أعينوا النظام كي لا تغرق السعودية

بقلم: محمد الشيوخ

الجمود السياسي في السعودية هو نتيجة طبيعية لثلاثة عوامل رئيسية: الأول عدم وجود رغبة حقيقية أو إرادة جدية لدى النظام السياسي في إجراء إي شكل من أشكال الإصلاحات السياسية الشاملة، ولو بشكل متدرج، والثاني عدم وجود قدرة كافية لدى مختلف القوى والتيارات الإصلاحية في الداخل السعودي على إقناع النظام السياسي أو دفعه للسير في هذا الاتجاه، والعامل الثالث، هو تراخي ضغط الإدارة الأميركية، التي تبنت بعد أحداث سبتمبر الدفع بالسعودية باتجاه إجراء بعض الإصلاحات في السعودية، وذلك كي لا يتكرر الحدث أو ما يماثله ثانية.
فيما سبق ثبت لإدارة واشنطن أن غياب مفاهيم الديمقراطية في السعودية ذات الصلة بالعناية بحقوق الإنسان، والحريات الدينية، وتهيئة الأرضية المناسبة للمشاركة الشعبية، كان واحدا من أهم وأكبر مسببات أحداث سبتمبر/ايلول 2001. على اثر هذه المعرفة تم الضغط على السعودية سابقا لإحداث تغيير ما، ولكن، وكما يظهر، أن ألم أحداث سبتمبر/ايلول قد تلاشى، فتلاشت معه ضغوط واشنطن على السعودية أيضا.
على أي حال، على الجميع أن يدرك أن غياب مفاهيم الديمقراطية في السعودية، يؤدي بطبيعة الحال، إلى جمود الحياة المدنية والسياسية على حد سواء. هذا الجمود، بل لنقل بصورة أدق، حالة الشلل السياسي التي تعيشها السعودية يلقي بظلاله السلبية على المجتمع بكافة قواه الإصلاحية، كما أنه سيؤخر البلد للوراء لعقود إضافية، وفي ذات الوقت سيضعف من قوة الحكومة عن معالجة أزماتها بشكل أكبر مما هي عليه حاليا فيما استمر هذا الشلل على هذا النحو.
إن إيقاف أو تأخير تجربة انتخابات المجالس البلدية بحجج واهية، يأتي كترجمة فعلية للجمود أو الشلل السياسي التي تعيشه السعودية، بل هو عرض طبيعي للمرض العضال السابق!
الحالة الطبيعية لأي نظام سياسي لا يستمد قوته من المشاركة الشعبية أن يجنح للتغيير بدوافع ذاتية، وإذا لم يستطيع القيام بهذه الوظيفة فهو نظام سياسي عاجز، إما بسبب شيخوخته أو لأسباب أخرى لا داعي للتوقف عندها هنا.. حينما يصبح النظام عاجزا، فهو بحاجة إلى دوافع أو محركات إضافية، وهي على نوعين: داخلية تنبع من ديناميكية الشعب بمختلف قواه الإصلاحية، التي تدفع بالنظام للاستمرار في طريق الإصلاحات السياسية دون توقف.
والنوع الثاني من المحركات، هي محركات خارجية تتولد عادة من ضغوطات القوى الخارجية لأسباب تعود بالدرجة الأولى لمصالحها الذاتية، أو المصالح المشتركة في المقام الثاني، وليست لمصلحة النظام أو لمصلحة محلية بالمقام الأول.
حقيقة ألأمر، أن كل القوى الوطنية الإصلاحية في المجتمع السعودي غير راغبة في أن يصل نظامها السياسي إلى حالة من العجز في إحداث التغيير أو السير قدما نحو الإصلاحات إلى درجة أن يجد نفسه –لا سمح الله- يستجدي القوى الخارجية، لان ذلك سيكلف النظام والبلد ككل ثمنا باهظا وكبيرا، وذلك لان القوى الخارجية عادة تبحث عن ثمن مقابل لأي تغيير تكون هي طرف فيه لأنها ليست جمعيات خيرية تتصدق على الشعوب والأنظمة قربة لله، وفي المقابل أيضا أن حالة العجز أو الشلل الذي يعاني منه النظام السياسي بحيث لا يقوى على اتخاذ خطوات إصلاحية تدفعه نحو الأمام، هو أمر لا يريح كل القوى الإصلاحية الوطنية في الداخل السعودي.
