أقدم مخطوطة عربية للأناجيل في دير بسيناء

القاهرة ـ من سعد القرش
مخطوطة دير سانت كاترين تعود لعام 284هـ

يرجح يوسف زيدان مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الاسكندرية أن تكون النسخة "شبه المجهولة" في دير سانت كاترين بسيناء المصرية "أقدم مخطوطة عربية للاناجيل الاربعة المعتمدة" وهي متى ومرقس ولوقا ويوحنا وتعود المخطوطة لعام 284 هجرية.

وقال زيدان ان المخطوطة تحمل تاريخ النسخ واسم الناسخ على النحو التالي "وكتب الخاطئ المسكين الضعيف الاثيم اصطافنا يعرف بالرملي..وكتب المسكين في أشهر العجم في أول شهر آذار ويكون من حساب سني العالم على ما تحسبه كنيسة بيت المقدس (القيامة المجيدة) من سنة ست آلاف وثلاثمائة وتسعة وثمانين سنة ومن سني العرب في شهر المحرم من سنة أربع وثمانية ومائتين".

وأضاف أن المخطوطة مدونة على الرق (الجلد) بخط كوفي وعدد رقوقها 119 رقاً وهي موضوعة في غلاف خشبي منقوش مكسو بغطاء جلدي مزين برسوم دقيقة وعلى الرق الاخير وقف نصه "بسم الاب والابن وروح القدس إله واحد يكون هذا الانجيل المقدس للدير المبارك عمره الله لا يباع ولا يشترى. وكتب بخطه الحقير ميخائيل المذنب غفر الله خطاياه وخطايا من قرأ وقال..آمين".

وقال زيدان انه اختار هذه المخطوطة ضمن سبع مخطوطات "نادرة" لتصدر في وقت لاحق ضمن سلسلة (المكتبة الرقمية للمخطوطات) عن مكتبة الاسكندرية بهدف اتاحة المخطوطات الاكثر ندرة في العالم على أوسع نطاق وبأفضل صورة "وليكون هذا الاصدار مؤشرا دالا على أهمية مكتبة الدير التي تضم ثلاثة الاف مخطوطة بعدة لغات" يرجع كثير منها الى القرون الاولى للمسيحية والاسلام.

ومن المخطوطات النادرة في دير سانت كاترين والتي سيضمها الاصدار الرقمي (تفسير الاناجيل) وتضم تفسيراً للآيات التى تقرأ في الكنيسة على مدار العام أيام الاحاد والسبوت والاعياد من الاناجيل الاربعة ورسائل بولس الرسول بحسب الترتيب المعمول به في الكنائس السريانية.

وأشار الى أن هذه المخطوطة متآكلة الحواف من أولها واخرها ومكملة بأوراق عليها كتابات يونانية وفي آخرها وقف نصه "هذا ما أوقف العبد الخاطئ الحقير الكثير السيئات القليل الحسنات الغير مستحق أن يدعى انسان (كذا) المحتاج الى عفو ربه..سالم بن الياس بن فضايل بن ثواب بن سالم.أوقفه لكنيسة الاملاك (الملائكة) المعروفة باسم القديس الكبير والشاهد العظيم مار نقولا".

أما مخطوطة (قراءات الآحاد) التي تضم ما يقرأ في الكنائس أيام الآحاد فيقول زيدان انها تقع في 204 صفحات ونسخت بخط نسخ جميل سنة 446 هجرية التي توافق "بحسب ما جاء في المخطوطة سنة 6562 لآدم و1054 ميلادية" وعلى الورقة الاخيرة وقفية نصها "هذا الكتاب وقف على دير طور سيناء فمن أخرجه منه يكون محروم (كذا) وحظه مع يودس (يهوذا الاسخريوطي) خائن السيد المسيح".

وقال زيدان ان هذه المخطوطة أضيفت اليها تفسيرات القديس يوحنا فم الذهب بعد كل فقرة حيث اشتهر هذا القديس بلقبه الذي يعني "ذهبي الفم" بسبب بلاغته وتأثير مواعظه في الناس وله مؤلفات أهمها تفسيراته للاناجيل وأعمال الرسل ويعد أحد اباء الكنيسة البارزين وظل أسقفاً للقسطنطينية حتى وفاته سنة 407 ميلادية.

