ألمانيا وفرنسا تتمسكان بالنهج التصادمي مع الولايات المتحدة بشأن العراق

برلين- من ليون مانجاساريان
في مطعم «النداء الاخير»

مازالت ألمانيا وفرنسا على نهجهما التصادمي مع الولايات المتحدة وحلفاء أوروبيين رئيسيين بشأن العراق، وذلك في مأزق غاية في الخطورة قد يضعف الامم المتحدة وحلف شمال الاطلنطي (الناتو) والاتحاد الاوروبي والعلاقات بين جانبي الاطلنطي.
وأكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر مرة ثانية الاثنين موقفهما الرافض لسياسة واشنطن، وذلك بالاعلان عن خطة جديدة لنزع أسلحة العراق عن طريق تعزيز الوسائل السلمية المستخدمة في ذلك - ولكن دون تحديد أي مهلة.
وأعلن شيراك "إن الحرب هي دائما أسوأ الحلول".
وطرح الزعيمان خلال لقائهما في مطعم ببرلين يسمى "تسور ليتزن انستانتز" (النداء الاخير)، وهو اسم مناسب تماما لطبيعة اللقاء، هذا الاقتراح ردا على مشروع قرار جديد حول العراق قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وأسبانيا إلى مجلس الامن الدولي.
وقال كل من شيراك وشرويدر أنهما يعارضان مشروع القرار، إلا أن الزعيم الفرنسي تهرب من الاجابة المباشرة على سؤال عما إذا كانت بلاده ستستخدم حق النقض (الفيتو)، واصفا السؤال بأنه "افتراضي". ويمكن لفرنسا باعتبارها واحدة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن إجهاض أي قرار للمجلس بالتصويت "بلا".
غير أنه حتى في حالة استخدام الفيتو لاسقاط مشروع القرار، فإنه يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى مواجهة عسكرية مع العراق، وهو الامر الذي قد يهمش دور الامم المتحدة ويلحق أضرارا كبيرة بمصداقيتها.
فقد أعلن آري فلايشر المتحدث بلسان الرئيس الاميركي جورج دبليو.بوش "إننا على شفا الحرب".
وتعتبر ألمانيا وفرنسا أبرز دولتين أوروبيتين معارضتين للحرب ضد العراق. ومن المرجح أن يؤدي تمسكهما من جديد بهذا النهج إلى زيادة هوة الخلاف مع الولايات المتحدة.
وزادت حدة النقاش بشأن العراق عندما تحولت دفة الحوار لشرويدر الذي ألمح إلى أن الولايات المتحدة تندفع بسرعة إلى الخيار العسكري لانه ليس لديها فكرة عن عواقب الحرب.
وقال شرويدر "ربما كان ما يجعل أوروبا القديمة الطيبة مختلفة عن الاخرين هو أن المعنى الحقيقي للحرب ترسخ في الوعي الجماعي للاوروبيين".
وجاءت هذه الملاحظة بمثابة رد واضح على وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد الذي انتقد ألمانيا وفرنسا ووصفهما بأنهما "أوروبا القديمة".
وكانت علاقات شرويدر مع واشنطن قد تضررت بشدة بسبب جعله لمعارضته الحرب ضد العراق عنصرا رئيسيا في حملة إعادة انتخابه العام الماضي. وجاءت الضربة الكبرى بعد أن شبهت وزيرة ألمانية - استقالت في وقت لاحق - بوش بالزعيم النازي أدولف هتلر. وإثر ذلك التشبيه، قال مسئولون أميركيون أن العلاقات مع ألمانيا أصبحت "مسممة".
ولا يبدو أن هناك فرصة لاصلاح العلاقات بين شرويدر وبوش.
فقد نقل عن مسئول أميركي كبير قوله في مؤتمر الامن الذي عقد في مدينة ميونيخ في وقت سابق هذا الشهر، "إن شرويدر لن يدخل أبدا البيت الابيض ثانية".
وتجعل هذه الحرب الكلامية من الصعب جدا على أي من الطرفين أن يتراجع عن موقفه دون فقد ماء وجهه في هذه الازمة الحالية.