الخيار العقلاني والصحيح للنظام السياسي في أي بلد يعاني من الشيخوخة أو من الشلل السياسي أو أي تحديات أخرى، أن يعتمد على قوة وفاعلية الشعب، وهذا يتطلب تهيئة الأرضية المناسبة للمشاركة الشعبية الواسعة، ولو بشكلها المتدرج والمحدود مبدئيا. إشراك الناس ليقرروا مصيرهم ويرسموا مستقبلهم، هو المخرج الطبيعي من حالة الشلل السياسي لأي نظام يعاني من الترهل والعجز، وهو الذي سيجعل البلد فاعلا وقادرا على معالجة مشكلاته وتطوير ذاته والخروج من أزماته. وانتخابات المجالس البلدية التي شهدتها السعودية مؤخرا هي الوعاء الملائم للتأسيسي لبداية فاعلة في المشاركة الشعبية.
وفق تشخيصنا السابق للأطراف المسببة للجمود السياسي في السعودية، قد يطالبنا أصحاب نظرية الواقعية السياسية، بعدم تحميل طرف دون آخر أسباب عملية الانسداد في هذا البلد، وإنما يفترض أن يتم تحميل الأطراف الثلاثة السابقة، وإن بنسب متفاوتة، فإذا كانت السلطة السياسية على سبيل المثال تتحمل ما نسبته 70% من مسؤولية الجمود، فأن القوى السياسية الإصلاحية تتحمل 20%، في حين أن الدول الحليفة والصديقة وعلى رأسها أميركا تتحمل الـ 10% الباقية من سبب هذه الأزمة.
بعيدا عن مناقشة هذا الرأي الذي قد نتفق أو نختلف معه جزئيا يمكن القول: أنه بسب تركيبة النظام السياسي الحالية، لا ينبغي - بحسب ظننا- ترك النظام وحده يعالج أزمة الانسداد السياسي في البلد ومن ثم مطالبته ببذل المزيد من الجهد لتخليص البلد ككل من هذه الأزمة وتبعاتها. هذا لا يعني بكل تأكيد أن النظام السياسي الذي بيده ما نسبته80% من إمكانية الحل، وفق الافتراض السابق، غير مسؤول وبصورة مباشرة عن المشكلة أو أنه غير قادر على تجاوزها.
ولكن، وفي نفس الوقت، هذا لا يعني أيضا أن القوى الإصلاحية ينبغي أن تعيش في حالة ستاتيكية مرضية دون بذل أي جهد على هذا الصعيد بحجة عدم القدرة على الفعل الايجابي أو التأثير على صناع القرار أو أن النظام السياسي لن يستجيب للقوى الداخلية، وهكذا الحال لا يختلف كثيرا بالنسبة لدفع وتشجيع حلفاء السعودية من الخارج لدفع النظام السياسي للسير قدما نحو الإصلاحات السياسية الحقيقية، وليس التوقف أو النكوص.
يظهر النظام السياسي بوضعه الحالي سيجد صعوبة بالغة في معالجة أزمات البلد وحده ككل، وبالتالي هو بحاجة ماسة إلى مؤازرة الداخل وربما دفع وحث وتشجيع الخارج أيضا. وبما أن مسؤولية الشلل السياسي في هذه البلاد تقع على عاتق الأطراف الثلاثة، وإن بنسب متفاوتة، بحسب رأي أصحاب الاتجاه السياسي العقلاني على الأقل، فمن مصلحة هذه الأطراف الثلاثة مجتمعة في التوصل إلى صيغة توافقية معينة على نوعية وسقف هذه الإصلاحات، ولو في حدها الأدنى مرحليا، وذلك لمعالجة مواطن هذا الانسداد حتى لا يتسع الخرق على الراقع ويغرق الوطن أيضا.
اعتقد أنه قد بات من الضروري بمكان أن يفكر النظام السياسي في السعودية مليا في الاعتماد على قواه الذاتية المحلية (قدرات شعبه)، حتى لا يجد نفسه يوم ما مضطرا لضغوط الخارج المكلفة، وكي لا يجد نفسه وحيدا غارقا في أزماته الداخلية لا يعرف متى وكيف وبأي ثمن سيخرج منها. محمد الشيوخ، باحث سعودي m_shayook@hotmail.com