أمل دنقل في "الملهى الصغير"

الشاعر الجنوبي وفي لأصدقائه، لقريته النائية في الجنوب وفي لزوجته ووفي حتى لذكرياته البعيدة خاصة ذكريات الشباب.


دنقل شاعر عاشق، صاخب، معترض، ملتزم، غير استعمالي


تيار الزمن أنضج التجارب وصراع الحياة ذاته حمل الشاعر بعيدا

قص علينا الناقد د.جابر عصفور في إحدى مقالاته عن صديق عمره الشاعر أمل دنقل (1940-1983) اللحظات الأخيرة في حياته بالمستشفى، وفي الحجرة عينها التي حملت عنوانا لآخر ديوان شعري يفيض بالمرارة والألم والأسى "أوراق الغرفة 8" عام 1983، لحظات أخيرة عاشها جابر عصفور، وعبدالرحمن الأبنودي، وزوجة أمل عبلة الرويني، حيث حرص دنقل على وصية غريبة لكنها مألوفة بالنسبة لدنقل ولصديقيه، لقد أوصاهما بدفنه في قبر أبيه في قريته في الجنوب ودفع لهما ثمن التذاكر بالطائرة لمرافقة جثمانه، حتى إذا رفضا أخذ المبلغ أصر على عدم حضورهما، ومادام الصديقان لا يستطيعان رفض طلب دنقل فقد قبلا على مضض، فهما يعرفان العناد والإصرار عند دنقل، الشاعر، الساخط ، الثائر، غير المتصالح  الذي جعل من الرصيف منبرا سياسيا عربيا اهتز لكلماته ولإيقاعاته الشعرية الساخطة التي أرادت غضبا عربيا يهزم الخوف فينا والاستكانة، ويجتث كل الطفيليات التي تهين  بقية الألوهة في الإنسان، وهو يعرج في كفاحه وصراعه ضد الإقطاع والاستعمار والرجعية والتخلف إلى أعلى درجات الإنسانية حيث تفيض حدبا على الإنسان، هذا الكائن المكرم الذي دمرت قوى الشر إنسانيته وجعلته رهين متطلبات الحياة البسيطة والتي هي ذاتها متطلبات الحيوان.
من قراءة تلك المقالة الرائعة لجابر عصفور يخرج القارئ بانطباع صادق عن مدى ترسخ خصلة الوفاء عند دنقل، فهو شاعر وفي لأصدقائه، لقريته النائية في الجنوب وهو "الجنوبي"، وفي لزوجته ووفي حتى لذكرياته البعيدة خاصة ذكريات الشباب حيث يخفق القلب للواعج الحب، لحلاوة اللقاء، لشابة عيناها بلون الخمرة ومذاقها وتأثيرها، لمقهى كان يجتمع فيها بذلك الحب الأول أو الحماقة الأولى بتوصيف نيشته.

القصيدة ليست إلا ترجمة لضمير كل واحد فينا، فالشاعر الفذ هو الذي يمسك باللحظة وينقذها من التلاشي أمام تيار الزمن المتغول فيخلدها وهي في ذات الوقت تجربة كل إنسان في قصة الحب الأول

