أميركا محبطة من طبيعة الحكم على مهاجمي سفارتها بتونس

هل تتوقف واشنطن عن فرزها بين الإسلامين؟

تونس - اعربت السفارة الاميركية بتونس الاربعاء عن "قلقها العميق" غداة صدور احكام بالسجن سنتين مع تأجيل النفاذ بحق 20 تونسيا شاركوا في هجوم نفذه اسلاميون على مقر السفارة في 14 ايلول/سبتمبر 2012.

وأصدر القضاء التونسي الثلاثاء في محاكمة قصيرة أحكاما بالسجن سنتين مع تعليق التنفيذ بحق عشرين شخصا ملاحقين لدورهم في هجوم شنه مسلحون يعتقد انهم اسلاميون على السفارة الاميركية بتونس في ايلول/سبتمبر 2012.

وقالت السفارة في بيان صحفي"نشعر بقلق عميق من الاحكام (بالسجن) مع تأجيل التنفيذ"، معتبرة انها لا "تتطابق على نحو ملائم مع جسامة وخطورة الخسائر والعنف اللذين حصلا يوم 14 ايلول/سبتمبر 2012".

وهذا واحد من البيانات النادرة التي صدرت عن سفارة الولايات المتحدة الاميركية بشأن الوضع السياسي في تونس بعد رحيل نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وبشأن محاكمة المتشددين السلفيين الذين أصبح وجودهم يشكل تهديدا مباشرا للوضع الامني في البلد الشمال إفريقي الذي تريده واشنطن، أن يكون نموذجا لتجربة ما تقول انه تعايش بين الإسلام السياسي والديمقراطية.

ويقول مراقبون إن الموقف الذي عبرت عنه السفارة الأميركية من تهافت المحاكمة وشكليتها، سيكون له ما بعده، وإن حقيقة القلق الأميركي تتجاوز مجرد محاكمة قضائية إلى الانشغال حول مستقبل بلد يضيع من مجتمعه المدني التعددي والحداثي في اتجاه الانغلاق والتشدد والفوضى.

ويضيف هؤلاء أن قلق السفارة الأميركية في تونس سيكون له ما بعده في واشنطن، بعد بروز قوى تفكير سياسي اميركي تدعو لمراجعة الاستراتيجية الأميركية التي ميزت موقف واشنطن من "الربيع العربي".

وتبنت واشنطن سياسة مغايرة تماما لحربها على الإرهاب طيلة العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين. وسعت بكل قوة وعبر حليفها القطري إلى دعم وصول "إسلاميين معتدلين" إلى السلطة خلفا للأنظمة التي اسقطتها الاحتجاجات الاجتماعية تحت عنوان "عزل الإرهابيين بإثبات أن الإسلام والديمقراطية لا يتعارضان، وإضعاف حجة المتشددين الذين لا يؤمنون بغير العنف سبيلا للسيطرة وإكراه الدول والمجتمعات على افكارهم المتشددة".

وقد تكون هذه المحاكمة التي لا تكشف كل شيء عن الأخطار التي باتت تحدق بعدد من الدول العربية، الناقوس الذي سينذر الأميركيين بالخطر ويفيقهم من سكرة الاعتقاد أن من الإسلاميين منبمقدورهم أن يؤمنوا بالديمقراطية يوما، في انتظار اللحاق بما يمكن اللحاق به وتصحيح الموقف قبل فوات الأوان كما يقول بعض المحللين.

وقال مراقبون في تونس إن الحكم القضائي على العدد الكبير من المتشددين، صدر في وقت قصير جدا بعد محاكمة استمرت نصف يوم، بينما كانت بعض التهم تستحق عقوبة قد تصل الى الاعدام.

واقتصرت الجلسة التي دامت اربع ساعات ونيف على تصريحات الادعاء والمحامين ونفي المتهمين ولم يطلب اي طرف عرض القرائن التي جمعت خلال التحقيق اثناء المحاكمة.

ولم يكشف عن مبررات قرار القاضي إعلان نتيجة حكمه على الفور اذ ان النطق بالأحكام في تونس لا يصدر خلال الجلسة بل يعطى الى كتابة المحكمة حيث بامكان الدفاع ان يطلع عليها.

وما زال حوالي خمسين مهاجما مفترضا اخرين ينتظرون محاكمتهم في الملف نفسه.

واعلنت حكومة النهضة في تونس ان سيف الله بن حسين المكنى بـ"ابو عياض" وهو من الافغان العرب المنتمين الى القاعدة، وزعيم حركة انصار الشريعة السلفية التونسية، هو من دبر تلك المواجهات.

ولم يحاكم اي من كبار قيادي تلك الحركة في هذه القضية بينما ابو عياض هارب من وجه القضاء منذ ثمانية اشهر.

وتواجه تونس منذ ثورة 2011 تنامي الحركة السلفية التي ارتكب انصارها عدة هجمات على الشرطة والتظاهرات الثقافية.

ويتهم سياسيون معارضون وناشطون في المجتمع المدني حكومة العريض بأنها تتعامل بخطاب وموقف مزدوجين مع المجموعات المتشددة التي لم تتورع عن إعلان ولائها لتنظيم القاعدة وإعلان الحرب على الدولة التونسية مقابل ردود فعل باهتة من الحكومة.

ويقول هؤلاء إنهم لا يستطيعون الوثوق بالحزب الإسلامي الحاكم الذي يقدم في الظاهر جملة من التنازلات الشكلية لتسويق نفسه للعالم ولواشنطن بصفة خاصة، على أساس أنه يؤمن حقا بالديمقراطية، بينما تقف قياداته السلفية المتشددة خلف الستار لتبرر لأنصار الشريعة وغيرهم من المجموعات السلفية أن الوقت لم يحن بعد لإقامة دولة الخلافة إذ انه لا بد من التمكن من وسائل السيطرة على المجتمع قبل اي اعلان للنوايا الحقيقية في هذا الشأن.