ألمانيا مهدَّدة بما يتهدَّد إسرائيل!

بقلم: جواد البشيتي

"تهديد إسرائيل، تهديد لنا".
بهذه العبارة، أو الشعار، أو الموقف، استهلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل زيارتها "التضامنية" لإسرائيل، التي يحقُّ لها أن تزهو بنفسها، وتَغْتَر، وأن تمضي قُدُماً في رفضها العملي والفعلي لكل سلام مع الفلسطينيين والعرب لا يُخْرِجهم من مطالبهم وحقوقهم، وحتى من مبادرتهم السلامية، أذلَّة وهُمْ صاغرون.

الكلام لا بدَّ من أن يكون له معنى إذا ما صَدَر عن زعماء دول غربية كألمانيا، وليس عن زعماء دول عربية (كالصومال الممتدة من المحيط إلى الخليج).
ومعنى كلام ميركل أنَّ كل ما يُهدِّد إسرائيل يمكن ويجب أن يهدِّد ألمانيا، التي ليس كل ما يهدِّدها يمكن ويجب أن يهدِّد إسرائيل، فإسرائيل أوَّلاً حتى في الالتزامات السياسة والاستراتيجية لدولة مثل ألمانيا.

وحتى لا نسيء الظن، ونفهم كلام ميركل، أو تهديدها، على أنَّه موجَّه ضدَّنا، ونحن الذين لا نملك شيئاً من مقوِّمات وشروط تهديد إسرائيل غير إصرارنا على التزام السلام معها خياراً استراتيجياً لا محيد عنه، ولو دفاعاً عن النفس.
نقول إنَّ إيران النووية (أو "إيرانيوم") هي وحدها، أو في المقام الأوَّل، التي تستهدفها ميركل في إنذارها هذا، وهي التي تحدَّثت عن برنامجها النووي قائلة: "برنامج إيران النووي لا يمكن أن يستمر"، مع أنَّه لم يتحوَّل بَعْد إلى أسلحة وقنابل، ومع أنَّ إيران ما زالت تزعم أنَّها ضدَّ هذا التحوَّل (لأسباب أخلاقية وإنسانية دينية صرف) ومع بقائه مدنياً سلمياً في غاياته وأغراضه.
ولَمَّا كان هذا البرنامج يتهدَّد الأمن القومي الألماني لكونه يتهدَّد الأمن القومي الإسرائيلي، أسرعت ألمانيا في بناء غواصتين لإسرائيل من طراز "دولفين"، ويمكن أن تبني لها ثالثة، ليصبح لدى البحرية الإسرائيلية ست غواصات "دولفين"، يمكنها حَمْل رؤوس نووية.
الألمان أمَّة عظيمة بكل المقاييس؛ ومع ذلك كُتِبَ عليهم أن يظلوا محكومين بحكومات لا تعرف من البرامج السياسية والاستراتيجية إلاَّ ما يؤكِّد أنَّ عواقب هزيمة ألمانيا النازية لم تنتهِ بَعْد، ألمانياً، ويجب ألاَّ تنتهي، ما دام لدولة مثل إسرائيل مصلحة في أن تظل ألمانيا اليوم تعيش، وإلى الأبد، واقع ونتائج الهزيمة التي منيت بها ألمانيا الهتلرية، وتسعى، في استمرار، إلى التكفير عن ذنوب هتلر "التي لا تُغْتَفَر"؛ وليست "الغواصات"، وكلام ميركل، سوى جزء من "الكفَّارة الألمانية الأبدية".
حتى كلام الرئيس الإيراني نجاد عن "المحرقة اليهودية" يجب أن يتحوَّل إلى مزيد من التضامن الألماني مع "دولة الضحايا"، وكأنَّ كل تشكيك في تلك المحرقة، ولو كان تشكيكاً في بعض تفاصيلها، يجب أن تردَّ عليه برلين بتقريب مزيدٍ من القرابين لإلهها اليهودي الجديد!

ومع ذلك تريد برلين تلبية مطلب بلير، وعقد مؤتمر دولي جديد من أجل السلام ومساعدة الفلسطينيين، في حزيران المقبل، فإذا نجح فلا ينجح إلاَّ في شيء واحد فحسب، هو "تعزيز جهاز الشرطة الفلسطينية، والنظام القضائي الفلسطيني"، وكأنَّ هذا هو كل ما يحتاج إليه إنجاز "حل الدولتين"، فإسرائيل لها الغواصات، وما لا يَقِل عنها قوَّة من الالتزامات السياسية والاستراتيجية الألمانية، وللفلسطينيين مساعدات شرطية وقضائية هي أقل ما يحتاجون إليه من مساعدة دولية.
لقد سَمِعْنا ميركل وهي تُعْلِن أنَّ كل ما يهدِّد إسرائيل يهدِّد ألمانيا، ولم نسمع دولة عربية واحدة تُعْلِن أنَّ كل ما يهدِّد الفلسطينيين يهدِّدها، فكلام عربي رسمي كهذا، ولو لم يتعدَّ حدود الكلام العربي، ما عاد بالأمر المقبول، دولياً وإقليمياً..وعربياً، فالفلسطينيون وقضيتهم، التي مازالت كبيرة في شروط حلِّها على الرغم من كل ما تعرَّضت له تلك الشروط من تصغير، هُمْ الآن مَصْدَر تهديد لـ"الأمن القومي العربي"؛ لأنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل تَنْظُران إلى أي تضامن عربي معهم، ولو كان يقلُّ كثيراً، وكثيراً جدَّاً، عن التضامن الألماني مع إسرائيل، على أنَّه تضامن مع عدوِّهما من "الإرهاب" و"التطرُّف".
والسياسة العربية الرابحة الآن إنَّما هي التي تُتَرْجَم عملياً بمشاركة عربية مباشِرة، أو غير مباشِرة، في تعريض الفلسطينيين لمزيد من الضغوط المختلفة، لعلَّ ما بقي لديهم من رفض لشروط السلام الإسرائيلية يتحوَّل إلى "مَطْلَب"، فيصبح الشرط الإسرائيلي للسلام مع الفلسطينيين مَطْلَباً فلسطينياً، فلا يبقى، بالتالي، من مَصْدَر تهديد لـ "الأمن القومي العربي"!
وكثيراً ما أفضى العجز العربي عن مواجهة الجلاد أو الجاني الإسرائيلي إلى كُرْه عربي للضحية الفلسطينية، يُمْكِن في ظرف ما أن يتحوَّل إلى عداء لها!
ويكفي أن يظل العرب على ما هًَمْ فيه من عجز (أو تعاجز) عن تدارُك ومواجهة مخاطر عدوهم الحقيقي حتى نسمع بلغة عربية فصحى ما أسمعتنا إيَّاه ميركل بلغتها الألمانية!