أموال الجمعيات الإسلامية.. المال 'الحلال'

نفوذ المال والدين

ما كنا نود التطرق لهذا الموضوع الحساس في هذا الوقت بالذات، لكن اهميته وخطورته على الوضع السياسي الداخلي دفعتانا دفعا لطرق الحديد وهو حام.

منذ ان سمحت الحكومات الكويتية المتعاقبة، قبل اكثر من ثلاثين عاما، للجمعيات السياسية، الدينية بالذات، بحرية تجميع اموال التبرعات والزكوات والصدقات من الافراد والمؤسسات والشركات، بالطرق التي تناسبها، ونفوذ وحجم هذه الجمعيات في تمدد وتشعب كبيرين، وبصورة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة مع انهمار اموال البترودولار على الدولة وجيرانها. وقد صاحبت هذا النفوذ تجاوزات وتعديات على الحريات العامة والدستور وتقييد للكثير من الحقوق الانسانية للمواطنين والمقيمين، والتي تم املاؤها على السلطة من قبل المشرفين على هذه الجمعيات، وكمثال صارخ على ذلك قانون تحريم التجنيس لغير المسلمين، لكي لا نتكلم عن قوانين اخرى في الجزاء.

لقد تمكنت الجمعيات الدينية المسيسة، خلال العقود الثلاثة الماضية من توظيف اموال التبرعات الهائلة الموجودة في حوزتها لتحقيق مصالحها السياسية، سواء ب'الاستثمار' في الافراد او المؤسسات التجارية أو بالتغلغل في المصالح الحكومية. وقد سمحت لها مختلف النصوص والفتاوى الدينية باستغلال هذه الاموال في غير الطرق التي تم التبرع لاجلها، وبالذات لاستغلالها في زيادة نفوذها وسيطرتها، وذلك بحجة ان زيادة نفوذ هذه الجمعيات في البداية ستمكنها من تجميع اموال اكثر في النهاية، والصرف بالتالي بشكل افضل على الاعمال الخيرية!

ولو قامت اي جهة، ولو شبه محايدة، بمقارنة نسبة ما قامت هذه الجمعيات الرهيبة القوة والسلطة والنفوذ بصرفه على الاعمال الخيرية، وحسب ادعائها هي وليس ادعاءاتنا، خلال العقود الثلاثة الاخيرة، باجمالي ما جمعته هي ورجال الدين التابعون والمنتمون اليها من اموال رهيبة الحجم، لتبين لنا حجم 'الجريمة' التي اقترفت بحق هذا الوطن ومواطنيه.

ولو اخذنا 'جمعية اعانة المرضى' كمثال، لوجدنا ان ما تقدمه هذه الجمعية، وايضا حسب ادعاءاتها، من خدمات متواضعة، كما هو مذكور في منشوراتها، لا يقارب بما يوجد في حساباتها من اموال لا يعرف أحد حقيقة حجمها، بحيث ان اختلاس مبلغ يزيد على 12 مليون دولار (3.5 ملايين دينار) وعلى مدى 4 سنوات لم يتم اكتشافه إلا بعد سفر المحاسب!

حقيقة حجم الأموال

لقد تكرر منا القول في اكثر من مقام ومقال ان لا احد في العالم يعرف حقيقة حجم الاموال التي تمتلكها الجمعيات الخيرية المسيسة في دول الخليج، والكويت بصورة خاصة. وقد استهجن البعض هذا القول في حينه واستنكره آخرون احيانا اخرى. فكيف يمكن لجمعيات نفع عام عادية الوقوف في وجه سلطات حكومية محلية قوية وخارجية اقوى، كوزارة خزانة الولايات المتحدة الاميركية، التي قامت بزيارات تفتيش عديدة للكويت والالتقاء بمسؤوليها على خلفية انشطة هذه الجمعيات؟ وعليه، باعتقاد هؤلاء المشككين في كلامنا، من الصعب على هذه الجمعيات الاستمرار في اخفاء حجم اموالها ومصادرها وطرق صرفها، خاصة ان سجلات واعمال هذه الجمعيات مراقبة بصورة مستمرة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!

والجواب سهل بقدر ما هو صعب، فهذه الجمعيات احتاطت منذ البداية لليوم الذي تأتي فيه سلطة ما وتقف في وجهها وتطلب وقف فوضى تجميع الاموال دون حساب او رقابة من اي نوع كان. ولهذا، وكما رأينا في مئات اعلانات وحملات وبوسترات جمع التبرعات، وعلى مدى سنوات طويلة مضت، قامت هذه الجمعيات بإنشاء مئات الصناديق الوقفية بأسماء عشرات رجال الدين المعروفين وغيرهم، وخصصت ارصدتها، حسب ادعاءاتهم، لمختلف الاغراض 'الخيرية' من توظيف دعاة الى حفر آبار الى طباعة كتب دينية وبناء مساجد وغير ذلك.

