أليس من حق العراقيين مقاضاة بوش؟

لا أظن أن ثمة حدثا تاريخيا أحيط بهالة من الغموض والتمويه والتدليس والتزوير كما حصل مع قضية غزو العراق واحتلاله من قبل القوات الاميركية في ربيع 2003. فالمعروف ان لكل حرب تبريراتها وذرائعها، وحتى هتلر الذي لم يكن يهتم بالرأي الاخر، لم يهاجم بولندا ويشعل فتيل الحرب العالمية الثانية، الا بعد أن دبر حادثا مفتعلا يتمثل بالهجوم على اذاعة ألمانية داخل حدود المانيا من قبل سرية من الجنود البولنديين (جنود ألمان يرتدون بزات الجيش البولندي ويتسلحون بسلاحه، وصوروا وهم يدمرون الاذاعة ليكون ذلك ذريعة للحرب على بولندا). وكان ذلك درسا للرئيس الاميركي جونسون عندما دبر حادثا مماثلا تتهم فيه فيتنام الشمالية بالتعرض لقطع بحرية أميركية لتبدأ واحدة من أقذر حروب العصر.
ولعل مؤرخين معاصرين ممن يرومون تدوين أحداث تلك الحرب التي شنها الرئيس الاميركي بوش ضد العراق والتي أدت الى احتلالها إياه، سيقفون حائرين إزاء فقرة "ذريعة أو دواعي الحرب، أو ما يسمى تبريراتها" إذ لابد من ذكر تبريرات وذرائع الحرب في مطلع كل بحث أو دراسة تخص حربا معينة تكون محورا لتلك الدراسة أو ذلك البحث. فالحرب المذكورة شنت على أساس تدمير أسلحة الدمار الشمل العراقية التي وقف كولن باول (وكان وزيرا لخارجية أميركا) على منبر الامم المتحدة محاولا اقناع العالم ومن وراءه الشعب الاميركي بتلك الحجة، وكان الرجل مزودا بوسائل ايضاح كالتي يحملها مدرسو المدارس الثانوية والمتوسطة ليستعينوا بها عندما يشرحون الدرس للطلاب.
كل ذلك حصل وان ثمة نسبة عالية من الاميركان كانت غير مقتنعة بالتبريرات المقدمة، ولأول مرة في التاريخ تخرج في أوربا مظاهرات مليونية تهدف الى ثني الرئيس الاميركي عن هدفه، ولم تنفع جهود البابا يوحنا بولس الثاني التي تظافرت مع جهود منع الحرب في تحقيق تلك الغاية السلمية النبيلة، فالرئيس الاميركي مصمم على ابعاد خطر اسلحة الدمار الشامل العراقية عن الشعب الاميركي حتى ولو اضطر الى تبني نظريات وأفكار وليام بيري وهو وزير دفاع أميركي سابق والتي تدعو الى شن حرب وقائية حيثما يكون ذلك ضروريا بهدف الدفاع عن أميركا ومصالحها وذلك بموجب نظرية "الدفاع الوقائي" preventive defense.
وكانت كونداليزا رايس تلعب دورا رئيسيا في خلق تلك الذريعة وهي تحاول اقناع العالم اجمع ان العالم سيكون افضل بعد صدام حسين، محاولة ابراز ان هدف الحرب محدود جدا فهو القضاء على صدام حسين فقط، والذي هو مكمن الاخطار على العالم، وليس ثمة شيئا آخر.
وشنت الحرب ليجد الرئيس المتحمس للقتال، أن لا أثر لأسلحة دمار شامل، وليس ثمة حتى خطط ولا برامج عراقية لانتاج أو حيازة تلك الاسلحة، بله المكونات والوسائل اللازمة لتصنيعها. فخرج مسؤول مكتب التسلح في وزارة الخارجية بولتون (ممثل أميركا في الامم المتحدة المستقيل) ليعلن للملأ اكتشافا جديدا خلاصته ان العراقيين هرَّبوا أسلحة الدمار الشامل الى سوريا طمعا في خلط مزيد من الاوراق وتبريرا للفشل الذريع. ولم تفلح روسيا في حمل أميركا على استقدام المفتشين الدوليين لاكمال مهمتهم، ففي ذلك فضيحة دولية مدوية وكشف للزيف الاميركي.
وقبل أن يتظاهر الرئيس بالشجاعة ويصارح شعبه أن العراق خاليا من أسلحة الدمار، قدم سيناريو جديداً ليكون مبررا للحرب فيما لو سئل عن دواعي شنها مع عدم وجود اسلحة دمار شامل. وهذا السيناريو يعتمد اختلاق اتصالات بين نظام صدام وتنظيم القاعدة. ففي ذلك ابقاء للهدف الرئيس للحرب قائما بصلابة، وهو حماية الامن الاميركي الذي تشكل القاعدة تهديدا خطيرا له بدليل أحداث أيلول/سبتمبر 2001، ثم ان ذلك مصداق لدعوى كوندي التي كانت تقول دائما ان العالم سيكون افضل بعد صدام حسين.
