أفريقيا السَّوداء... تريد مسيحها مِن لونها

العقائد تتماهى ببيئاتها

يقول هوبير ديشان، مؤلف كتاب "الديانات في أفريقيا السوداء": "حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كل أرجاء أفريقيا عشرين ألفاً من البيض، وبضع مئات من العبيد، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في أفريقيا السوداء، إذا استثنينا نقطاً ضئيلة على الساحل". فما الذي حدث ودفع بأفريقيا التي كانت تعرف بـ"قارة الإسلام" لأن تفتح عقلها وقلبها لدعوات التبشير المسيحي، بحيث يكاد عدد المسيحيين فيها يقارب عدد المسلمين أو ربما يزيد في بعض الروايات؟. وتجدر الإشارة هنا إلى وجود إحصاءات متضاربة بشأن تعداد الأفارقة وفقا لمتغير الدين. فيشير أحد المصادر عام 2002م، إلى أن عدد المسيحيين يصل لنحو (376) مليون نسمة، في حين يبلغ عدد المسلمين حوالي (330) مليون نسمة. ومع ذلك، يشير تقرير آخر في مايو 2009م إلى أن عدد المسلمين يبلغ نحو (371) مليون نسمة، بينما يقف عدد المسيحيين عند (304) ملايين نسمة.

اكتسبت أفريقيا أهمية كبرى في النشاط التبشيري العالمي نظراً لتزايد أهميتها الجيوستراتيجية، وتزايد عمليات التدافع الدولي عليها منذ نهاية عصر الاستعمار، وتشكل الدول الحديثة في بداية أعوام الستينيات من القرن الماضي. وقد أحدثت زيارة البابا بول السادس لأفريقيا عام 1969م آثاراً لا يمكن إنكارها في مسيرة نشر العقيدة المسيحية في أفريقيا. ولعل التطور الفارق هنا هو التأكيد البابوي على أفرقة المسيحية، حيث خاطب الجماهير المحتشدة في كمبالا قائلاً: "إن عليكم تبني عقيدة مسيحية أفريقية". كما أن زيارات البابا يوحنا بولس الثاني المتعددة لأفريقيا.

الاتجاه الأول: أفرقة اللاهوت

يحدد كابلان الوسائل التالية لتجاوز العقبات الثقافية التي واجهت الحراك التبشيري القديم في أفريقيا:

(1) التسامح: لعل أحد التحديات الكبرى التي واجهت العمل التبشيري في أفريقيا ارتبطت بتمسك الأفريقي ببعض العادات والطقوس التقليدية مثل تعدد الزوجات؛ الذي رفضته نظريا معظم الطوائف المسيحية، وكذلك ممارسة طقوس الولادة وسقوط الأمطار والجنازات. كان على الكنيسة أن تغض الطرف عن نصوصها المقدسة وتقبل بقيام المسيحي الأفريقي بهذه الممارسات التقليدية.

(2) الترجمة: لقد كانت مسألة اللغة حاسمة في عملية التواصل ونقل المفاهيم والمعتقدات المسيحية، مثل "الروح القدس" و"الثالوث" و"المسيح" وهلم جرا. يعني ذلك أن الحركة التبشيرية واجهت منذ البداية تحديا كبيرا، وحاجة ملحة لتقديم معاني هذه المفاهيم في سياق التغير الثقافي، وهو ما جعلها تقع في موقع القلب من عملية الاندماج الثقافي التي ابتغتها الكنيسة في أفريقيا.

(3) الاستيعاب والتنصير: الاستيعاب هنا، وفقا لكابلان، يرتبط بعملية أفرقة الطقوس المسيحية، أي إعطاءها معنى أفريقيا؛ أما التنصير فإنه يعني اتجاها مغايرا: إنه يعني إعطاء طقوس الأفارقة معنى مسيحيا. ولا شك أن كلا الاتجاهين يفضيان إلى نتيجة واحدة، لأن المنتج النهائي كان دائما يتمثل في الدمج بين القديم والحديث.

وعلى الرغم من تلك المحاولات النظرية والدراسات العلمية التي سيطرت على علم التبشير الكنسي لصياغة لاهوت أفريقي يحقق تطلعات الاندماج الثقافي والتأقلم، فإن الممارسات الواقعية والعفوية للأفارقة المتحولين إلى المسيحية قد لا تتفق بالضرورة مع هذه الرؤى المثالية.

دور الكنائس الأفريقية المستقلة

لقد سبقت عملية أفرقة اللاهوت التبشيري في أفريقيا عمليات احتجاج أفريقية كبرى على هيمنة المنظور المعرفي الغربي في إطار فلسفة وحركية التبشير الكنسي في أفريقيا، ولاسيما خلال مرحلة الاستعمار. وعليه، فقد وجدنا في أدبيات المسيحية في أفريقيا ظاهرة تأسيس الكنائس المستقلة أو المحلية، وهي التي انفصلت عن الكنائس التبشيرية الغربية مطلع القرن العشرين.

