أكثر من مليوني مواطن سعودي: وداعا للتميز والسلوك الطائفي يا وطني

قبل ذكرى اليوم الوطني بأقل من أربع وعشرين ساعة كنت قادما من معرض الكتاب الذي أقيم في مملكة البحرين بمعية بعض الأصدقاء واقتنيا بعض الكتب ولم تكن بحوزتنا قوارير خمر ولا قنابل متفجرة، وبمجرد أن وصلنا إلى نقطة التفتيش وقبل أن نحيي الموظف بتحية الأمن والسلام ونبارك له حلول شهر رمضان المبارك وذكرى مرور اليوم الوطني باغتنا، وهو مكفهر الوجه، بسؤاله البكر: كم كيس من الكتب في حوزتكم؟
من كرم الله وفضله أن ملامحنا، بحسب نوعية السؤال أعلاه، لم تكن توحي له ولزملائه المفتشين بأننا إرهابيين أو"عفطية"، وإلا لما قابلنا بوجه مكفهر وسألنا عن عدد الكتب التي اقتنيناها من المعرض ومن ثم بلغ عنا، كما يفهم من مسلسل القصة التي سنأتي على تفاصيلها لاحقا، رئيس النوبة ليعد لنا وجبة سحور دسمة لن ننساها أبدا!.
بالعودة إلى سؤال المفتش أعلاه أجابه زميلنا: فقط خمسة أكياس من الكتب الشخصية لا أكثر يا طويل العمر. قال: اذهبوا إلى قسم وزارة الإعلام لإكمال الإجراءات اللازمة. في قسم الإعلام فرش الموظفون الكتب على الطاولة ودققوا في العناوين واحدا تلو الآخر، ومن ثم صادق الرئيس على سلامة العناوين، وأخذنا من سعادته تصريحا بالفسح. إلى هنا والقصة طبيعية جدا، والإجراءات اعتيادية وروتينية أيضا، وخالص شكرنا الجزيل للأخ أبو مشعل (رئيس قسم الإعلام) على حسن معاملته وطيب أخلاقه.
ولكن وهنا بيت القصيد، وبينما كنا نهم بسرعة قاصدين سيارتنا قبل أن يتداركنا آذان الفجر ليتسحر كل واحد منا مع عائلته التي تنتظره بفارغ الصبر، حيث لم يتبق عن الأذان إلا وقت قصير، وإذا برئيس نوبة التفتيش ينتظرنا على الباب بالمرصاد وكأنه عزرائيل!.نعم كأنه عزرائيل لا لشيء سوى لأننا كنا مواطنين شيعة نحمل كتبا ثقافية وفكرية واجتماعية ومن بينها عناوين شيعية ليس أكثر، وبما أن جرمنا هذا فإننا بالنسبة له وفي هذا الوقت نعتبر صيدا سمينا وثمينا لا ينبغي التفريط فيه!
لو كنا مخمورين أو إرهابيين ربما اختلفت المعاملة معنا 180 درجة! مع احترامنا للخمارة والزمارة، بل حتى الإرهابيين لأنهم "أوادم" بالأساس والآدمي له احترامه حتى لو كان مجرما وبغض النظر عن جرمه، وبحسب القواعد الإنسانية يفترض أن يتم التعامل معه بطريقة تليق بآدميته وإنسانيته وكرامته أيضا.
ربما لكوننا شيعة وبحوزتنا بعض الكتب الشيعية، فآدميتنا هنا يلزم أن تكون أقل من غيرنا بدرجتين، على الأقل في نظر الطائفيين، ولابد وان يكون جزاؤنا، عند موظف طائفي بيده سلاح القانون، قاسيا بقدر جرمنا وانتماؤنا ودرجتنا، ولا بد أن يكون هذا العقاب هو وجبة السحور الذي يترقبها كل مسلم لا يفصله عن أذان الفجر إلا ساعة ونصف تقريبا، وباسم القانون حقا أكلناها "علقة" من التنكيل والتنقل بين المكاتب والإجراءات "التطفيشية" وكثرة الأختام والتوقيعات وتعبئة الفورمات من البيانات التافهة والأسئلة السخيفة المكررة. وكل ما طالبنا القائمين على تنفيذ القانون بالتعجيل في الإجراءات حتى لا يضايقنا الوقت كان جوابهم: هذه إجراءات الحكومة ونحن نطبق القانون وإذا لديكم أي اعتراض فاحتجوا على من وضع القانون، وكان من الأجدى بكم أن لا تقتنوا كتبا حتى لا تعرضوا أنفسكم لمثل هذه الإجراءات!
وما أن اقترب أذان الفجر وبعد أن دفعنا غرامة مالية أيضا إلا وفي يدنا معاملة من الحجم الكبير والوزن الثقيل وكانت هي وما سبقها من تنكيل وتطفيش بمثابة الفسح العظيم لإدخال خمسة وعشرين كتابا دينيا وثقافيا داخل أراضي المملكة العربية السعودية بحول الله وقوته.