وضمن ذلك وخلاله كان شعار تحرير العراق من النظام الشمولي وتخليصه من التسلط الدكتاتوري والتأسيس لديمقراطية تصير نموذجا للمنطقة هو الدافع الثانوي الذي تشبث به الرئيس. وعندما اكتشف الشعب الاميركي ان النظام العراقي السابق الذي لم يكن يتسلح بأي سلاح للدمار الشامل، برئ من أية علاقة مع تنظيم القاعدة، تعكز الرئيس بوش على مسألة دمقرطة العراق وتحويله الى النموذج المنشود، وكانت صور بريمر الحاكم المدني الذي عينه بوش لادارة العراق المحتل، وهو يتجول بين ما قيل انها مقابر جماعية توزع على نطاق واسع لاسناد نظرية تحرير العراق، وصواب غزوه وضرورة دفعه نحو الاتجاه الديمقراطي، وانه شن الحرب ليدفع الاميركيون قرابة أربعمائة مليار دولار وآلاف الضحايا ثمنا لهذا الهدف العظيم، ألا وهو دمقرطة العراق.
وإذا كان ذلك السؤال لم يطرح من قبل العراقيين فإن الاميركان اكتشفوا ان العالم لم يعد اكثر أمنا بعد وضع صدام حسين في القفص، فعلى العكس، صار الامن العالمي اكثر تعرضا للخطر، فالعراق الان يفرخ إرهابا ويصدره الى كل انحاء العالم، وان تفجيرات لندن ومدريد وغيرها كانت تداعيات لغزو العراق، وما أحداث تفجير الفندق الاردني من قبل عراقي وزوجته عنكم ببعيد.
كل هذا والعراقيون منشغلون فيما بينهم على وفق الخطة المرسومة بدقة والتي تتضمن ذبحاً على الهوية، وتصفيات دموية غير مسبوقة بمثيل (أكثر من ستمائة وخمسين ألف قتيل في ظرف أربعين شهرا) وعمليات تهجير طالت مئات الالوف غير ما مني به البلد من خراب ودمار، وتقويض تام لكل امكاناته الصناعية والعلمية. ولم يتساءل أحد مع الاسف، اذا كان العهد الجديد الزاهر يقتل من العراقيين أكثر من ستمائة وخمسين ألف كل أربعين شهرا، الا يجب ان يكون ضحايا النظام السابق ستة ملايين وخمسمائة ألفا على أقل تقدير؟ وخلاف ذلك فإن النظام الشمولي الزائل كان أكثر رحمة بالعراقيين من نظام ما بعد التحرير والدمقرطة وعصر النور الاميركي، فهو لم يقتل بأربعمائة شهر ما قتل الاميركان وأعوانهم خلال أربعين شهرا، وهذا ليس دفاعا عن النظام السابق بقدر ما هو معادلة حسابية ضرورية لبلوغ النتيجة (قالها كوفي عنان بشكل أو بآخر وجوبه بموجة عامة من الاستنكار).
وأخيرا جاءت لجنة بيكر لتقرر ما يجب على الرئيس الاميركي فعله من أجل الخروج من المأزق الخطير الذي وجد نفسه وبلاده محشورين في زواياه الخانقة. فكان من بين الاقتراحات التي قدمها، تقصي دور كل من سوريا وأيران في العراق والوصول الى تفاهم ما معهما في محاولة للخروج السليم منه والاكتفاء بالهزيمة غنيمة.
بينما كان ثمة مقترح لم يعلن عنه، ولم تبرزه اللجنة المذكورة، ولكنه خيار مطروح في الدوائر المغلقة، سبق وان كشفت إذاعة بي بي سي الحجاب عنه يتضمن التخلي عن مشروع دمقرطة العراق!
ونعود لنتساءل: إذن لماذا شنت الحرب وغزي العراق واحتل وحول الى مجزرة بشرية حقيقية تتناثر فيها الاشلاء البشرية وتفوح منها روائح الدم والبارود، مع فقدان تام لأي تصور سليم لمستقبله؟ فليس فيه اسلحة دمار شامل، وهو ليس على علاقة ود مع القاعدة وإن العالم صار اقل أمنا منذ الغزو وحتى الان، وان القتل الان فيه أكثر مما كان في عهد النظام السابق، وان دمقرطته صارت من الامور القصية عن الممكن. فهل كان تدمير هذا البلد عبارة عن نزوة طائشة، أم رغبة من الرئيس الاميركي في قضاء وقت للتسلية كما يفعل الفتيان وهم يمارسون الالعاب الحربية الالكترونية، أم لأن السبب الاقوى هو أن الفنانة التشكيلية العراقية ليلى العطار التي قتلها صاروخ أميركي عابر للبحار، كانت قد رسمت صورة بوش الاب على أرضية مدخل فندق الرشيد تداس بأحذية الداخلين والخارجين من والى الفندق، مما يستوجب الانتقام من بلدها لأجل رسمها ذاك؟
ومهما كان الامر، اليس من حق العراقيين، الذين سوف لن يتمتعوا بالديمقراطية المأمولة على وفق مجريات الامور واحاديث ما خلف الكواليس، مسائلة بوش عن دواعي تدميره لبلدهم ومحاولة مقاضاته أمام المحكمة الجنائية الدولية لتقتص منه، و لكي لا يحاول غيره ممن يجد نفسه قادرا على غزو البلدان فرصة سهلة لتكرار فعل الغزو العبثي الاميركي للعراق؟ أما الاميركان وما تكبدوه من خسائر موجعة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فإنهم خير من يطالب باتخاذ الاجراءات بحق المسبب، فذاك شأن أميركي داخلي لا علاقة لنا به. حسن عبيد عيسى