من ديوان أمل دنقل "مقتل القمر" الصادر عام 1974 قصيدة رائعة "الملهى الصغير" حيث تحضر الإسكندرية في دواوينه، ولا عجب فقد شهدت فتوته البدنية والنفسية والشعرية، وعاش فيها المر والحلو، طيش الشباب وحكمة الحياة، نزوة الحب وانسياب الشكوك في متاهات النفس والروح، والشاعر لن يكون شاعرا ما لم يكن عاشقا، فوراء كل شاعر امرأة، لا بل وراء كل قصيدة ووراء كل سطر ووراء كل كلمة ووراء كل نبض وراء كل شهقة روح امرأة واحدة أو أكثر، الوطن/المرأة حقل الشاعر، مضمار سباقاته مع القوافي، تندغم المرأة في الأرض (الوطن) ويصيران واحدا فالوطن هو المرأة، والمرأة هي الوطن، رحم واحدة تعني الخصوبة، العطاء، التجدد، البهجة، لذا كانت الحرية كلمة مؤنثة تعني التحرر من كل عبودية إلا العبودية للحياة بعنفوانها بألقها، ببهجتها، بصراعها بإخفاقاتها بنجاحاتها. فالمرأة والوطن وجهان لعملة واحدة لذا يحرص المستعمرون والطغاة والمستبدون على انتهاك عرض المرأة في المستعمرات كتجسيد لرمزية انتهاك عرض الوطن وامتلاكه.
دنقل شاعر عاشق، صاخب، معترض، ملتزم، غير استعمالي بتعبير حلمي القاعود،  وهو في ذات الوقت وفي لمشاعره لذاكرته. وفي هذه القصيدة "الملهى الصغير" يعود الشاعر رفقة حبيبته السابقة ربما الأولى، وقد نضج بعد لأي وزمن بعيد إلى المكان الذي كان يلتقيان فيه دائما "الملهى الصغير" والعنوان في ذاته يحيل على زمان الأنس، الخفة، البهجة، اللامبالاة، فالملهى الصغير مكان يتصيد المراهقين ويأخذ ما في جيوبهم حيث لا يسأل الشاب عن ثمن المشروب ولا يتظاهر إلا بالسخاء والبحبوحة المفتعلة، فضاء يقصد للاستمتاع بالأنس في حضرة الحبيب عتبة أولى تحيل على ذكربات الشطارة العاطفية، وهي تجربة مر بها كل شاعر، كل فنان بل كل إنسان في فورة الشباب: 
لم يعد يذكرنا حتّى المكان!
كيف هُنَّا عنده؟
والأمس هان؟
قد دخلنا ..
لم تشر مائدة نحونا!
لم يستضفنا المقعدان !!
الجليسان غريبان
فما بيننا إلاّ ظلال الشمعدان!
النفي الذي صدر به الشاعر القصيدة (لم يعد) هو إحالة على الغربة، فالحبيبان غريبان عن المكان إنه لم يعد مكانهما ولا زمنهما، فتيار الزمن قد أنضج التجارب وصراع الحياة ذاته قد حمل الشاعر بعيدا، هموم الوطن، هموم التحرر، ومغادرة للمدينة الكوزموبوليتية الإسكندرية، ثم حياة قاهرية جديدة وتجارب أخرى جعلت الشاعر يحس بالغربة، بالمكان الذي أراد أن يستعيد مجده العاطفي وألقه الشبابي ولكن هيهات:

Poetry
لم يعد يذكرنا حتّى المكان!