وتكثر في نيجيريا الكنائس "المستقلة" التي لا تتبع بالضرورة الكنائس الأنجليكانية أو المعمدانية في الغرب، وتسمى هذه الكنائس بـ"كنائس الأدورا" Aladura. ويزعم أساقفتها الأفارقة أنها "جاءت استجابة لإلهام إلهي مقدس". ومن بين كنائس "الأدورا": كنيسة المسيح الرسولية التي تعتمد الصلاة علاجا وحيدا للمرض، وكنيسة المسيح السماوية، وكنيسة الإنجيل لحياة أكثر عمقا.

دور الكنائس المشيخية Pentecostalism

تمارس هذه الكنائس -على تنوعها وتعددها- دورا مهما ومتطورا في المد المسيحي الذي تشهده القارة الأفريقية. ونستطيع تحديد ثلاثة أنماط رئيسة من هذه الكنائس، على الرغم من إمكانية التداخل فيما بينها: المشيخية الكلاسيكية، والمشيخية المستقلة، والمشيخية الجديدة. ومن الملاحظ أن هذه الكنائس وإن ارتبطت بالمسار العام للحركة المشيخية الكنسية، فإنها حاولت تقديم إجابات أفريقية للتساؤلات النابعة من السياق المحلي، وذلك وفقا للفهم الأفريقي للكتاب المقدس.

وخلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، وتحت تأثير ثورة الاتصالات والمعلومات بفعل قوى العولمة الجديدة، ظهر نمط جديد من الكنائس المشيخية، ولاسيما في المدن الأفريقية الكبرى. أضف إلى ذلك فإن الأزمة الاقتصادية التي عانت منها أفريقيا في عقد الثمانينيات، بفعل سياسات التكيف الهيكلي وانتشار الصراعات العنيفة والمسلحة، دفعت بالأفارقة من الناحية النفسية إلى التعلق بالقضايا الروحية واللجوء إلى الدين طلبا للخلاص.

امتلك النيجيريون موقع الريادة في التأسيس لهذه الكنائس المشيخية الجديدة، التي سرعان ما افتتحت فروعا جديدة لها في بلدان أفريقية أخرى، مثل غانا والكاميرون وجنوب أفريقيا. ومن الوسائل المستخدمة في نشر رسالة هذه الكنائس بين الأفارقة: التدريب المباشر للقساوسة ورجال الدين، ونشر وتبادل الكتب والمطبوعات الدينية وأشرطة الفيديو والأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية.

ويلاحظ أن هذه الكنائس المشيخية -على تنوعها- قد تأثرت في بنيتها الإدارية واللاهوتية بالتراث والتقاليد المشيخية الأمريكية، كما أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التي أسهمت في دعم عملها التبشيري ونشر رسالتها المقدسة ومن ذلك:

- تأسيسها وفقا لمعايير التنظيم الإداري. فالكنيسة هنا تخضع لشخص المؤسس الذي يشبه رئيس مجلس الإدارة، وذلك بالرغم من وجود مجلس أمناء، وهي تقوم بإنتاج وتوزيع السلع الدينية وغير الدينية بما يحقق لها الربح المادي.

- إعطاء مكانة متميزة للمرأة، حيث نجد المرأة على قائمة التدرج القيادي لهذه الكنائس. فضلا عن ذلك تستطيع المرأة أن تخلف زوجها في قيادة هذه الكنيسة.

- توكيد الطابع الاقتصادي للكنيسة. فقادة هذه الكنائس من النخب المتعلمة ويحظون بظهور إعلامي قوى. كما أنهم ينغمسون في عديد من الممارسات التجارية التي تتجاوز إنتاج وبيع السلع ذات الطابع الديني. وتمتلك الكنيسة إمبراطورية إعلامية تسمى ميديا دوف Media Dove حيث تشارك في الأقمار الصناعية والإنترنت والبث التلفزيوني والإذاعي، وكذلك إنتاج وبيع أشرطة الفيديو المنزلية.

- إقامة فضاء جغرافي مستقل يخضع للكنيسة. ففي الحالة النيجيرية -على سبيل المثال- تقوم الكنيسة المشيخية بشراء مساحة كبيرة من الأرض، قد تصل إلى نحو عشرة كيلومترات مربعة، وبناء مجموعة من المرافق عليها مثل القاعات الكبرى والمدارس ودور الضيافة والمدن الجامعية والفلل الرئاسية (لكبار الشخصيات مثل السياسيين) والبنوك ومحطات الغاز والمستشفيات.

لا شك أن هذه المخيمات الدينية تشكل في كثير من الأحيان "مدنا بديلة". وعادة ما يتم الترويج لرسالة هذه الكنائس من خلال الأنشطة والطقوس الدينية التي تتم على أساس دوري متكرر ومنتظم. فضلا عن ذلك، فإن هذه المخيمات توفر أماكن للشركات التجارية لتسويق منتجاتها وخدماتها في مقابل رعاية بعض البرامج الدينية والتبشيرية التي تقوم بها الكنائس. وبالمثل، فإن السياسيين على المستوى الإقليمي والوطني يقومون بزيارات متكررة إلى هذه المخيمات لإظهارمدى تدينهم، والتشاور مع زعماء الكنيسة من أجل الحصول على دعمهم في التصويت والتماس التعاطف الشعبي.