أميركا القوة الأعظم إلى حين

بقلم: فيصل جلول

احتفى الرئيس جورج بوش برئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة حول مائدته في البيت الأبيض.
ولعل مساعي أميركية أدت أيضا لأن يستمع مجلس الأمن إلى السنيورة في جلسة غير مبرمجة من قبل، مع التذكير بأن الوزير الأول اللبناني يمثل تيارا سياسيا بين تيارات أخرى في بلد لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين نسمة. وقد سبق للرئيس بوش أن استقبل زعيم هذا التيار النائب سعد الحريري بحفاوة مماثلة مع أن سطوع نجمه في عالم السياسة اللبنانية قد تم قبل أقل من 11 شهرا.
ما كاد ينتهي من الاحتفال التكريمي بالسنيورة حتى بادر رئيس الدولة الأعظم في العالم إلى الاتصال هاتفيا بجواد المالكي رئيس الوزراء العراقي المعين لتوه. وللعلم أيضا فإن المالكي ليس زعيما لحزب الدعوة الذي يترأسه إبراهيم الجعفري ولم يكن معروفا على نطاق واسع في العراق قبل تعيينه في هذا المنصب وبالتالي من الصعب أن يكون مثيرا للفضول لدى أية جهة مهمة في العالم.
لكن لماذا يحتفي الرئيس الأميركي برئيس حكومة لبناني ينتظر دون جدوى تحديد موعد مع رئيس الوزراء السوري ناجي العطري؟ ولماذا يهاتف رئيس وزراء عراقي متواضع لم يتجشم أحد من جيران العراق القريبين والبعيدين عناء مهاتفته؟ الجواب الحقيقي انطوى في تصريح أدلت به أمس الأول مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة في عهد بيل كلينتون إذ قالت: “سيذكر التاريخ أن حرب العراق هي الكارثة الأكبر في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية” واستنتجت: “لا يمكن لأميركا أن تغزو كل بلد لا يعجبها رئيسه”.
ما عاد بوسع أحد أن يغطي آثار “الكارثة” التي تتحدث عنها أولبرايت. هل يمكن إهمال نتائج الانتخابات التي تنهمر كالسيل العرم في أميركا اللاتينية والتي تحمل إلى الحكم مناهضين لإدارة الرئيس بوش؟ هل يمكن إهمال نتائج الانتخابات الأوروبية التي تأتي بمعارضين لحرب العراق في مدريد وروما؟ هل يمكن إهمال نتائج الانتخابات في بعض دول المنظومة السوفييتية السابقة والتي تأتي بمخلصين لموسكو؟ هل يمكن إهمال التصريحات التي يدلي بها جنرالات في الجيش الأميركي خدموا في العراق ويطالبون بسحب القوات الأميركية من هذا البلد؟ هل يمكن إهمال كلفة الحرب المقدرة بعشرة مليارات دولار شهريا وانعكاس هذه الكلفة سلبا على الاقتصاد الأميركي؟ هل يمكن إهمال التراجع المتزايد في شعبية الرئيس الأميركي في بلاده إلى حد نادر الحدوث في تاريخ الرئاسات الأميركية؟ هل يمكن إهمال الحجم المتزايد لأعداد القتلى والجرحى والمعوقين الذين يعودون من العراق إلى بلادهم من حرب تبدو يوما بعد يوم مصدرا لخسائر أميركية على كل صعيد؟ هل يمكن تمويه حقيقة ساطعة تقول بان العملاق الأميركي غارق حتى ركبتيه في الوحول العراقية، وبأنه بدد كل هوامش المناورة التي تتيح له الانسحاب بماء الوجه؟ وأخيراً هل يمكن إهمال العودة المتدرجة لموسكو وبكين إلى ساحة القرار الدولي؟
إذا كانت “الكارثة العراقية” تضطر زعيم القوة الأعظم في العالم إلى الاحتفاء بالسنيورة والمالكي فان ضررها الأهم يكمن في القضم المتزايد للنفوذ الأميركي على الصعيد الدولي من طرف روسيا والصين.لقد نجح البلدان في حماية كوريا الشمالية وإيران من “الشر” الدبلوماسي الأميركي بعد تراجع “الشر” العسكري جراء الحرب الفاشلة في العراق. وصارت بكين وموسكو تتمتعان بهامش دولي أكبر للمناورة سواء في عقد صفقات الأسلحة مع طهران ودمشق والخرطوم أو في التغلغل أكثر في الأسواق الدولية وفي الوصول بطريقة أيسر إلى مصادر الطاقة، وفي التمايز عن واشنطن في الموقف من حكومة حماس الإسلامية في فلسطين وبالتالي في الاستجابة للشكاوى المطروحة على الساحة الدولية والتي كانت من قبل مرهونة حصرا برغبات ومصالح ورؤى واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
عندما يطرح الزعيم الصيني هوجينتاو في الشرق الأوسط بل في الرياض وعلى مقربة من بغداد المحتلة مبادئ عادلة لعلاقات دولية خالية من ازدواجية المعايير ومبنية على احترام الحضارات وحل الأزمات العالمية بالوسائل السلمية والحوار فإن أصداء كلامه تسقط بردا وسلاما على شعوب المنطقة باستثناء الكيان “الإسرائيلي” وتصل حتما إلى أرجاء المعمورة بوصفها الوجه الآخر الوحيد والمرحب به للنظام الدولي الفئوي الذي تتربع واشنطن على رأسه.
في حديثه عن صراع الحضارات قبل كارثة العراق كان المفكر الأميركي صمويل هنتنجتون يستشرف صراعا غربيا مع الحضارتين الصينية والإسلامية.في السعودية حيث تقع المعالم الأكثر قدسية للحضارة الإسلامية كان يمكن لجينتاو أن يرد على الكارثة الأميركية في بلاد الرافدين بلسان الفيلسوف الصيني سي ما: “يمكن شن الحرب ويمكن تدمير مدن ومقاطعات ولكن قبل الوصول إلى هذه الأقاصي يجب التأكد من أننا نحتفظ بالإنسانية كمبدأ والعدالة كهدف والاستقامة كقاعدة .لا يجب أن نضحي بحياة بعض الناس إلا من اجل الحفاظ على حياة القسم الأكبر منهم”. وربما كان يرد أيضا بلسان كونفوشيوس الذي يقول “إن الجنرال العظيم فعلا هو الجنرال الذي لا يحب الحرب”.
يصعب اتهام السيد دونالد رامسفيلد بأنه يكره الحرب خصوصا بعد تصريحات جنرالاته المتقاعدين لتوهم والتي تشير إلى انه تسبب بكارثة تاريخية لبلاده ستضطرها آجلا أم عاجلا إلى التخلي عن غطرسة القوة والقبول بشراكة عالمية متوازنة مع حضارات أخرى مختلفة كانت قبل حين عرضة لسهام القوة الأميركية الغاشمة. نعم “كارثة العراق” لم تطح بعد بالقوة الأعظم في العالم لكنها ستحرمها بالتأكيد من الانفراد بشؤون العالم إلى أجل غير مسمى. فيصل جلول