أنظري؛    
قهوتنا باردة
ويدانا - حولها – ترتعشان
وجهك الغارق في أصباغه
وجهي الغارق في سحب الدخان
رسما
(ما ابتسما!)
في لوحة خانت الرسّام فيها ..
لمستان !
تسدل الأستار في المسرح
فلنضيء الأنوار
إنّ الوقت حان
أمن الحكمة أن نبقى؟
سدى!!
تأتي الكلمات: القهوة الباردة واليدان المرتعشتان من الحبيبة، حبيبة الأمس على تعميق الشعور بالغربة عن المكان، وعن تصنع مشاعر الحب المسترجع والحيرة معا أمام هذا التمثيل في حضور العشاق الجدد المراهقين لكن هيهات فالوجه الغارق في الأصباغ تنقصه الابتسامة التلقائية العفوية، فالبسمات والضحكات رسل الروح إلى العام الخارجي عن الانتشاء والانسجام مع الآخر، ومع المكان بل إن دلالة  لفظة الرسام تحيل على تصنع المشهد برمته، إنه مثل اللوحة تعيد تشكيل الحياة دون أن تكون هي الحياة ذاتها. هي المسرح يحاكي الواقع دون أن يكون هو الواقع ذاته لذا يأتي الاستفهام الإنكاري في محله لتعميق الشعور بالغربة وضرورة المغادرة:
قد خسرنا فرسينا في الرهان!
مالنا شوط مع الأحلام
ثان !!
حب لا يمكن استرجاعه لأنه ببساطة انتهى، حمل تيار الحياة الشاعر بعيدا كما حمل الحبيبة السابقة، وفي لحظة اللقاء في نفس المكان لم يخفق القلبان كما كانا قبل بل دخلت الجوارح في حركات مصطنعة تعمق الشعور بالغربة وعدم الارتياح في المكان:
نحن كنّا ها هنا يوما
وكان
وهج النور علينا مهرجان
يوم أن كنّا صغارا
نمتطي صهوة الموج
إلى شطّ الأمان
كنت طفلا لا يعي معنى الهوى
وأحاسيسك مرخاة العنان
قطّة مغمضة العينين
في دمك البكر لهيب الفوران
عامنا السادس عشر:
رغبة في الشرايين
وأعواد لدان
لا وجود للإحساس التلقائي الطبيعي إلا في الذاكرة، في استعادة الشريط السينمائي أمام البصر، في لحظة تذكر فهنا المشاعر طبيعية والإحساس بالوجود في المكان طبيعي بل هو اندغام فيه، وها هي الكلمات المحيلة على الانطلاق والعفوية والتلقائية والإحساس بامتلاك الطرف الآخر والمكان معا: وهج النور، صهوة الموج، الأمان، الهوى، القطة، الدم، البكر، الفوران، وكان ذلك يوم كان عمر الحبيبة دون العشرين وكذلك عمر الشاعر:
ها هنا - كلّ صباح – نلتقي
بيننا مائدة
تندى .. حنان
قدمان تحتها تعتنقان
ويدانا فوقها تشتبكان
إن تكلّمت :
ترنّمت بما همسته الشفتان الحلوتان
وإذا ما قلت:
أصغت طلعة حلوة
وابتسمت غمّازتان!
هنا النمط الغالب هو السردي حيث المجال للأفعال، فاللقاء ليس كل أسبوع بل كل صباح، فالمكان مكانهما ينتظرهما وحتى هو يحس بالقلق إن لم يحضرا فقد ألفهما المكان والقدمان تعتنقان تحت المائدة واليدان تتشابكان كما تتشابك الأرواح والشفتان الحلوتان والغمازتان والملامح هنا طبيعية لم تطمسها الأصباغ كما في المقطع السابق، مقطع الاغتراب عن المكان:
أكتب الشعر لنجواك
(وإن كان شعرا ببغائيّ البيان)
كان جمهوري عيناك! إذا قلته: صفّقتا تبتسمان
ولكن ينصحنا الأهل
فلا نصحهم عزّ
ولا الموعد هان
لم نكن نخشى إذا ما نلتقي
غير ألاّ نلتقي في كلّ آن
ليس ينهانى تأنيب أبي
ليس تنهاك عصا من خيزران!!
جاء في المأثورات القديمة أن وراء كل عظيم امرأة، ومعنى ذلك الحضور الأنثوي الفاعل في نفس ووجدان المبدع أو رجل السياسية أو التاريخ بل إن الإبداع ذاته لا تكون وراءه إلا المرأة، فالأصل في الفنان - سواء أكان شاعرا أم كاتبا أم رساما أم موسيقيا - هو حالم، منطلق، حر، سماوي المنزع وليس كالأنوثة ملهما ومحتضنا للهم الإبداعي حتى ولو اعترف الشاعر بسذاجة ما يكتب وسطحيته وتتجلى قيمة الصدق الفني هنا والصدق مع الكلمة ومع القارئ في تصريح الشاعر بسذاجة ما يكتب، فالأصل أن كل مبدع مبتدئ مقلد، وهذا ما تفصح عنه الإضافة هنا "ببغائي البيان" توصيف دقيق للتقليد الذي ينطلق منه كل مبدع فهو في الأصل متأثر بكاتب أو شاعر سابق تتماهي شخصيته مع شخصيته ثم تفارقها يوم يشب عمر عن الطوق. فالنص لها ولرضاها ولانتزاع إعجابها ولمباهاتها بحبيبها أمام لداتها، ألم يتمن السياب يوما أن يكون ديوان شعره ينتقل من صدر حبيبة إلى أخرى؟ يا لطرواة الحلم السيابي وغضاضته المعبر عن الشبق:
يا ليتني أصبحت ديواني ** لأفر من صدر إلى ثان
وهذه الحبيبة التي تمارس شخصيتها العاشقة المتمردة فلا تخاف من التأديب والعقاب ومطاردة ومراقبة الأولياء وعقابهم في حال اكتشاف هذه العلاقة والمواعيد الغرامية فلا تخفيها عصا الخيزران:
الجنون البكر ولّى
وانتهت سنة من عمرنا
أو .. سنتان
وكما يهدأ عنف النهر
إنّ قارب البحر
وقارا .. واتّزان
هدأ العاصف في أعماقنا
حين أفرغنا من الخمر الدنان
قد بلغنا قمّة القمّة
هل بعدها إلاّ ... هبوط العنفوان
افترقنا ..
(دون أن نغضب)
لا يغضب الحكمة صوت الهذيان

