أميركا ما بعد الحادي عشر من سبتمبر

بقلم: ماجد كيالي

شكّل الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة الأميركية، يوم 11/9 من العام الماضي، انعطافة كبيرة في وعي أمريكا لذاتها وإدراكها لمكانتها في العالم، كونها ضربت هذه المرة في عقر دارها، ومن قبل عدو غير منظور وبأسلحة "بدائية"، ولكن مدمرة، وأيضا لأن هذا الهجوم استهدف جبروت أمريكا من الناحية الاقتصادية (مبنى التجارة العالمي في نيويورك) والعسكرية (مبنى البنتاغون في واشنطن)، وهيبتها السياسية، ورمزا مهما من رموز "عولمتها".
أيضا، فقد كان لهذا الحدث بتداعياته، التي لم تنته بعد، انعكاسات خطيرة على تفاعلات السياسة والاقتصاد والثقافة على الصعيد العالمي، لا تقل في أهميتها عن الانعكاسات التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي (السابق)، في مطلع التسعينيات، والتي غيّرت مستقبل العالم وأعادت صوغ خارطته الجغراسية.
أما تأثير هذا الحدث على العالم العربي وعلى العلاقات الأميركية العربية فقد كان كبيرا وعميقا وخطيرا، أكثر بكثير من تأثيراته على مناطق أخرى من العالم ليس بسبب هوية منفذي هجوم سبتمبر، فقط، وإنما بسبب الخلفية السياسية والثقافية للمجتمع الأميركي، التي تسهّل تقبّل تنامي نزعة العداء للعالم العربي والإسلامي، وأيضا، بسبب الإيحاء بالترابط بين هذا الهجوم الإرهابي والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
عموما فقد استحضر "زلزال" سبتمبر 2001، دفعة واحدة، النظريات الاستعلائية والإمبريالية، التي كانت حبيسة المكاتب وأذهان المحافظين المتشددين الموالين لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية، من مثل نظريات: "قوس الأزمات" لبريجنسكي التي يدعو فيها إلى السيطرة على العالم الإسلامي بالنظر لموقعه الجغراسي والاستراتيجي ولاحتوائه على أكبر مخزون من النفط والغاز في العالم؛ ونظرية برنارد لويس التي يدعو فيها بصراحة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس جديدة، بحيث تحتل فيه إسرائيل مكانة متميزة وتتمكن فيه الولايات المتحدة من ترسيخ سيطرتها؛ وفكرة هنتنغتون عن "صراع الحضارات"، والتي حذر فيها الغرب، قبل عقد من الزمن، من خطر العالم الإسلامي ومن مخاطر تقرّبه مع الحضارات الأخرى (الشرقية)؛ وكلها نظريات تؤكد بأن الغرب والشرق لا يلتقيان وأن العدو الجديد للغرب، بعد انهيار الشيوعية، بات يتمثل بخطر الأصولية الإسلامية، وهكذا تم تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار أو إلى دول خيرة ودول مارقة.
الآن، وبعد مرور عام على حدث سبتمبر، يمكن وببساطة الاستنتاج بأن هذا الحدث، بتداعياته، كان بمثابة هدية لا تقدر بثمن لإسرائيل وحلفائها في واشنطن، إذ تمكّن هؤلاء إعادة الاعتبار لفكرتهم بأن إسرائيل "ذخر استراتيجي" للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط وأنها الحليف الموثوق والدائم لها في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم؛ في استغلال لحقيقة أن علاقة أمريكا المتميزة بكل من السعودية ومصر لم تحل دون نمو مظاهر العداء لها، في هذين البلدين، فكيف إذا كان المتّهمين بتنفيذ هجوم سبتمبر يتحدّرون من هذين البلدين؟.
على خلفية كل ذلك فقد سارع حلفاء إسرائيل إلى استغلال هذا الهجوم لترويج ادّعاءات سياسية مفادها، مثلا، أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تواجهان عدوا واحدا، هو الإرهاب الذي ينبع من المنظومة الحضارية الإسلامية، وأن مصدر العداء العربي لإسرائيل لا يتأتّى من الاحتلال وإنما من انتمائها للغرب ومن تبنيها لطريقته في العيش التي تتأسّس على الديمقراطية والرفاهية والتكنولوجيا! وأن الدفاع عن إسرائيل وعن مصالحها إنما هو دفاع عن الولايات المتحدة الأميركية وعن قيمها وعن طريقتها في العيش، ضد عالم متخلف حاسد حاقد!.
وبالنتيجة فقد استطاع هؤلاء، استغلال الأجواء الهستيرية للحرب ضد الإرهاب، لتغيير الأجندة الأميركية وإدخال تحولات مهمة على الخطاب السياسي الأميركي إزاء القضية الفلسطينية، ومجمل القضايا العربية.
