أفغان الجزائر.. من الجهاد إلى الإرهاب

انتقال الحرب الدينية إلى داخل الجزائر

يشمل الجهاد الدفع والطلب، والدفع: هو مقاومة العدو بالسلاح، إذا دخل أرض الإسلام، واحتل منها مساحة ولو قليلة، أو اعتدى على أنفس المسلمين أو أموالهم وممتلكاتهم أو حرماتهم، وإن لم يدخل أرضهم ويحتلها بالفعل، أو اضطهد المسلمين من أجل عقيدتهم، وفتنتهم في دينهم، يريد أن يسلبهم .حقهم في اختيار دينهم، وأن يكرههم على تركه بالأذى والعذاب.

2- جهاد الطلب: هو أن يكون العدو في عقر داره، ولكننا نحن الذين نطلبه، ونتعقبه، بغية توسيع أرض الإسلام أو تأمينها، أو لتمكين الجماهير في أرضه من أن تستمع إلى دعوة الإسلام، فلا بد من إزاحة الحواجز أمام الشعوب حتى نبلغ دعوة الله إلى الناس كافة، أو لتحرير الشعوب من تسلط وجبروت الحكام الطواغيت.

نلاحظ أن القسم الأول هو جهاد الدفع لا اعتراض عليه، وهو محل إجماع كل المسلمين، بل كل الإنسانية، كون الفطرة السليمة ترفض العدوان من الغير والظلم والإذلال وسلب الحقوق والممتلكات. لكن القسم الثاني الذي هو جهاد الطلب يثير اعتراضات عديدة، فقد يفسر على أنه اعتداء على الغير وسلبه أرضه، أو زرع الفوضى بحجة تحرير الشعوب، أو تغيير الأنظمة بالقوة والعنف الذي يقود إلى مفهوم خطير هو الإرهاب الذي علينا ضبط مفهومه.

مفهوم الإرهاب

خلال الجلسة رقم (84) للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بتاريخ 9 ديسمبر (كانون الأول) 1994 تم إقرار التعريف التالي للإرهاب هو: مجموعة الأعمال الإجرامية التي تهدف إلى إثارة حالة من الرعب في الجمهور العام، أو في المجموعات أو الأفراد، لهدف سياسي، هي في أي ظرف من الظروف غير مبررة مهما كانت الاعتبارات، سياسية أو فلسفية أو عرقية أو دينية أو أي أنواع أخرى تساق لتبرير تلك الأعمال.

أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد عرفته على أنه استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي، أو القتل المتعمَّد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به، لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الأبرياء من أجل كسب سياسي، أو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات، لإجبار المدنيين أو حكومتهم للإذعان لأهداف سياسية.

واضح أن كلا التعريفين يدينان ما سماه الشيخ القرضاوي "جهاد الطلب" ويرفضانه، لكن الجماعات الإسلامية المسلحة تبنته وذهبت في العمل به إلى أقصى مدى ممكن.

الآن وقد حددنا المفاهيم التي تؤطر موضوعنا، سنتبع الجزائريين الأفغان في رحلتهم طلبا لجهاد الدفع، ثم عودتهم للوطن تلبية لجهاد الطلب، فمن هم الجزائريون الأفغان؟

تعريف الجزائريين الأفغان

يُحصر الجزائريون الأفغان بالمواطنين الجزائريين الذين تنقلوا أواسط الثمانينيات من القرن الماضي إلى أفغانستان لمحاربة الغزاة السوفيت، تلبية لفتوى الجهاد التي أطلقها الشيخ عبدالله عزام ضد القوى الشيوعية الكافرة حسبه*. ويعد عبدالله أنس أول الجزائريين تلبية للنداء وعملا بالفتوى، حيث نقرأ في كتابه "ولادة الأفغان العرب" تفاصيل اطلاعه على محتوى الفتوى وتنقله إلى مقاطعة بيشاور الباكستانية، ومساهمته في تأسيس مكتب الخدمات الذي يقدم الدعم اللوجستيكي للمجاهدين الأفغان بواسطة الأفغان العرب. بعدها توالت التنقلات حتى بلغت (3000) فرد حسب ما يذكر الباحث محمد مقدم صاحب كتاب "الأفغان الجزائريون من الجماعة إلى القاعدة".