وحيث ان ارصدة هذه الحسابات مودعة في مصارف محددة بحسابات شخصية تعود لملكية افراد، هذا اذا بقي من تلك الارصدة شيء، فإن لا سلطة لأي جهة عليها، ولا تسري عليها بالتالي القوانين المنظمة للجمعيات الخيرية. وقد سبق ان اكدنا في اكثر من مقال ان رصيدا واحدا من تلك الحسابات الشخصية بلغ في فترة ما، وعلى ذمة مسؤول سابق كبير في امن الدولة، 30 مليون دينار تقريبا، فالسنابل دائما مثقلة بالخير!

اما من ناحية وجود رقابة حكومية على سجلات الجمعيات الخيرية فهذه ايضا خرافة اخرى. فالوزارة بكادرها الوظيفي شبه المتهالك غير مهيأة اصلا للقيام بعمليات تدقيق محاسبية عادية فما بالك بتدقيق سجلات جمعيات رهيبة القوة والنفوذ مثل جمعياتنا الخيرية! كما ان محاولات الوزارة تكليف مكاتب تدقيق خارجية القيام بعملية مراجعة سجلات اكثر من 120 جمعية وهيئة ولجنة، داخل الكويت وخارجها لم تكن جدية اصلا، وكانت اقرب للمزاح والسخف منها للجد. فقد كانت تعلم علم اليقين ان العملية خطيرة وفيها تجاوز للكثير من الخطوط الحكومية وغير الحكومية الحمراء.

ملاحظة:

اختلاس باسم الله

نعود لموضوع جمعية اعانة المرضى ونقول إن حادثة الاختلاس الاخيرة لاموالها لا يمكن اعتبارها، من الناحية المنطقية، الحادثة الوحيدة والشاذة، وذلك نظرا لكبر حجم المبلغ المختلس وطول الفترة التي تم فيها الاختلاس. فطبقا لتصريح السيد محمد الشرهان، رئيس الجمعية، فان المحاسب الذي اختلس مبلغ الثلاثة ملايين دينار ونصف المليون تم توظيفه في العام 2002 وان عملية الاختلاس بدأت قبل 3 أو 4 سنوات. وهذا يعني ان المحاسب اكتشف حجم أموال الجمعية الكبير منذ اليوم الاول وانها اموال لا صاحب لها وتسهل سرقتها، فالمال السايب يعلم الحرام، كما يقال. وتصريح السيد الشرهان 'يدحض'، لكي لا نقول يكذب، تصريحات وتأكيدات كل وزراء الشؤون، وكبار مسؤوليها، الذين 'طرشوا' آذاننا بتأكيداتهم المستمرة، من احداث 11 سبتمبر على الاقل، بان الوزارة تقوم بتدقيق سجلات الجمعيات بشكل دقيق ومستمر! واكتشفنا الان ان الواقع هو خلاف ذلك تماما، في الماضي والحاضر، وربما في المستقبل ايضا.

ولو افترضنا ان المبلغ المختلس من حسابات الجمعية لا يمثل سوى 10% من كامل ارصدتها فهذا يعني ان اجمالي ارصدة الجمعية ربما يتجاوز 35 مليون دينار. ولو علمنا ان هناك اكثر من 120 جمعية ولجنة وهيئة مماثلة لهذه الجمعية في الكويت وحدها، والرأسمال الرسمي المعلن لواحدة منها فقط يبلغ مائة مليون دينار، هذا بخلاف ما قامت بتجميعه طوال السنوات العشرين الماضية، لتبين لنا الحجم الخرافي لاموال هذه الجمعيات المسيسة والمسماة بالخيرية.

ولفهم ادق لممتلكات وحجم وقوة جمعيات الكويت الخيرية فان من المفيد العودة إلى الخبر الذي نشر في الصحف الاردنية كافة قبل اسابيع، وتم شبه التعتيم عليه في الكويت، والذي تعلق بقيام الحكومة الاردنية بتجميد ارصدة حسابات احدى جمعيات الاردن 'الخيرية'، التي كانت بحدود المليار دولار (!!!) فاذا كان هذا حال جمعية واحدة في بلد فقير نسبيا كالاردن، فما هو اذا حال جمعيات دولة كالكويت، نترك الجواب لذكائكم وفطنتكم.

أحمد الصَّراف

كاتب كويتي