وكما حذر السناتور الاميركي جوزيف ليبرمان في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ فإن "قادة الجانبين عملا دائما في الماضي على إخماد لهيب الكلمات وليس تأجيجها .. أما الان فإن ثمة عواقب للكلمات، أكثر من أي وقت مضى".
وأغضب شيراك الدول الاوروبية الشرقية خلال الاسبوع الماضي، بالتحذير من أن عضويتها في الاتحاد الاوروبي قد تتعطل إذا ما أيدت الولايات المتحدة بشأن العراق. وجاءت هذه الزلة وسط فورة غضب من جانب بعض أعضاء الاتحاد الاوروبي الحاليين إزاء الزعم الفرانكو-ألماني بالتحدث نيابة عن جميع أعضاء الاتحاد الخمسة عشر.
وتساند بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا، وهم أعضاء في الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة في موقفها إزاء العراق. ووقعت 18 دولة أوروبية إعلانين منفصلين بتأييد واشنطن وهو ما أثار حفيظة وغضب برلين وباريس.
وتعنى هذه الانقسامات أن الكلام الكبير عن سياسة خارجية وأمنية مشتركة للاتحاد الاوروبي ربما يكون قد تعرض لاسوأ تراجع منذ تأسيس هذا التكتل عام 1957.
وتتعارض محاولة فرنسا وألمانيا منع العمل العسكري مع مشروع القرار الاميركي-البريطاني-الاسباني، الذي وإن كان لا يفوض باستخدام القوة العسكرية إلا أنه سيعلن انتهاك بغداد لقرار مجلس الامن رقم 1441 الذي يحذر من "عواقب وخيمة" في حالة عدم قيام العراق بنزع أسلحته.
كما أوقع توجه بوش نحو شن حرب ضد بغداد حلف الناتو أيضا في واحدة من أسوأ الازمات التي يواجهها الحلف المكون من 19 دولة منذ تأسيسه عام 1949.
ففي خطوة غير مسبوقة، عرقلت فرنسا وألمانيا وبلجيكا في وقت سابق هذا الشهر الموافقة على طلب لعضو الناتو، تركيا، بالحصول على مساعدات عسكرية وذلك رغم أن أنقرة هي عضو التحالف الوحيد الذي له حدود مع العراق.
ولتخطي العقبة الفرنسية، أحالت الولايات المتحدة القضية للبحث أمام لجنة التخطيط الدفاعي للناتو التي لا تتمتع فرنسا بعضويتها بعد انسحابها من الجناح العسكري للحلف عام 1966.
وبهدوء أسقطت ألمانيا وبلجيكا معارضتهما، إلا أن الندوب مازالت ظاهرة. فقد رددت الانباء أن المسئولين الاميركيين يخططون لتجميد دور فرنسا في اتخاذ القرارات، وذلك بإحالة أي قضايا مهمة مستقبلا إلى لجنة التخطيط الدفاعي.
وقال كريستوفر كوكر، خبير الشئون الامنية في معهد لندن الاقتصادي، "من الواضح أنه خبر غير سار. فإذا ما فشلنا في الاصلاح، فإن التحالف برمته سيكون قد انتهى". وأضاف كوكر أن فكرة أن يتولى الاتحاد الاوروبي الدور العسكري للناتو غير معقولة، وذلك نظرا لرفض أوروبا زيادة الانفاق الدفاعي.
وتنبأ كوكر بأن تدفع الازمة العراقية الولايات المتحدة إلى نزع اختصاصات الناتو، وأن تستخدم ببساطة مستقبلا العناصر أو الاعضاء الذين يلائمون أغراضها.
ولهذا فإن العراق قد يكون القضية الفورية ولكن المواقف المختلفة بشدة بين الولايات المتحدة من جانب وألمانيا وفرنسا من جانب آخر، تعني أن النزاع سيستمر لفترة طويلة بعد نزع أسلحة بغداد.
وتأثرت أربعة من الاعمدة الرئيسية للنظام العالمي خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بهذه الازمة، وهي الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وحلف الناتو والعلاقات عبر الاطلنطي. ولن يكون بالامكان تقدير مدى الضرر الذي لحق بتلك المؤسسات إلا في الاعوام المقبلة.