المبادرة "السرية" لتطبيع العلاقات وحل الخلافات المزمنة، لو لا اندساس اثنين من "الموساد" الاسرائيلي ضمن الوفد من دون علم ريغان، ليتم احباط المبادرة التي عرفت فيما بعد بـ"ايران غيت" أو " ايران كونترا"...أي مقايضة رهائن غربيين بسلاح!
وهذه هي المرة الأولى التي يعترف بها مسؤول ايراني "سابق" بدخول اسرائيل على خط تلك المبادرة، رغم أن لاريجاني حاول التخفيف من صدمة تلك الخطوة بقوله "إن ايران المنتصرة أجبرت واشنطن ذلك الوقت على التعامل مع طهران"، ليدعو الادارة الأميركية الحالية الى التعامل بواقعية مع ايران...المنتصرة هذه الأيام!
تضمن اقتراح لاريجاني خمس نقاط رئيسة أهمها اشارته الذكية الى رسالة الرئيس محمود أحمدي نجاد ٍٍالأخيرة الى الرئيس الأميركي جورج بوش وأنها جرت بشكل علني بينما كانت مبادرة ريغان سرية ما يفتح الطريق الى اجراء حوار مباشر بين طهران وواشنطن.
دعا لاريجاني الى أن تكون معاهدة الحد من الانتشار النوويNPT اساسا لعلاقات تعاون ايجابية بين ايران والغرب خصوصا الولايات المتحدة، تفضي الى شراكة بينهما، وان يصادق البرلمان الايراني على البروتوكول الاضافي بمجرد اعلان الادارة الأميركية موافقتها على حق ايران في امتلاك التكنولوجيا النووية بحسب مقررات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وطاب لاريجاني الادارة ألأميركية الى تحويل التضاد بينهما في المنطقة الى تعاون اقليمي فعال وايجابي لتعزيز الأمن والسلام، وأن تتخلى واشنطن عن نظرية " قيادة العالم" لأنها غير عملية وأن لا تعتبر ايران تهديدا جديا للسلام العالمي.
واستفاد لاريجاني كثيرا من الورطة الأميركية في العراق وأفغانستان، ودور ايران الايجابي في الملفين، ليعلن استعداد ايران على التعاون من أجل تحويل منطقة الخليج واحة للأمن والسلام ومصدرا هادئا للطاقة بعيدا عن التواجد العسكري الاجنبي..
ونصح لاريجاني كلا من السياسة الأميركية والبريطانية، بالاتعاظ من تجربة "توليد" أبناء غير شرعيين وخطرين، في المنطقة مثل حزب البعث على حد تعبيره.
واخيرا لم يتجاهل لاريجاني اسرائيل وحث واشنطن على تعامل اكثر واقعية مع المستجدات، وحل القضية الفلسطينية عبر التعايش بين جميع ساكني فلسطين. نجاح محمد علي - دبي