ومن مظاهر هذا التغيير، في الأجندة السياسية، أولا، انصراف إدارة بوش عن عملية التسوية، إلى درجة القطع مع هذه العملية برمّتها، لصالح الاهتمام بمكافحة "الإرهاب"؛ ثانيا، وقف التعاطي مع القضية الفلسطينية بوصفها قضية احتلال والتركيز بدلا من ذلك على "تأهيل" الشعب الفلسطيني ثقافيا واقتصاديا و"تأهيل" سلطته من النواحي السياسية والإدارية والتشريعية! ثالثا، عدم التدخل في صراع إسرائيل مع الفلسطينيين، وإطلاق يدها في البطش بهم باعتبار ذلك دفاعا عن النفس؛ رابعا، مقاطعة الرئيس عرفات والعمل على عزله وتغييره، برغم من كونه الرئيس الشرعي المنتخب للشعب الفلسطيني! خامسا، عدم المبالاة إزاء استحقاقات صداقة أمريكا مع بعض البلدان العربية لدرجة إبداء إيحاءات عدائية تجاه هذه البلدان (كما جرى مع مصر والسعودية) وصلت إلى حد المطالبة بتغييرات سياسية وثقافية في هذه البلدان؛ سادسا، دق طبول الحرب ضد بغداد برغم المعارضة العربية والدولية الواسعة لهذه الحرب التي تشنّ تحت يافطة إسقاط النظام العراقي.
أما مظاهر التحول في الخطاب الأميركي الرسمي، فتتمثّل بتبنّي المصطلحات الإسرائيلية (الشارونية)، فالمقاومة باتت إرهابا، والسلطة الفلسطينية باتت سلطة فاسدة وغير شرعية وترعى الإرهاب، والرئيس عرفات لم يعد ذو صلة، وهو رجل غير موثوق به ويرعى الإرهاب، أما شارون، فقد بات في منظور الرئيس الأميركي، رجل سلام ! والمجازر التي تنفّذها القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين باتت بمثابة دفاع عن النفس! ومن منظور رامسفيلد وزير الدفاع باتت الأراضي المحتلة مجرد أراض اغتنمتها إسرائيل في حرب 1967 وهي تدافع عن نفسها! وباتت الحروب تخاض باسم محاربة ما يسمى بالدول المارقة أو تحت يافطة محور الخير ضد محور الشر، إما معنا أو ضدنا!.
وما شجع إدارة البيت الأبيض على تبني هذه السياسات والمفاهيم تولد قناعة مفادها أن إسرائيل تستطيع تدبر أمرها في المنطقة بالاعتماد على الغرب ومن دون عملية التسوية، وأن الترتيبات الشرق أوسطية السياسية والأمنية والاقتصادية يمكن فرضها على الدول العربية ومن دون مساومات، خصوصا أن حال التشتت والضياع التي تعيشها هذه الدول تضعف النظام العربي وتجعله مستلبا، أما التذرع بالمخاوف من مشاعر القهر والغضب في الشارع العربي فهي، بنظر الإدارة الأميركية، لم يعد ما يسندها بالتجربة، فالمظاهرات هي مجرد تظاهرات لا تبعث على الخوف خصوصا أنه ليس ثمة علاقة للشارع بالسلطات.
وقد نشر اليكس فيشمان تقريرا في يديعوت أحرونوت، يوم 6/9، تحدث فيه عن التحول في السياسة الأمريكية وبحسب فيشمان فإن "اللاعبين الأساسيين في هذا الانقلاب هم نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد، ولكن الشرح الأيديولوجي يقوم به ثلاثة أشخاص: نائب وزير الدفاع بول فولفوبيتش، ونائبه دوغلاس فايت، وريتشارد بيرل (راعي تقرير البنتاغون)هذه المجموعة ترى في تغيير الأنظمة هدف استراتيجي. ومنطق هذه الاستراتيجية أن "القاعدة" تنمو من خلال أجهزة التعليم والأنظمة الاجتماعية والسلطوية، المتبعة في السعودية ومصر والعراق..الهدف هو: تغيير في الخارطة السياسية بوسائل عسكرية"!
أخيرا لقد شكل هجوم سبتمبر تحولا كبيرا في العالم، في سياساته وعلاقاته وفي حروبه وخطاباته، والنتيجة التي وصلت إليها أمريكا أنها تستطيع أن تبني عالما أحاديا على شاكلتها وتحت هيمنتها، إن ليس بقوة الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا، فبالقوة العسكرية. ولاشك بأن العالم بعد 11 سبتمبر/2001، هو غير العالم الذي كان قبل وبالطبع فإن ذلك ينطبق بشكل أو بأخر على العالم العربي، ألسنا جزءا من هذا العالم؟! ولكن السؤال الذي يجب طرحه هنا هو: ما الذي ينبغي أن نفعله إزاء أمريكا هذه وأساسا إزاء أنفسنا؟