أمل الإعتذار ضاع مني

الحواري الثلاث غير مسفلتة ومعظم بيوتها واطئة، تنزل إليها وأنت داخلها، ولا يزيد أدوارها عن دور واحد أو دورين.


بدانتي التي صاحبتني طوال حياتي، جعلتني لا أجيد لعب كرة القدم


أحلم بأن أقابلها صدفة في مصلحة حكومية تعمل بها، فاعتذر لها وأطلب منها العفو والسماح

ارتبطت أكثر بحارة عبداللاه شحاتة التي تسكنها جدتي، كانت تسمى باسم صاحب أول بيت في الحارة، وهي تقع بين حارتين، حارة بيت عويضة وحارة أبوزيد حجازي. والحارات الثلاث متفرعة من شارع الأمير أحمد رفعت (وقد عرفت بعد ذلك إنه كان وليا للعهد أيام حكم الوالي سعيد، لكنه غرق في كفر الزيات، وتولى ولاية العهد بعده أخوه الأصغر إسماعيل الذي أصبح خديوي بعد موت سعيد).
الحواري الثلاث غير مسفلتة ومعظم بيوتها واطئة، تنزل إليها وأنت داخلها، ولا يزيد أدوارها عن دور واحد أو دورين، لذا لا تصل جدرانها لأسلاك كهرباء الحكومة، وبيوتها بعضها ليس فيه كهرباء، ومعظمها بلا مياه. بينما الشارع العمومي مسفلت، ومعظم بيوته فيها مياه وكهرباء.
بدانتي التي صاحبتني طوال حياتي، جعلتني لا أجيد لعب كرة القدم، كنت مقلا في لعبها، وزملائي – الذين يجيدونها – لا يستطيعون ممارستها في الحواري الثلاث، فهي مليئة بعربات الزبالة، فمعظم سكانها يعملون في جمع الزبالة من أحياء الإسكندرية الراقية، كما أن نساء الحارات الثلاث يجلسن أمام بيوتهن، ويسرن في الحارات بملابس البيت وكأنهن داخل بيوتهن. حتى الشارع العمومي فيه عربات زبالة كثيرة أمام البيوت. يعني لا يصلح فيه لعب كرة القدم أيضا.
في أعلى حارة عبداللاه شحاتة جبل ترابي، كل الزبالين في الحارة يشدون حميرهم إليه بعد عودتهم من عملهم لكي "يتمرمغوا" في تراب الجبل، ثم يذهبون بهم إلى إسطبل "نزهة" في حارة بيت عويضة.

بلغني أنها تزوجت وأنجبت، لكنني لا أعرف مكان عملها، أحلم بأن أقابلها صدفة في مصلحة حكومية تعمل بها، فاعتذر لها وأطلب منها العفو والسماح

وتمر السنوات ونكبر، فتضيق الحواري الثلاث بنا، ولا يناسبنا الشارع العمومي ولا الشوارع الواطئة خلفه، نحلم بالوصول لأعلى الجبل، حيث الشوارع نظيفة وليس بها عربات زبالة، ولا نساء تقف أو تجلس أمام البيوت، والسكان هناك أكثر رقيا: ساعي في بنك وخياط بذل أفرنجية وكونترجي عنده دكان في شارع راغب باشا، وموظف صغير يدخل بيته ممسكا بجريدة الأهرام. والبنات هناك أكثر جمالا ونظافة. 
أول شيء فعلناه عندما أحسسنا بأننا كبرنا، تمسكنا بارتداء الشباشب والسلبسات في أقدامنا، وبعضنا اكتفى بلبس القبقاب الخشب. المهم ألا تتسخ أقدامنا، وصعدنا لأعلى الجبل.
هناك يطلقون على سكان الحارات الثلاث "أهل العزبة"، وعندما يرونا يسرعون لحمل الكرة التي يلعبون بها خشية أن نختطفها وننزل بها الجبل. يعرف سكان المنطقة العليا أن سكان العزبة كلهم من بلدة واحدة في الصعيد، ولا يستطيع أحد أن يغلبهم.
لاعبو كرة القدم وجدوا مكانا مناسبا للعب، شارع عريض وناعم، مشكلته الوحيدة أن في آخره فرن بلدي، يضع صاحبه أرغفته الناشقة في شرّاعة كبيرة، كثيرا ما تأتي الكرة وتهشمها، وعندما يضيق صاحب الفرن بلاعبي الكرة يأمر عمال مخبزه بمطاردتهم، فيخرجون من الفرن بحديد ملتهب لونه أحمر، يقلبون به نار المخبز، فيجري لاعبو الكرة إلى الجبل، فيعود عمال الفرن، فهم لا يقدرون على سكان المنطقة السفلى.
استطاع بعض سكان الحارات الثلاث أن يقيم علاقة مع فتيات المنطقة الأكثر رقيا، فصديقي محمد عبدالغني – مثلا - أقام علاقة مع البنت حميدة، والدها إداري في نادي الإتحاد السكندري، والبنت بهيرة، بعد أن صادق أخاها ودخل بيتهم، والبنت عزيزة التي يحبها وحيد، فيأتي إلى شقة أخته في البيت المواجه لبيتها ويشاغلها وكادت تلين، لكن صديقي محمد عبدالغني ظهر فجأة، فأفسد علاقتها بوحيد وأخذها منه.
وأحمد حسنين قريبي الذي يسكن بيت جدتي – أستطاع أن يصاحب فتاة ذات وجه مستدير جميل اسمها سهير، حكى لي بأنه ذهب لمدرستها التجارية وادعى بأنه ابن خالها ويريدها في أمر عائلي ملح، فسمحوا لها بأن تذهب معه - قال إنه شاهد هذا في فيلم مصري قديم - وإنه سار معها بجوار الإستاد، ومر بجوار مشرحة الإسعاف، ثم خلف مبنى محطة السكة الحديد، وقال لها: يقولون إن سمير قريبك – والذي يسكن في البيت المواجه لبيتكم، يحبك ويريد الزواج منك.
لم ترد عليه، فأكمل: يا بنت الحلال، لو كان الأمر كذلك، فكل واحد منا يروح لحاله، وسار مسرعا في طريقه ناحية حدائق محطة مصر، فسمع دقات حذائها العالي المدبب على البلاطات البازلتية السوداء، كانت تجري في جنون خشية أن يذهب عنها وتفتقده إلى الأبد، لمست ظهره، فاضطر أن ينظر إليها، فوجدها تبكي بحرقة، وارتمت في صدره لأنها لا تستطيع البعد عنه.
كنت أصغر سنا من محمد عبدالغني وقريبي أحمد حسنين، فأجلس أنا وأقراني على عتبات البيوت هناك، نسد حتى فتحات دخول وخروج سكان البيت، يقف الذي يسد الفتحة ليمر الداخل أو الخارج من البيت، كنا نفضل البيت الذي تطل مؤخرته على الجبل، والذي تسكنه سهير التي تحب قريبي أحمد حسنين. 