وتحمل المخطوطة الرابعة عنوان (سلم الفضائل) ويعتبرها زيدان "من أشهر متون التراث المسيحي المتعلق بالرهبنة والديرية" ومؤلفها القديس يوحنا السلمي الذي كان رئيس دير سانت كاترين في القرن السابع الميلادي ولقب بالسلمي نسبة الى عنوان كتابه الذي يعرض فيه للمسيرة الروحية الى الله بحسب المراتب التصاعدية التي عددها ثلاثون "تيمنا بالسنوات الثلاثين التي عاشها يسوع المسيح في الخدمة" واستوحى المؤلف فكرة (السلم) العارج الى السماء من رؤيا النبي يعقوب (اسرائيل) في سفر التكوين "ورأى حلما واذا سلم منصوبة على الارض ورأسها يمس السماء. وهو ذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها. وهو ذا الرب واقف عليها".

وأشار الى أن المخطوطة تبلغ 168 صفحة مؤطرة ومزخرفة ومذهبة بالكامل وفي الورقة "13 أ" صورة للمؤلف وسيرته كما توجد بها لوحة مرسومة على طريقة المنمنمات تمثل السلم الصاعد الى الله ابتداء من موضع الدير حيث رسمت شجرة العليقة بداخلها العذراء ورفات القديسة سانت كاترين تحوطها الملائكة والنبي موسى يخلع نعليه بالوادي المقدس والرهبان الصاعدون السلم الى السماء في حين تسعى الشياطين لإسقاطهم والنيل منهم.

ويقع الدير في شبه جزيرة سيناء ويرى زيدان أنه يبدو من بعيد كأنه هبط من السماء ليستقر بين القمم الجبلية ومن قريب يبدو "كأنه الموضع اللائق بالتقاء السماء بالارض..أكدت الديانات الثلاث هذا الامر" مشيرا الى تشابه آيات توراتية وقرآنية في الدلالة على تجلي الله للنبي موسى هناك.

ففي التوراة نودي موسى هناك "اخلع حذاءك" وفي القرآن "هل أتاك حديث موسى اذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى" و"فقال لاهله امكثوا اني آنست نارا لعلي اتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى اني أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى".

أما نسبة الدير الى سانت كاترين فتعود الى نهاية القرن الثاني الميلادي ففي سنة 194 ميلادية ولدت بمدينة الاسكندرية المصرية الساحلية ذورثيا وآمنت بالمسيحية واتخذت الاسم الكنسي كاترين (كاثرينا) ووهبت نفسها للسيد المسيح ورفضت الزواج ممن تقدموا اليها بمن فيهم الامبراطور وسميت "عروس المسيح". ولقيت حتفها بفصل رأسها عن جسمها أيام الامبراطور ماكسميانوس فاعتبرت من شهداء عصر الاضطهاد ومن القديسات المصريات البارزات.

وقال زيدان ان عصر الاضطهاد الروماني انتهى بعدما اعتمد قسطنطين الكبير امبراطور روما المسيحية ديانة رسمية وبنى كنيسة القيامة في القدس تلبية لمطلب والدته هيلانة التي خاطبها الرهبان القاطنون في الموضع المقدس بسيناء بشأن العناية بالمكان فاستجابت لهم وأقامت كنيسة في موضع الشجرة المقدسة وبرجا حصينا للرهبان سنة 330 ميلادية.
ثم أقام الامبراطور يوستينيانوس في القرن السادس الميلادي عدة مبان وصوامع للرهبان فصار المكان بمثابة مجمع متكامل وموضع مسيحي مقدس.

ويشمل دير سانت كاترين صوامع للرهبان وغرفاً وكنائس ومسجداً ويحيط به سور عال كأسوار القلاع الحصينة أما مكتبته فيقول زيدان انها "تضم من نفائس المخطوطات ما يجعل منها واحدة من أهم المجموعات الخطية في العالم بل يقال انها تأتي من حيث الاهمية في المرتبة الثانية بعد مكتبة الفاتيكان المبهرة".

ومن المخطوطات السبع التي سيضمها الاصدار الرقمي أيضا "ميامر باسيليوس الكبير" أو "سيرة الرهبان وعبادتهم" وهو لاحد أشهر رجال الكنيسة في القرن الرابع الميلادي واسمه القديس باسيليوس الكبير (329-379 ميلادية) الذي قضى السنوات التسع الاخيرة في حياته في رتبة الاسقفية.

وأوضح زيدان ان الميمر يعني الرسالة وان باسيليوس لقب بالكبير تقديراً لاعماله اللاهوتية التي جعلته أحد "أهم قديسي الكنيسة الاولى مع يوحنا ذهبي الفم وغريغوريوس النازينزى" وبلغت مؤلفاته نحو 450 رسالة (ميمر) ونشأ في أسرة مسيحية مرموقة فصار أخواه أسقفين هما غريغوريوس أسقف نيصص وبطرس أسقف سبسطية.