أقليات سوريا بين ناري التطرف والاستبداد

فسيفساء التنوع في خطر

لفت قرار البرلمان الاوروبي السبت الانتباه الى المأزق الذي تعيشه مختلف الجماعات العرقية والدينية في سوريا، ويشير الى أن أعمال العنف المستمرة قد تقضي على الاقليات المستضعفة فيها، ما لم تَقُم الاسرة الدولية باتخاذ المزيد من الخطوات لوقف إراقة الدماء وإيجاد الأسس لمجتمعٍ متنوعٍ وديمقراطي في البلد.

ويذكّر القرار الى تعدد الاثنيات والاديان في المجتمع السوري على مرّ التاريخ، بحيث يضم الآراميين والكاثوليك والأرمن والأشوريين والشركس والتركمان والدروز والسنّة. غير أن القرار استثنى فقط ثلاث مجموعات هي: العلويون والشيعة والإسماعيليون.

وألقى أعضاء البرلمان الاوروبي الضوء على حقيقة مفادها أن العديد من السوريين يتجنبون الانحياز الى أيّ من الفريقين في الصراع خشية من "أنه اذا تمت الاطاحة بالنظام سيكونون مستهدفين من قبل الثوار الجهاديين".

ويدين النص الذي صادق عليه البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ " بشدة العدد المتزايد للهجمات التي يقوم بها المتطرفون من منظمات وأفراد في البلاد"، ويدعو جميع اطراف النزاع الى "الالتزام التام بالقانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان، كما طالب بحماية كل الطوائف المستضعفة في جملة امورٍ، منها السماح بوصول المساعدات الانسانية ورفع الحصار عن جميع المناطق السكنية".

وركّز أعضاء البرلمان الاوروبي على عدد من الحالات الفردية، مثل حادثة قتل الكاهن الهولندي فرنسيس فان در لوغت في مدينة حمص المحاصرة خلال شهر مارس/آذار.

وتناول القرار مستقبل سوريا، فرأى البرلمان الاوروبي أن النزاع يمكن حلّه فقط من خلال "عمليةٍ سياسيةٍ شاملة يتولاّها السوريون بأنفسهم، وبدعم من الاسرة الدولية".

بالاضافة الى ذلك، شدّد القرار على "أهمية مشاركة ومساهمة جميع شرائح المجتمع السوري في هذه العملية، بما في ذلك الاقليات العرقية والدينية، وشدّد على الدور البالغ الاهمية الذي تلعبه الاقليات في الحفاظ على التراث الثقافي الفريد وعلى تقاليد التعايش بين الاتنيات والاديان في سوريا، وذلك بهدف قيام مجتمع حيوي للأجيال القادمة في سوريا".

وتناول القرار السياق الاقليمي الأوسع بحيث عبّر اعضاء البرلمان الاوروبي عن "قلقهم العميق إزاء العواقب الوخيمة التي سيتركها تفتيت سوريا على الاستقرار والأمن في المنطقة، لا سيما في لبنان والعراق".

وعلّق رئيس منظمة الديمقراطية والحرية في سوريا ريبال الأسد على القرار بقوله "إني أرحّب بالبيان الصادر عن البرلمان الاوروبي والذي عبّر فيه عن دعمه القوي لنظام متنوّع وشامل ومعتدل في سوريا، في الوقت الذي أرى فيه ان جميع الاقليات في البلد تمرّ بمرحلةٍ دقيقة. ولكن القرار أغفل بكل أسف ذكر ثلاث مجموعات هامة هي: العلويون والشيعة والاسماعيليون".

وأضاف ريبال وهو ابن عم الرئيس السوري بشار الأسد "أنا واثق من ان هذا الخطأ غير مقصود وليس استبعاداً متعمّداً. صحيح ان جماعات شيعية تقاتل الى جانب النظام، وصحيح كذلك ان كلّاً من العلويين والاسماعيليين قريبون جداً من المذهب الشيعي".

وقال "الرئيس هو بطبيعة الحال علويّ، ولكن اذا أدّى سلوك طائفته الى اضطهاد متعمّد للغالبية المسالمة في هذه الطائفة سيكون ذلك مدعاةً للسخرية. وهذا من شأنه ان يصبّ في مصلحة النظام والمعارضين الاسلاميين فيما يستفيد كلاهما من الانقسام الطائفي المتزايد في البلد وحوله".

وقال ريبال الأسد "إن هذه المجموعات هي بكل بساطة من بين تلك الاقليات السورية التي ينبغي ان نسعى لحمايتها بغض النظر عن انتماءاتها السياسية الشكلية. فمعظمها لطالما أيّدت قيام نظام حرّ وديمقراطي في سوريا، لأنها تدرك ان الديمقراطية الحقيقية هي السبيل الوحيد لحماية الاقليات" .

واستدرك "حيال جنوح المعارضة المتزايد نحو التطرف والتهديد، اضطرت هذه المجموعات و سواها من الاقليات، الى تأييد النظام. هذا ردّ فعل طبيعي في مواجهة الفتاوى الصادرة عن رجال الدين الذين أسموها الكفّار ودعوا الى الجهاد ضدّها (وكذلك ضدّ المسيحيين واليهود)".

وفيما تستمرّ الهجمات على القرى العلوية والشيعية والمسيحية، يتعرّض المدنيون للخطف والقتل. وفي 30 أبريل/نيسان، على سبيل المثال، أعلنت جبهة النصرة عن مسؤوليتها عن تفجير سيارتين مفخّختين في اليوم السابق، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن 79 مدنياً على الاقل في حيّ الزهراء ذي الغالبية العلوية في حمص". وختمت النصرة بيانها بتهديدٍ مشؤوم جاء فيه "نحن نَعِدُ العلويين وجميع الذين يؤيدونهم بالمزيد في المستقبل".

وقال ريبال الأسد "ان استبعاد أي جماعة مضطهدة في اطار هذا النوع من التهديدات لا يخدم مصلحة سوريا والمنطقة واوروبا والعالم بأي شكلٍ من الاشكال".

واضاف "ان النظام السوري بغيض، ولكن لا ينبغي ان يتّخذ الاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي مواقف منحازة على أسسٍ طائفية، كما لا ينبغي ان يقلّل الاتحاد من شأن الارهاب الذي تمارسه المعارضة الاسلامية التي تتبع اسلوباً يهدف الى انشاء خلافةً اسلامية خاضعة لأحكام الشريعة، والى التخلص من كل شخصٍ لا يؤمن بعقيدتها المنحرفة. وهي تستخدم وسيلة لتحقيق هذا الهدف تقضي باستبدال النظام الديكتاتوري في سوريا بنظامٍ ديني. حيال ذلك، يجب ان يتركّز دورنا في الغرب على ضمان قيام نظام ديمقراطي حقيقي في سوريا لدى حصول التغيير".

ولطالما كانت سوريا فسيفساء جميلة تتميّز بالتنوّع الديني والعرقي. ولكن-والكلام لرييال الأسد "عوضاً عن ذلك اصبحت ساحة حرب يسيطر عليها العنف الطائفي. لا يمكن إلحاق الهزيمة بالاستبداد والتطرف إلا من خلال القيم الليبرالية والتعددية الحقيقية. وهذا يعني ان تتمتّع كل الجماعات التي تؤمن بتلك القيم بالحرية، بغض النظر عن وجود افراد من ضمنها لا تؤمن بها. لذلك يُعتبر استبعاد العلويين والشيعة والاسماعيليين من هذا القرار إغفالاً فاضحاً، وانا أحثّ البرلمان الاوروبي على تصحيحه بإسم الدبلوماسية والحرية والديمقراطية".