ألكسندر بوشكين ... أمير شعراء روسيا

رغم الحياة الميسورة الراقية التي كان يعيشها إلكسندر بوشكين فإنه تعاطف مع البسطاء والفقراء من عامة الشعب في روسيا.


الشاعر الروسي أصدر أعمالاً أدبية كثيرة في الشعر والرواية والمسرح في سنوات عمره القصير


بعض قصائد بوشكين مستوحاة من آيات القرآن الكريم

إلكسندر بوشكين مؤسس الأدب الروسي الحديث وشاعر روسيا الأعظم، وكاتب الرواية والمسرح، سُمْي عصرُهُ عصْرَ الشعر الذهبى في روسيا و- أيضاً- عصر النهضة، بعد أن أعاد للّغة الروسية وجودها كلغةٍ أم، في ظل انتشار اللغة الفرنسية بين المثقفين، فاستحق أن يُلقب بأمير شعراء روسيا، وقد اختارت الأمم المتحدة من يوم مولده، الموافق السادس من يونيو/حزيران 1799 بموسكو / روسيا، يوماً للغة الروسية.
ولد بوشكين لعائلةٍ روسية نبيلة في موسكو، وينتمي والده سيرجى لفوفتش بوشكين إلى عائلات بوشكين النبيلة، بينما تنتمي والدته ناديجدا ابنة أوسيب دهاينبال إلى الجنرال أبرام دهاينبال المولود في الحبشة بأفريقيا، وكان أسيراً لأحد الأمراء التابعين للسلطان العثماني، ووقع في الأسر عام 1703، فأرسلوه إلى قصر السلطان في القسطنطينية. وفي عام 1704، أصطحبه السفير سافا راجوزينسكى إلى موسكو، وتم تعميده، فأصبح بطرس الأكبر أباه الروحي، وتربّى وتعلّم تحت رعايته، حتى صار مهندساً عسكرياً وجنرالاً كبيراً في الجيش، ثم تزوج أبرام دهانيبال، وأنجب أوسيب دهاينبال جَدَّ الشاعر.
وبرغم هذه الحياة الميسورة الراقية التي كان يعيشها إلكسندر بوشكين فأنه تعاطف مع البسطاء والفقراء من عامة الشعب في روسيا، فعبّر عن مطالبهم التي تنشد العدالة الإجتماعية ورفض الظلم الإجتماعي، وسعى إلى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتجلَّت هذه الأفكار في قصائده الشعرية منذ بدأ نشرها في سن الخامسة عشر من عمره، ومنها قصيدته "أغنية الحرية" المثيرة  للجدل، والتي أدت إلى نفيه من قبل الإمبراطور إلكسندر الأول، ثم كتب مسرحيته الاكثر شهرة "بوريس غودونوف" في ظل المراقبة الشديدة من قبل شرطة الأمبراطور في روسيا القيصرية، وحكم عليه بالنفي إلى "القوقاز" من 1820 حتى 1822، ثم عاد بعد العفو عنه إلى البلاد، لكنه ظل يكتب ما يرى أنه يعبِّر عن فكره نحو نصرة الطبقة العامة من الشعب، ويذكر أن روايته الشعرية "يفجينى أوينجين" نشرت بشكل مسلسل من 1825 حتى 1832 في روسيا.
وفي عام 1831 تزوج من فتاة جميلة من طبقة النبلاء تُدعى ناتاليا بوشكين، بعد قصة حب عفيفة، توجت بزواج سعيدٍ أثمر لهما طفلين: إليكسندر وغريفورى، واستمر حتى يوم وفاته في العاشر من فبراير/شباط 1837 بسانت بطرسبرج بروسيا، متأثراً بطلق ناري عقب مبارزة بالرصاص بينه وبين أحد أقارب زوجته – ضابط فرنسي يُدْعى دانتى جيكريه قام بمغازلتها، فما كان من بوشكين إلا أن حدد موعداً لمبارزته بالرصاص، وكانت نهايته بعد ثلاثة أيام من إصابته برصاصةٍ أطلقها عليه خصمه هذا على حين غرةٍ.
وقد اتخذ منزله متحفاً أطلق عليه اسمه، وأصبح مزاراً لمحبيه وعشاق أدبه وشعره. 