أسهمت جل تيارات الحركة الإسلامية في عملية التجنيد، وبرز الشيخ محفوظ نحناح*، نظرا لعلاقته بالتنظيم الدولي للإخوان الذي دعم بقوة الشيخ عبدالله عزام في دعوته، وكانت ولايات سيدي بلعباس والوادي وبسكرة هي الولايات الأساسية للتجنيد.

أسباب تشكل ظاهرة الأفغان الجزائريين

إن الجهاد الذي يعني دفع العدو هو مترسخ في الضمير الجمعي للمسلمين، غير أن الاستجابة القوية لنداء الجهاد في أرض بعيدة هي أفغانستان، كانت لها أسبابها المباشرة وأخرى غير المباشرة. فالمباشرة تمثلت في الزخم الإعلامي العربي والغربي الذي رافق الحرب الأفغانية، من قنوات وإذاعات وكتب ومجلات، وأشرطة سمعية يضخها المعسكر الغربي متمثلا في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ومعه دول الخليج التي قدمت الاتحاد السوفيتي في صورة المحتل الملحد الذي يشكل خطرا على الأديان. أيضا تسهيل عملية الالتحاق والتنقل عبر منظمات دعوية وخيرية وإغاثية، محلية ودولية، كذلك تبني الحركة الإسلامية في الجزائر للقضية الأفغانية والترويج لها في المساجد والأحياء من خلال الفعاليات الثقافية المختلفة.

أما الأسباب غير المباشرة، فتشمل الشق السياسي، حيث بوفاة الرئيس هواري بومدين سعى خلفه الشاذلي بن جديد إلى القضاء على الإرث الاشتراكي، بالانتقال تدريجيا إلى النظام الليبرالي وخلق جسور تواصل مع المعسكر الغربي، أيضا أفسح المجال للحركة الإسلامية للنشاط العلني في المساجد وغيرها. وتشمل الشق الاقتصادي، حيث بداية من سنة 1982 بدأت أسعار البترول في التهاوي، مما أثر سلبا على الطبقة المتوسطة المرتبطة بالقطاع العام، وارتفعت مستويات البطالة بين الشباب، وبرز الفقر الذي يعد من عوامل الدفع باتجاه الحاضنة الإسلامية التي تعد بالتغيير للأفضل.

طبيعة الجهاد في أفغانستان

يعد الشيخ عبدالله عزام الأب الروحي للأفغان العرب، كونه دشن الجهاد العربي في أفغانستان وفق مبدأ الحياد، الذي يعني عدم مساندة أي فصيل أفغاني مسلح على حساب آخر. استوجب هذا المبدأ عدم خوض معارك مسلحة، والاكتفاء بتقديم العون الإغاثي والإصلاحي والدعوي لكل الشعب الأفغاني دون تمييز، من بيشاور الباكستانية حيث مكتب الخدمات الذي تأسس أواخر عام 1984 ، وتولى فتح معاهد ومدارس داخل أفغانستان، كما فتح معاهد دينية للأفغان الذين فروا من أفغانستان، وكان عددهم يقدر بثلاثة ملايين. وبالنسبة للبعد الإغاثي، تولى المكتب كفالة الآلاف من الأيتام والأرامل، وإدخال الأدوية أو الأغطية أو الملابس أو الأموال إلى جبهات القتال.

إن إدخال المساعدات إلى الجبهات يتطلب قوافل يتم تجهيزها من بيشاور لتقطع مسافات طويلة حتى وصولها إلى هدفها. سوف نركز على قافلة عبدالله أنس وبالضبط القافلة التي سيرها أوائل سنة 1986، لما لها من أهمية في إبراز بدايات الجهاد المسلح للأفغان العرب، من خلال أسماء سيكون لها دور أساسي في التحول نحو العنف والإرهاب.

يروي عبدالله أنس أن الشيخ عزام كلفه كالعادة بنقل المساعدات إلى شمال أفغانستان، حيث وادي بانشير (مركز الشاه مسعود)، لكن هذه المرة سيرافقه بعض الشباب العربي لغرض دعوي وتعليمي ولم شمل الفصائل الأفغانية. هنا تقدم الجزائري قاري سعيد من عبدالله أنس وطلب الالتحاق قائلا: إذا لم تأخذني معك إلى الشمال فسأترك الجهاد لأنني مللت من بيشاور. وإذا تركت الجهاد فإنك المسؤول أمام الله. يقول عبدالله أنس: فأخذته معي بغير اقتناع.