أغنية التم العراقية

التم والهم

بقلم: د.محمد حسين حبيب

قدمت لنا الشعبة المسرحية في مديرية النشاط المسرحي في بابل وعلى مسرح المديرية نفسه مسرحية "أغنية الهم والهم" اعداد واخراج الفنان ثائر هادي جباره، واضطلع بتجسيد الشخصية الرئيسة فيها الفنان حسن الغبيني، وبمشاركة فنانين آخرين وهم غالب العميدي ومحسن الجيلاوي وعلي حسن علوان والمخرج نفسه ايضاً.
والاصوات اوس جميل حميد وكرار عدنان، الاضاءة للفنان سراج منير والديكور خولة الحسيني ومونتاج علي محمد صبار.
ويصنف العرض من نوع المونودراما، حيث تسيدت الشخصية المحورية التي أداها الفنان الغبيني على مساحة العرض واحداثه وتحولاته الدرامية برغم وجود شخصيات ثانوية اخرى اسهمت في تدعيم المحور الفكري الاساس وسندته في انطلاقته الاستذكارية لمحطات لاحقة شكلت القيمة الثيمية لخطاب العرض برمته .
ويحيلنا عنوان المسرحية مباشرة الى مسرحية "اغنية التم" للكاتب الروسي انطوان تشيخوف التي كتبها في ديسمبر 1887م وكان العنوان الروسي ذاك ينطوي على استعارة مقصودة كما يذكر صبري حافظ " فالمعروف ان هذا الطائر الخير الجميل لايغني ولكنه اصطلاح استعاري يقصد به الشهقات الاخيرة في حياة هذا الطائر الجميل..اصطلاح يطلق على اخر ما في حوزة الانسان من قوى على استغاثته الاخيرة التي يجمع فيها كل ما لديه من طاقة على العطاء".
واكتشف العجوز فاسيلي في نص تشيخوف ضياع خمسة واربعين عاماً من حياته هباءً ليصل الى اكتشافه الوهم والمجد الزائف وهو يستذكر محطات فنية من حياته وعلاقاته فضلاً عن تذكره لشخصيات مسرحية عريقة مثل الملك لير وهاملت وعطيل، لها خيوط اتصالية فكرية موحدة برغم تعدديتها.. في حين ان استذكارات بطل اغنية الهم كانت قد اعتمدت الطريقة ذاتها لشخصيات مختلفة من مسرحيات عراقية ـ حلية شكلت محطات معد المسرحية ومخرجها نفسه لكن باختلاف صعوبة ايجاد الرابط الفكري الموحد بين هذه الاستذكارات العشوائية .
سقت هذه المقدمة عن "تم" تشيخوف كي اصل الى "هم" جباره كعنوان لمسرحيته؛ فالفارق مابين العنوانين كمقارنة اولى، هو حرف الهاء الذي وضعه المعد بعد ان حذف حرف التاء الأصل.. وجاءت اضافته لكلمة "الهم" المكررة توكيداً لتتابعية همية ذاتية سكنت ذات مخرج المسرحية ولما تزل مستمرة.
إذن.. الاحالة التناصية لا فكاك عنها. وان هذا النوع من العنونة يدرج ضمن التقسيم العناويني الذي يورده محمد فكري الجزار في كتابه "العنوان وسيميوطيقا الاتصال الادبي" وهي تقسيمات عديدة نذكر منها العنوان الاهدائي، والعنوان المحايد، والعنوان المركب وغيرها من العناوين المؤشرة والدلالية.
لكن ما يهمُّنا هو ادراج عنوان "اغنية الهم والهم" تحت صنف "العناوين التلميحية" حيث تتبع هذه العناوين بشكل مباشر لأعمال اخرى، لفنانين آخرين، لأحداث تاريخية وغير ذلك، فهي تربط العمل بامور خارجية محدودة، وان علاقة العنوان بامور من خارج العمل تمنحه اهمية فنية معتبرة.
ويحدد جينيت ثلاث وظائف للعنوان هي تعيين العمل، وتعيين محتوى العمل، وجذب الجمهور. وهذه الوظيفة الثالثة استند اليها معد المسرحية وذلك لارتباطها بالوظيفة الايحائية للعنونة، "فهناك عناوين لها ايحاءات تاريخية، او ايحاءات خاصة بالجنس الادبي، كاستخدام اسم بطل مشهور" او ملحمة معروفة او مسرحية ذائعة الصيت ضمن مقطع اضافي في العنوان نفسه.
وهذا ما ينطبق مباشرة على عنوان هذه المسرحية "اغنية الهم والهم". فلم يكن عنواناً شديد الافتقار لمعنى ما، ولم يكن ايضا بخيلاً بالمعطيات او محدداً من ناحية دلالية وكمية، بل كان عنواناً جديداً رغم تناصه الواضح .
يبدأ العرض باستخدام لغة السينما في المسرح. حيث نشهد شاشة سيمية تحتل خلفية فضاء الخشبة تبث لنا شريطاً سيمياً عبر الداتاشو يظهر فيه شخصاً جالساً وسط صالة مسرحية فارغة هو غير بطل المسرحية الفعلي الذي يظهر لنا بعد ذلك.
لكن قبل الخوض في ذلك لابد من الاشارة هنا الى استخدام لغة السينما في المسرح العراقي.
وبحسب اشارة ستار عبد الله حيث بدأ هذا الاستخدام مع مسرحيتي الغزاة لعلي الشوك ومن اخراج محسن العزاوي والمتنبي لعادل كاظم واخراج ابراهيم جلال.
ويشير ايضاً الى استخدامها عالمياً قبل ذلك وتحديداً في المسرح التشيكسلوفاكي وفي مدينة براغ خاصة، توجد مسارح خاصة بالعروض المسرحية التي تدخل السينما كعنصر اساس فيها.
وجاء ذلك في متابعته المسرحية عن مسرحية "الامس عاد جديدا" التي اخرجها الفنان فتحي زين العابدين عام 1982 م على مسرح الرشيد، فكان استخداماً عراقياً مهماً ورائداً لهذا النوع الذي زاوج فيه المخرج بين عالمين عالم الشاشة وعالم المسرح .
وبعد المشهد السيمي هذا في مفتتح مسرحية اغنية الهم. وبعد حركة الكاميرا الدائرية ننتقل الى فضاء الخشبة والصالة كليهما، لنشهد وثائقية تسجيلية للافتات وبوسترات واعلانات لمسرحيات عراقية ـ حلية، من تلك التي اسهم فيها واخرجها معد المسرحية تتوسطها صورة للفنان الراحل د.عوني كرومي بوصفه المرشد الروحي لبطل المسرحية، فضلاً عن هاون كبيرة شكلت العلامة الكبرى في فضاء العرض وقد تكون هي البئر الذي يستخرج منه المعد ذاكرته واشياءه الاخرى.
وتدلنا هذه العلامات المسرحية الى خزين الذاكرة والى استذكارات معد المسرحية ومخرجها لمجموعة من المشاهد المسرحية والحكم والامثال والقصائد الشعرية والمقولات المأثورة. الرابط فيها هو الهم والمعاناة وضياع وسيلة اتخاذ موقف ازاء كل الذي جرى، ويجري الآن ولاحقاً .
السؤال أيكفي هذا المقدس/المسرح وسيلة، كي يواجه به العرض كل هذا الخراب الحياتي/ اليومي/ النشاز/والضياع وقلق انتظار المجهول؟