فنون جميلة
لوحة "في المرقص" للفنان محمود سعيد

يصر دنقل في هذا المقطع على التأكيد على هويته فهو "الجنوبي" وما تحيل عليه هذه الكلمة من صفات فيزيقية، نفسية لسكان جنوب مصر، وما يحضر في الذهن من معني ودلالات عن الزخم التاريخي وشبكة العلاقات الاجتماعية والخصوصيات المتعلقة بهذه الهوية الجنوبية، إن كان المقطع السابق يسرد وقائع الحب البكر ووقائعه وتمرده ونشاطه وصولاته وجولاته، فالمقطع هنا يسرد عينا بداية الانحدار والتلاشي حتى يغدو الأمر كله مجرد ذكرى، وتدل الأفعال على هذا الانحدار: ولى، انتهت، أفرغنا، ثم الكلمة النهائية التي تتوج ختام كل علاقة "افترقنا" دون ضجيج وغضب فهو مجرد موجة عاطفية ونزوة شبابية متسربلة بسربال الحب وليست سوى نشاط بركاني لليبيدو في فورة الشاب:
ما الذي جاء بنا الآن؟
سوى لحظة الجبن من العمر الجبان
لحظة الطفل الذي في دمنا
لم يزل يحبو ..
ويكبو ..
فيعان!
لحظة فيها تناهيد الصبا
والصبا عهد إذا عاهد: خان
أمن الحكمة أن نبقى؟
سُدى
قد خسرنا فرسينا في الرهان
يأتي السؤال الإنكاري ليؤكد النفي ويرسخ الشعور بالاغتراب عن المكان، لقد أراد الشاعر أن يعيد التجربة ولكنك لن تستحم في النهر سوى مرة واحدة، فتيار الزمن يعني السيرورة والتغير وفق جدلية الهدم والبناء، الموت والفناء، الثبات والتغير، إنه هزيمة الإرادة وخذلان القلب، ذلك القلب الذي أراد أن يستعيد وهج الحب وجذوته المقدسة فتحترق الجوارح بلهيبه ولكن هيهات! لم تشأ الأقدار لذلك الحب الطفولي أن يجاوز مرحلة الحبو ومات في طفولته شأن كل حب أول، جوهره الولع والشبق والانجذاب نحو الجنس الآخر، هذا العالم المغري والمثير والمحرك، ويزيد الاستفهام الإنكاري في آخر المقطع ليرسخ ضرورة الانسحاب لتختم كلمة "خسرنا" هذه  المغامرة الشعورية والحياتية معا:
قبلنا يا أخت في هذا المكان
كم تناجى، وتناغى عاشقان
ذهبا
ثمّ ذهبنا
وغدا ..
يتساقى الحبّ فيه آخران!
فلندعه لهما
ساقية ..
دار فيها الماء
ما دار الزمان!!
هذه هي سنة الحب والحياة معا عاشها الشاعر مع حبيبته السابقة، كما يعيشها كل عاشق في كل مكان وفي كل زمان، يدور الزمن دورته وينتهي كل شيء إلا من صبابة الذكرى وبقايا الوشم على شريط الذاكرة.
من اللافت أن القصيدة بدأت بعنصر المكان وهو الباعث والمحرك للمشاعر والمثير لخزان الذاكرة، وانتهت بعنصر الزمان الذي يطغى موجه على ساحل العمر فيسحب إلى أعماقه كل الذرات الشعورية إلا من رغوة الذكرى وبقايا الأصداف الشعورية تحت وهج شمس الراهن.
الإيقاع الموسيقي مناسب تماما لهذه الورطة الوجودية حين أراد الشاعر العودة إلى الفردوس رفقة حوائه  لكن  العود لم يكن أحمد! فكل شيء تغير وصارت جنته  جحيما كجحيم أورفيوس انحدر فيه العاشقان وحرف النون حرف الحنين والأنين زاد في كآبة المنظر ووحشته ومشاعر الأسى، حتى المتنبي لاذ بهذا الحرف وهو يصف غربته في شعب بوان في قصيدته الخالدة:
مغاني الشعب طيبا في المغاني ** بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها ** غريب الوجه واليد واللسان
وبعد فليست القصيدة إلا ترجمة لضمير كل واحد فينا، فالشاعر الفذ هو الذي يمسك باللحظة وينقذها من التلاشي أمام تيار الزمن المتغول فيخلدها وهي في ذات الوقت تجربة كل إنسان في قصة الحب الأول.