أمن الدولة والأمن الوطني عقيدة لن تتغير

بقلم: عادل الجوهري

يبدو أن جهاز مباحث أمن الدولة في مصر بلغ من الجسامة والضخامة ما يجعله عصي على الغياب عن الساحة بسهولة، وكأنه جزءاً لا يتجزأ من بناء النظام، وكأن هناك من لا يزال على قناعة بضرورة وجود العصا الغليظة للدولة المتمثلة في نفس الجهاز ولكن بثوبٍ جديد، ويؤيد ذلك الوثيقة التي تم العثور عليها في أحد المقرات المقتحمة من المواطنين وهي عبارة عن خطة تضمنت الإعلان عن إلغاء الجهاز لاسترضاء الشعب، ومن ثم يتم بعثه مرة أخرى في صورة جديدة واسم جديد، وهذا ما تم فعلياً بصدور قرار وزير الداخلية بالاستعاضة عنه بقطاع جديد يُسمى جهاز الأمن الوطني.

ولا يسع الناس هنا إلا أن يتوجسوا خيفة من استمرار النهج القديم، خاصة وأن المهام المُقترحة لهذا القطاع لا تختلف في مجملها عن مهام الجهاز القديم، فالحفاظ على الأمن الوطني والتعاون مع أجهزة الدولة المعنية لحماية الجبهة الداخلية، ومكافحة الإرهاب، ليست بالمهام الجديدة أو البعيدة عن مهام جهاز مباحث أمن الدولة الملغي، فهي ذات المهام التي من أجلها استطاعت قيادات الجهاز وضباطه وأفراده التدخل في جميع نواحي الحياة في مصر ولم يتركوا كبيرة أو صغيرة إلا وكان لهم بصمتهم عليها، الأمر الذي يعني عدم وجود ضمانة تمنع القطاع الجديد من القيام بذات الممارسات، فعقيدة الجهاز أو القطاع تكمن خطورتها في وسائل تحديد من هو عدو الوطن والكيفية التي يتم بها الكشف عن هذا العداء، بدءاً بالاعتقال مروراً بالترهيب انتهاءً بالتعذيب الذي ينتج عنه الموت في معظم الأحيان، والعقيدة نفسها تطلق يد القطاع الجديد كما سبق أن فعلت مع الجهاز القديم، وتمنحه مطلق الحرية في تصنيف المواطنين وفقاً لقواعد يقررها قياداته بمعزل عن أي رقابة من أي جهات رسمية أخرى في مصر، كما أنه في سبيل محاربة الإرهاب لا شيء يضمن ألا يكون للقطاع كما كان للجهاز،القيام باعتقال من يرى ومن يريد تحت هذه الذريعة الفضفاضة، خاصة وأنه حتى تاريخه لم يصدر تعريف واضح وصريح للإرهاب، والنتيجة أن هذا القطاع سيصبح سيداً من الأسياد طالما سيتذرع دائماً بحماية الوطن، فكم من الجرائم تُرتكب ضد المواطن باسم الوطن.

إن الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير يتوق بشدة إلى الحرية الكاملة، حرية التفكير وحرية التعبير وحرية ممارسة الحياة الطبيعية دون وصاية من الدولة في أي صورة من صورها، كما يأمل في أن يعيش واقعاً جديداً يخلو من التدخلات القاسية التي عطلت كثيراً من قدراته وعادت على الوطن بالتأخر والتقهقر، وقد لعب جهاز مباحث أمن الدولة والقوانين الاستثنائية الدور الأساس في ذلك، بما يعني أن التخلص تماماً من الممارسات الاستثنائية يجب أن يكون واقعاً ملموساً، تحقيقاً لأحد الأهداف الرئيسية للثورة وتمهيد الطريق للانطلاقة الحقيقية لمصر في ثوبها الناصع الجديد.

وطالما أن حالة الطوارئ سيتم رفعها بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية كما وعد بذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فمن باب أولى أن تتطهر مصر تماماً من آثار الماضي وابرز تلك الآثار المعيقة التي مثلها بأسوأ الصور جهاز مباحث أمن الدولة وسيمثلها ويعيد إنتاجها بلا جدال القطاع الجديد المزمع تدشينه.

إن التجارب المريرة من القهر البوليسي في مصر بدءاً من الجهاز المخصوص مروراً بالقلم السياسي وصولاً إلى جهاز مباحث أمن الدولة، تحتم على وزير الداخلية إن أراد عهداً جديداً لوزارته يذكره له الشعب والتاريخ، أن ينأى بنفسه عن إعادة الحياة لهذا الجهاز المكروه في أي صورة من الصور، فلم يعد يرتضي وجوده أحد من المواطنين، وعليه أن يقتنع بكل الحكمة التي نتوقعها منه، أن إعادة بعث هذا الجهاز سيء السمعة لن يكون في صالح الوطن،وإن أراد خيراً، فعليه أن يعمل على تأهيل ضباطه وأفراده الذين لم يتورطوا في أعمال مخالفة للقانون، وإدماج من يصلح منهم في منظومة العمل الشرطي بوزارة الداخلية وذلك هو السبيل الوحيد لاتقاء الشر الكامن في عقيدة هذا الجهاز منذ مئات السنين، كما أن هذا الدمج سيدعم قوة العمل في الوزارة بما يعود بالنفع على الوطن والمواطن.

عادل الجوهري