Poetry
هناك في الأسفل طحالب هزيلة وشجيرات جرداء 

أعماله ومؤلفاته:
أصدر بوشكين أعمالاً أدبيه كثيرة فى الشعر والرواية والمسرح في سنوات عمره القصير، وقد جاءت جميعها باللغة الروسية، بالرغم من إجادته للغتين: الفرنسية والإنجليزية.
وقد تميَّز باتساع معرفته وثقافته ووفرة إطلاعه على الآداب الروسية وغير الروسية، وخاصة الآداب العربية والإسلامية، وقد تأثر بها تأثراً ملحوظاً كما سنبين فيما يلي، كما تأثر – أيضاً – بقراءاته لكل من: شكسبير، كيتس، فولتير، دانتي، جوته، شيلر، بايرون وشيلي، وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من الشعراء والأدباء وأهمهم: الروائي الروسي نيقولاي جوجول (1809 – 1852) والروائي الروسي ليو تولستوي (1828 – 1910) وغيرهما، ويرجع ذلك لما أتى به بوشكين من فكر أدبي ومضمون شعري ولغة معبرة لم تتحقق قبله، ولذلك أطلق عليه النقاد "شاعر كل العصور"، و"شمس الأدب الروسي".
ومن أعماله في الشعر والرواية والمسرح: روسلان ولودميلا (1820) - أسير القفقاس (1822) - نافورة باختشى سراى (1823) – الغجر (1824) - بوريس غودونوف (1825) – قصيدته الوطنيه الملحمية (بولتافا) 1828 - التراجيديات الصغيرة (1830) – بيت فى كولومنا (1830) - قصص بيلكين 1831، - يفجينى أونيجين 1825 – 1832 - ملكة البستونى 1833 - دوبروفسكى 1833 - الفارس النحاسى 1833 - ابنة الضابط 1836 - زنجى بطرس الأكبر 1837.
وقد ترجمت أعماله لعدة لغات، وقال عنه الروائي جوجول: "إن بوشكين ظاهرة خارقة، يمثل الإنسان الروسي في تطوره الذي يمكن أن يكون عليه بعد قرنين من الزمان".
السمات الفنية فى شعره:
يتسم شِعر بوشكين باستلهام الواقع والتفاعل معه، والتعبير عن روح عصره، وقصائده المعيشية، بجانب إجلاء أحلام الإنسان البسيط من خلال إعتزازه بالمكان – أي الوطن – وإنتمائه إليه مستخدماً الرمز والدلالات اللغوية والمعادلات الموضوعية وتأمل قوله في قصيدته "القوقاز"، وقد كتبها في ريعان الشباب في منفاه عام 1822: 
"القوقاز تحتي وحيداً أقف في القمة
فوق ركام الثلج عند حافة التيار المندفع
ونسر قد انطلق عند قمة مقابلة راح يحلق بموازاتي
في مكانه بثبات .. من هنا أرى ولادة الجداول 
وأولى حركات الإنهيار الثلجية الرهيبة
الغيوم هنا تمشي تحتي بوداعه ومن خلالها وهي 
تتساقط تضج الشلالات".
نلاحظ فيما سبق استخدام الرمز الموحي بالقهر والإنكسار في مقابل النسر رمز القوة والخلاص أن يحلق ويتوازى مع المقهورين في محاولة لولادة أمل جديد يتمثل في الجداول التي تتزامن مع ذوبان الجليد القابع ويستطرد الشاعر في القصيدة:
"وتحتها كتل هائلة لجلاميد عارية 
وهناك في الأسفل طحالب هزيلة وشجيرات جرداء 
وهناك أيضاً أدغال، ظلال خضراء، حيث ترفرف عصافير وتجرى أيائل.
وهناك أيضاً يعشش أناس في الجبال
وتزحف نعجات في التيارات الداهمة
ويهبط الراعي إلى الوديان البهيجة
حيث يعدو أرغفاً بين الضفاف الظليلة".
استطاع الشاعر أن يجسد حالة من المجتمع العشوائية الكئيبة عن أناس تعشش في الجبال وسط الحيوانات والاغتراب الذي يدلل عليه هذا الراعي الباحث عن أرغف في وديان كالوحش الفتي.
ثم يقول الشاعر: 
"ويختبىء في ثغر فارس بائس  
حيث يعبث بفرحٍ عارم
يعبث ويئن كما الوحش الفتى
عندما يرى الطعام وهو في قفص من حديد
ويضرب الشاطىء بعدائية عبثية
ويلحس الصخور بأمواج جائعة
عبثاً لا طعام يوجد له ولاسلوى
فالجلاميد الضخمة الصماء تضيق الخناق عليه بشراسة".
فالراعى هنا هو أبناء الشعب المقهور في مواجهة أصحاب النفوذ والسلطة القاهرة ويرمز لها بالجلاميد الضخمة الصماء.