ورغم اننا نشعر احيانا بعشوائية الاستذكار والانتقال من حالة الى اخرى وموقف لآخر، الا ان العرض حاول بهذه العشوائية ان يقودنا الى التنظيم؛ الى صرخة العرض الموجهة ازاء من يفترض ان نصرخ جميعنا في وجهه.
لقد حاول الفنان ثائر هادي جباره ان يجمع ما بين ذاكرته الذاتية، وذاكرتنا الجمعية، علَّ الذاكرتين تتوحدان ضمن قداس مسرحي واحد. وازعم انه حقق ذلك وتلمسناه في اكثر من موقف وحالة تذكر.
وبرغم وجود تكرارات ادائية احيانا في الحركة ومعناها الدلالي تلك التي جسدها بصدق مسرحي الفنان حسن الغبيني، او ثائر هادي وكالة ـ وهذه التكرارت قادتنا الى لحظات متقطعة من الملل او الضجر المسرحي ـ الا انه تشبث بان يجمع قواه الحركية والحسية عبر تحولات انفعالية مدركة لفعلها الخارجي والداخلي على حد سواء .
ولم يقتصر سيناريو العرض في ذاكرته على الملفوظ الحواري حسب، بل تعدى الامر لاختيار المؤثرات الصوتية والموسيقية حيث اختارها المخرج من ذات الحاوية الاستذكارية، فهي من افلام سينمائية ومقطوعات موسيقية قد غادرتها الذائقة الثقافية الجمالية على المستوى الاغلب بل أُشيع توظيفها في مسرحيات عراقية عديدة.
لكن القصدية في الاختيار كانت هي الدافع الاساس وراء كل هذا الاختيار بهدف الاستماع لأغنية مسرحية عراقية خالصة يكتنفها الهم والهم المسرحي دون سواه .