Biography
أهل العزبة

كثيرون شاهدوهما معا، خاصة الولد صابر بن توحيدة – هو يسكن في المنطقة الأكثر رقيا، لكن أقارب أمه يسكنون الحواري الثلاث.
مات أبوصابر هذا، فأودعت المرأة كل أولادها وبناتها في الملجأ وتزوجت، وأنجبت من زوجها الجديد، المنطقة العليا كلها تخشاها لإقاربها الذين يسكنون العزبة. صابر بن توحيدة يعرف ما بين سهير وأحمد حسنين قريبي، وهو – رغم عدم مقدرته على القراءة والكتابة يجيد رص الكلمات – فيحول مواضيع مواويل محمد طه وحفني أحمد حسن وأبو دراع على موضوع حب سهير وقريبي أحمد حسنين، ولأنه لا يعرف الكتابة، فكنت أكتب هذه المواويل على ورق ونرميه أمام شقة سهير في الدور الأرضي.
وجاءت سهير يوما بينما نجلس – كعادتنا – سادين مدخل باب بيتهم، فقلت للجالس ناحية فتحة الباب: قم، لتمر الترنزاستور.
كان عيب سهير الوحيد قصر قامتها الواضح، فاحمر وجهها الجميل من الغيظ، وفوجئت بها وأمها تقفان أمام باب شقتهم، أشارت لأمها إلي، فأومأت أمها قائلة في أسى:
-  أيوه، مصطفى.
ودخلتا، كنا قد اشتهرنا في المنطقة، نقف معظم الوقت على حافة الجبل، أو نجلس على عتبات البيوت، يأتي موزع البريد، فيسلمني كل خطابات المنطقة لأوزعها، نتابع المرأة الجميلة التي تقف في نافذة الدور الأرضي كاشفة عن صدرها الأبيض، وامرأة أخرى تتابعني من نافذتها بإعجاب، قالت لي يوما بود شديد: شكلك ابن ناس، ليه قاعد مع العيال الصايعة دي؟! فغضب منها رفاقي.
حائر أنا الآن، من موقفي من سهير هذه، فهي فتاة جميلة ورقيقة ولم تسيء لأحد، كما أنها مجتهدة، فقد دخلت امتحان معادلة بعد حصولها على دبلوم التجارة والتحقت بكلية التجارة، فلماذا عاديتها هكذا؟! هل لأن أحمد حسنين قريبي قد فاز بها، وأنا كنت دائم الخلاف والشجار معه؟!
مرت السنوات، وارتاحت هذه البيوت من وجودنا، كبرنا وتزوجنا، فتطاردني هذه الأيام، ما الذي فعلته، نجلس على عتبات الناس ونحد من حريتهم، ونسمعهم ما يسيئهم، أي وقاحة وبجاحة هذه؟! 
أفكر في سهير هذه، فقريبي أحمد حسنين، قد تزوج من فتاة – قريبتنا أيضا، وسهير بلغني أنها تزوجت وأنجبت، لكنني لا أعرف مكان عملها، أحلم بأن أقابلها صدفة في مصلحة حكومية تعمل بها، فاعتذر لها وأطلب منها العفو والسماح.
لكنني أقابل بعد سنوات طويلة جارا لهم فيخبرني بأنها ماتت، وأن أصغر أخوتها سكن شقتهم فتزوج وأنجب، ثم مات هو وابنه. حتى أمل الإعتذار عما فعلته في صباي ضاع مني.