وفي قصيدته "الزهرة" يرتكز على المعادل الموضوعي المتمثل في الزهرة ويفجرها كرمز دالٍ، يكشف لنا عن معادن إنسانية عدة، وعن حالات شعورية مختلفة، يجد القارىء نفسه وكأنه فيها وتأمل قوله:
"زهرةُ يابسةٌ دون شذى / قد نسوها في كتاب
فأثارت شجناً في عالمي وسؤالاً واستضاحْ
كيف عاشت هذه الزهرة يوماً؟ / أي كم بل وفي أي ربيع؟
أي إنسان حواها؟/ أى يدٍ قطفتها / هل غريبة أم قريبة
هل أنا أعرفها أم إنها غابت عليّ / ولماذا سجنوها بين صفحات الكتاب
أهي لذكرى لقاءٍ ناعم / أم لهجران مرير
أم بيأسٍ وضعوها بعد نزهة في الحقول الصامتة بين أفياء الشجر
لست أدري؟!
-    أين مَنْ وضع الزهرة في هذا الكتاب؟ هل على قيد الحياة
-    أين بل أيْنُها في أي أرض؟
-    هل هما في زاوية يبساً بعدها كهذه الزهرة المجهولة الأرض، وهل قد وصلا حتى النهاية."
استخدم الشاعر الرمز والدلالة والمعادل الموضوعي والأسئلة دون إجابة، مع تصوير حالات عدة تشكل احتمالات مجىء الزهرة ومصيرها المجهول، مع نجاحه في ربط ذلك بالإنسان من خلال هذا الختام الرائع المتسائل دون إجابة: هل هما في زاوية يبسا بعدها كهذه الزهرة هو طرح شعري رومانسي يتوحّد بالطبيعة ويحلق بنا في سماء التأمل والفلسفة والربط بين مدركات الوجود وكائناته والإنسان الذي يحياه.
وهي قصيدة من أروع ما كتب بوشكين، وقد تأثر به شعراء كثيرون في أنحاء العالم، وأكاد أجزم أن قصيدة الشاعر المصرى الكبير الراحل أمل دنقل (1940 – 1983) بعنوان "زهور" قد انبثقت عن تأثره بقصيدة الزهرة لبوشكين .. ولمَ لا؟
كما لبوشكين قفزات شعرية مؤثرة فيمن جاء بعده من شعراء حين حدث الأحلام والليل في قصيدتين مهمتين من قصائده معمقا بذلك التيار الرومانسي ومفجراً للمونولوج الداخلي من خلال مخاطبة الآخر المعنوي سواء الحُلْم أو كان الليل. وتأمل قوله فى قصيدة الأحلام:
أيتها الأحلام 
أين حلاوتك ... يا أيتها الأحلام؟
وأين بهجة الليل؟ لقد تلاقت أحلامي
والآن ها أنا مستيقظ لوحدي
والليل الساكن يطوف سريري
على حين غرة
تتسلل الرعشة إلى أحلام حبي 
فتفر منَّي وتختفي بين الحشود
مع ذلك تبقى نفسي تعج برغبات الأحلام 
ويتملكها شوق عارم للإمساك بالذكريات"
فهو يتخذ من الأحلام طرفاً آخر للحوار والفضفضة والكشف عما بذاته، إلى أن يصل إلى مواجهة مع الحب فيخاطبه بقوله:
"أيها الحب 
أصغ لصراخي أيها الحب
وأرسل رؤياك ثانية إلي
وعندما ينبلج الصبح لا توقظنى
بل دعني أرقد رقدتي الأبدية".
طالباً منه ألا يوقظه عند إنبلاج الصبح، تاركاً إياه ينعم بالأحلام لكي يرقد رقدته الأبدية، والتعبير هنا يصل بنا إلى قمة السمو الروحي في معانقة الخيال والرضاء بالسباحة في أحلام اليقظة وخيال الواقع، وهو ليس هروباً بقدر ما هو إيماناً بأن نحيا الحياة في واقعها أو في واقعنا نحن من خلال الحلم أو كل معنوي رحيب.
وهو ما يؤكده – أيضاً – في قصيدته "الليل" مع إختلاف التناول وتباين التصوير فيتخذ من "الليل ملجأ وملاذاً ومن الحبُ محرضاً على الضجيج وإحداث الصوت الذي يغيّر من سكينة الليل وهدوء ساعاته ثم يلجأ إلى استخدام المعادل الموضوعي المتمثل في الشمعة للدلالة على بزوغ الأمل والإضاءة وتحقيق ما يريد إلى أن يصل إلى المحبوبة التي يبصر عينيها تشعان في الظلمة وتلتقي بعينيه، فيرى ابتسامتها ويراها تتحدث إليه وحده، هي بلا شك قصيدة وجدانية رومانسية إنسانية من إبداع بوشكين تخرج لتمهد للشعراء التاليين بعده نهجاً جديداً في الكتابة وتأمل قوله فيها:
صوتي الذي يضفي عليه الحب رقةً وشوقاً
يزعج سكينة الليل الحالم ...
في حين تحترق شمعة قاحلة شاحبة
قرب سريري فتذيب نفسها
من قلبي تنطلق أشعار متسارعة
على هيئة جداول من الحب
تترنَّم، تنشد، ثم تتمازج
تنطلق مليئة بك 
زاخرة بشوق متعاظم
تحيل إلىَ أننى أبصر عينيك
تشعّان في الظلمة
وتلتقيان عينيّ أرى ابتسامتك
وأراكِ تتحدثين إلىّ وحدي هامسة:
أي صديقي! يا أعز أصدقائي
أحبك أنا لك...
خاصتك".
ولبوشكين محاولات قليلة في الكتابة للأطفال ولكنها مؤثرة ومنها قصيدته السماء ويستهلها بقوله:
"السماء تنفست خريفاً
والشمس لمعت خفيفاً."