بالنسبة لي على الأقل، ولمن كان معي من الزملاء ولأكثر من عشرة مواطنين شيعة من المنطقة الشرقية أيضا عاشوا معنا فصول المأساة كلها بسبب ذلك الجرم العظيم، لا يراودني أدنى شك في أن ما قام به رئيس النوبة نابع من حقد طائفي دفين، وكان الغرض من كل هذا النكال والعذاب هو الإذلال والاهانة والتحقير وليس تطبيقا للقانون ولا هم يحزنون، وذلك لثلاثة أسباب أولها أسلوب المعاملة الفض والجاف، وثانيها كثرة الإجراءات وتعقيدها وكأننا قد اصطحبنا معنا كل الكتب التي عرضتها دور النشر في المعرض.والسبب الثالث، ما استشفيناه من كلام وردود فعل بعض الموظفين اللذين كانوا هم أيضا مستغربين ومستاءين من كثرة الإجراءات وكل هذا التعقيد الذي لا داعي له نظرا لعدد الكتب المقتنية، بل أن احد المسئولين وبعد أن بلغناه احتجاجنا واستنكارنا على هذا التعقيد وكثرة الإجراءات قال لنا صراحة "لا علم لي بهذه الإجراءات ويظهر أن هذا القانون صدر قبل ساعة من وصولكم نقطة التفتيش!"
احد المواطنين العشرة المبتلين معنا في المأساة، والذي كاد أن ينفجر من الغيظ كان يقول: أن هذا الموظف الطائفي الذي نكل بنا ووضعنا في دوامة هذه الإجراءات يريد أن يقول لنا وبصراحة لا تصطحبوا معكم ثانية كتبا دينية شيعية، وإن فعلتم ثانية فهذا هو الجزاء الذي ينتظركم، وفي نفس الوقت كان يتمنى من أعماق قلبه لو كانت معنا كاميرا لتصور فصول هذه المعاناة لتعرض مباشرة عبر القنوات الفضائية مع حلقات طاش ما طاش، ليرى العام بأم عينه كيف يعيش أكثر من مليوني مواطن سعودي شيعي معاناة حقيقية حينما يريد احدهم اقتناء كتابا شيعيا من بلد مجاور.
ولنفترض جدلا بان القضية ليست لها علاقة بالنزعة الطائفية وان هنالك قانونا جديدا قد صدر حيال إدخال الكتب الشخصية للمملكة وينبغي أن يطبق على الجميع دون تمييز، فهل يسوغ هذا القانون القائم على تطبيقه من إذلال المواطنين والتنكيل بهم وتعطيلهم والتعامل معهم بجفاء وغلظة بحجة تطبيق القانون؟!الجواب النظري لا، ولكن الجواب العملي مع شديد الأسف يقول نعم وهذا ما يحصل دائما وفي أغلب الدوائر الحكومية.
فيما يتعلق بأساس السلوك الطائفي البغيض ، فانه يشير إلى معضلة أكبر وأعقد من التمييز، وهي مشكلة ترتبط - في ظننا- بمفوهم الكرامة الإنسانية بالدرجة الأساس. فلو كانت كرامة الإنسان في محل تقدير عندنا لما نكلنا به وعطلناه وعرضناه لأي نوع من الاهانة، ولتعاملنا معه بكل احترام وتقدير، وذلك بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه ومذهبه ولغته وجنسيته ومنطقته. ومتى ما فقه المواطن السعودي المعنى الإنساني والوطني لآدمية وكرامة الإنسان سيتلاشى تدريجيا منه السلوك الطائفي، وسيسعى جاهدا لان يحول من نفسه إلى نموذجا راقيا ومن بلده إلى بلد جاذب لكل إنسان على ظهر هذه المعمورة انتقصت كرامته وأدميته وليس العكس.
لولا أننا نعيش ذكرى مناسبة اليوم الوطني، ونكن لوطننا الحب الكبير ونتمنى لكل مواطنيه شيعة وسنة الكرامة والعزة والخير، ولو لا أننا على قناعة تامة بأن وعي المواطن في هذه المناسبة بخطورة التحديات الداخلية المحدقة بوحدته الوطنية وأمنه واستقراره، هو من أهم الواجبات الوطنية التي ينبغي أن تكون هاجسا حقيقيا لدى المواطن والمسئول، وهكذا لولا شعورنا بان هنالك على الأقل أكثر من مليوني مواطن سعودي يتمنون اليوم قبل الغد أن يودع وطنهم التمييز والسلوك الطائفي للأبد، لما أوردنا هذه القصة التي أضحت من القصص الروتينية والمتكررة، والتي ستتكرر في هذا المنفذ وغيره من المنافذ مع مواطنين شيعة آخرين في قادم الأيام، والسبب كما أسلفنا سابقا يعود في الأساس إلى عدم احترامنا لآدمية وكرامة الإنسان. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com