أميركا والإرهابيون .. من قصم ظهر من؟

بقلم: ياسر خليل

هل ما أعلنه الدكتور ايمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في شريطه الأخير، من أن المقاتلين في العراق "قصموا ظهر الجيش الأميركي" صحيح؟ ربما يسارع بعضنا بالإجابة بـ نعم أو لا، ولكن هل هناك إجابة أخري أكثر دقة؟ ربما، أرجو أن نفكر معا، ما هي؟
قبل أيام من إذاعة شريط الظواهري، قابلت في القاهرة، فضيل الأمين الخبير في شئون السياسة والإعلام الأميركي، والذي يعمل في مجال الإعلام والتحليل السياسي في الولايات المتحدة منذ 20 عاما، ويشارك بالكتابة في مجلة "ترانس أتلانتك" السياسية الشهرية الصادرة عن جامعة "جونز هوبكنس" قسم الدراسات الدولية المتقدمة، وقد جاء إلى مصر مدعوا للمشاركة في "الملتقى الإعلامي الثالث".
وعلى مدار 6 أيام تقابلنا خلالها، تحاورت مع الأمين حول السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق، واخبرني بأمر يثير الانتباه والتفكير. قال أن الأميركيين شنوا حرب العراق وقد اتخذوا قرارا بتغيير الصورة التي اكتسبوها نتيجة انسحابهم من حرب فيتنام.
وأكد الإعلامي الأميركي ذو الجذور العربية أنهم (الأميركيون) مصرون على أن يؤكدوا قدرتهم على تحمل الخسائر البشرية والمادية للحرب الى أن تتحقق أهدافهم، موضحا أن تغيير تلك الصورة سيعطي قوة ردع إضافية لهم.
وأضاف الأمين أن الهدف الثاني هو جعل العراق منطقة جذب للإرهابيين، وبذلك يتحقق هدفان، أولهما أن تبتعد بؤرة المعركة الى منطقة بعيدة عن أميركا، وثانيهما أن يتم تجميع الإرهابيين من شتى أنحاء العالم في مكان واحد تمهيدا للقضاء عليهم فيه.
وخلال الأيام القليلة الماضية صدر التقرير السنوي لوزارة الخارجية عن الإرهاب في العالم، وأكد التقرير أن العراق تحول الى منطقة جذب وملاذ للإرهابيين الأجانب، وهو ما يعني أن هدفا من أهداف الولايات المتحدة يتحقق.
بمعنى آخر فان الولايات المتحدة لم تقع في "مستنقع العراق" كما يتصور البعض، ولكنها مدركة لما تفعل ومصرة عليه، ولن يتكرر ما حدث في فيتنام، فتنسحب بعد ارتفاع عدد خسائرها البشرية، وفقا لتقديراته.
من هذا المنظور فان أميركا لم ينقصم ظهرها، هذا من ناحية، ومن جهة أخرى فان انقصام الظهر يعني الشلل التام عن الحركة، وهو ما لا ينطبق على حالة الولايات المتحدة، فهي لازالت قوية، ولازالت قوتها العسكرية واقتصادها هما الأوليان على مستوى العالم، وقد طورت واشنطن مؤخرا استراتيجية جديدة لمواجهة الإرهاب بصورة تتناسب مع طبيعته.
ولا شك في أن الإرهابيين أيضا لم ينقصم ظهرهم، بل ازدادوا قوة وضراوة، واكتسبوا مزيدا من المؤيدين والأتباع والحلفاء، وبدءوا يكيفون أنفسهم مع الأوضاع الجديدة التي فرضتها الحرب الدولية على الإرهاب.
أظن أننا من هنا يمكن أن نرى الإجابة الثالثة أكثر وضوحا، وهي أن المباراة لم تنته بعد، ولم ينقصم ظهر أميركا، وان لديها ما تخفيه، ويبدوا أنها تمسك جيدا بالكرة، رغم أن المشهد يبدوا لنا على عكس ذلك.
ولكن تبقى أسئلة مهمة: هل لازالت أميركا تطارد نفس العدد من الإرهابيين الذين كانت تطاردهم بعد هجمات 11 سبتمبر 2001؟ أم أن أعضاء جدد دخلوا الى ساحة المعركة؟ وهل ينضم هؤلاء الأعضاء الى الجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة -العدو الرئيسي للولايات المتحدة في هذه الحرب- بصورة تمكن من تتبعهم؟ أم أن الأمر أصبح أكثر تعقيدا بعد تفتت تلك الشبكات الى خلايا كامنة في أكثر من 60 دولة؟ وهل يمكن تتبع ضمائر الناس الذين ينون شن عمليات إرهابية بشكل فردي أو من خلال تنظيمات صغيرة دون أن يكون لهم سجل امني؟ وأخيرا الى أي مدى يمكن لأميركا والعالم أن يرصد ويتعامل مع تهديد تتلاشي ملامحه يوما بعد يوم ويعظم خطره؟ ياسر خليل
باحث وصحافي مصري Yasserof2003@yahoo.com