ويؤكد النقاد عشق بوشكين لكل ما هو عربي أو إسلامي، ومن حجتهم لإثبات ذلك إرتداؤه الزي العربي في حفلة تنكرية بروسيا في عام 1827 و – أيضاً – الأمثلة الكثيرة في أعماله الروائية والشعرية المستهلة من الأدب العربي، ومن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
فقد استلهم عمله الأدبي الروائي الشهير بعنوان "روسلان" و"لودميلا" – 1820، من قراءته لألف ليلة وليلة بعد ترجمتها من العربية. كما أطلع على قصة الوحي وعلاقته بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام فتأثر بها وكتب على غرارها قصيدته "الرسول"، وتأمل قوله:
"ونادانى صوت الله
انهض يا رسول الله
وابصر لبهي أرادتي
وحب البحار والأراضي".
كما كتب تسع قصائد مستوحاه من القرآن الكريم بعنوان قبسات من القرآن كتبت في عام 1826 – وتأم قوله في واحدة منها:
"أقسم بالشفع والوتر
وأقسم بالسيف وبمعركة الحق
وأقسم بالنجم والصباح
وأقسم بصلاة العشاء لا لم أودعك"
وهي مستلهمة من الآيات الكريمة بسورة "الضحى" بالقرآن الكريم "والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى".
ويكمل الشاعر القصيدة نفسها بقوله:
"أحب اليتامى وقرآني 
وأعوذ من شر المخلوقات المستهترة"
وهو ما استوحاه من قوله تعالى بسورة الضحى: "فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر".
وقد أكدت ذلك الناقدة الدكتورة مكارم الغمرى في كتابها الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة بعنوان "في الأدب الروسي".
رحل بوشكين بعد عمر قصير يناهز الثامنة والثلاثين عاما، بيد أنه ترك للأدب الروسي والعالمي تجربة أدبية شعرية وروائية طويلة عميقة مؤثرة ومتجدّدة. ولا بد لنقاد الأدب العربي من الوقوف أمام بحرها ومحاولة الغوص إلى أعماقه وإكتشاف ما به من لآلىء وأصداف.