أميركا- هل ما زال يباركها الرب؟

بقلم: معقل زهور عدي

مسكينة هي الولايات المتحدة الأميركية، فعلت المستحيل لتصنع لنفسها هيبة وسطوة أعظم وأغنى دولة عرفها التاريخ، وبنت أحلامها ليكون القرن الحادي والعشرون قرنا أميركيا يلبس الجينز ويأكل الهامبرغر ويشرب الكوكاكولا، لكن وكما يقول بيت الشعر العربي : تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، والرياح التي أتت هذه المرة لم تكن السفن وحدها متضررة منها، لكن ولاية نيو اورليانز بكاملها.
سوء الطالع لم يبدأ مع رياح كاترينا المدمرة بل قبلها بأربع سنوات، في ذلك الصباح المشرق من يوم 11/9/2001 عرفت أميركا أقسى لطمة وجهت اليها منذ تأسيسها قبل حوالي مئتي عام، والمسألة هنا لاتتعلق بعدد القتلى الذين لم يتجاوزوا 3000 قتيل، ولا بالخسائر الاقتصادية والمالية، ولكن بالدلالة الكامنة خلف تدمير أهم رمز للعظمة والرفاهية الأميركية في قلب واشنطن D.C..
منذ تلك اللحظة المشؤومة بدا وكأن القدر بدأ يدير ظهره للولايات المتحدة، لكن أميركا المجروحة لم تصدق أن القدر يمكن أن يتخلى عنها ذات يوم، ولأن الانتصار السهل في أفغانستان لم يكن كافيا لاستعادة الهيبة وإرضاء غريزة الانتقام، فقد اقتضى الأمر احتلال العراق بعد إشباعه تدميرا.
لم تكد أميركا تفيق من سكرة الانتصار العسكري حتى وجدت نفسها غارقة في حرب عصابات من نوع جديد، حرب لانهاية لها، سوى أنها تفقدها كل يوم جزءا من هيبتها العسكرية والسياسية، ومع اقتراب ذكرى الحادي عشر من أيلول هبت رياح كاترينا لتكشف ما خفي من صورة أميركا القوة الأعظم في العالم.
عشرات الألوف من القتلى الذين تركوا يواجهون مصيرهم البائس لعدة أيام قبل أن تتحرك الحكومة الاتحادية لإنقاذ من تبقى.
تحدث الكوارث الطبيعية في كل مكان، لكن اجراءات الوقاية والانذار، وسرعة وكفاءة أنظمة الدفاع المدني، ونوعية رد فعل الحكومة، تؤشر للتقدم العام المنجز، ولمدى تكافل المجتمع، والعلاقة بينه وبين الدولة، وبصورة خاصة لمدى حساسية مؤسسات الدولة وإدارة الحكم لمشاعر المجتمع المدني.
أظهرت كارثة الإعصار كاترينا وجود شروخ عميقة في المجتمع الأميركي فالتقصير الحاصل لايمكن رده لتخلف الدولة كما هو الحال في افريقيا وشرق آسيا، والكارثة المتمثلة في عظم الخسائر البشرية كان يمكن تفادي نسبة كبيرة منها. الأقلية البيضاء تمكنت بطريقتها الخاصة من المغادرة في الوقت المناسب، بينما تركت الأكثرية السوداء –الفقيرة تواجه مصيرها المرعب.
كشفت الكارثة مدى تأثير حرب العراق في الوضع الداخلي للولايات المتحدة، بعدما تبين أن أحد الأسباب الرئيسية للعجز في سرعة الاستجابة لمتطلبات الكارثة يكمن في وجود 40 بالمئة من القوات المسلحة لولاية نيو اورليانز في العراق، وذلك يعني أيضا أن الجهد العسكري الموظف في العراق لايتم توزيعه بطريقة عادلة على جميع الولايات باستغلال بقايا مشاعر التمييز العنصري والفقر لجعل بعض الولايات تدفع مضاعفا نيابة عن الولايات الأخرى ثمن المغامرة العسكرية في العراق. كما تبين أن النقص الفادح في عدد الطائرات المروحية المعول عليها في عمليات الانقاذ يعود الى وجودها في العراق.
في المحصلة يمكن القول أن نسبة كبيرة من اولئك المساكين الذين لقوا حتفهم بطريقة مشابهة لما يحصل في أكثر دول العالم فقرا وتخلفا في افريقيا وشرق آسيا من جراء الكوارث الطبيعية، هؤلاء لم يقتلهم الاعصار كاترينا بقدر ما قتلتهم عوامل التفرقة العنصرية والتمييز الطبقي والمغامرات العسكرية للطغمة اليمينية المسيطرة في البيت الأبيض والبنتاغون، وأخيرا عجزهم كمجتمع عن الكفاح لازالة الاستغلال والظلم الواقع عليهم، والاستسلام لأفيون الدعاية الرأسمالية حول الحلم ونمط الحياة الأميركي، وتهديد الارهاب الذي تم تهويله الى أقصى حد.
هل تشكل تلك الكارثة بداية لوعي الطبقات والفئات المستغلة والمهمشة في المجتمع الأميركي لحقيقة وضعها وضرورة مواجهته، أم يحتاج الأمر الى عواصف أخرى بعد أن احتجبت بركة الرب عن أميركا، وتحولت الى دولة تقبل الصدقات والمساعدات حتى من فييتنام. معقل زهور عدي