أعراس الموريتانيين لا تكترث بفقرهم

مما تشكو الأعراس البسيطة؟

نواكشوط - يبالغ الموريتانيون في تنظيم حفلات الزفاف رغم أن وضع بعضهم المادي لا يسمح لهم بدفع جميع التكاليف، ما دفع الكثير من علماء الدين إلى إصدار فتوى تحرم البذخ في الأعراس، وتدعو إلى مساءلة من يفعلون ذلك.

وتشير صحيفة "الاتحاد" الإماراتية إلى أن أغلب السياسيين والمشاهير أقلعوا عن عادة الاحتفال بطقوس مبالغ فيها، وأصبحوا يفضلون الحفلات البسيطة ليتركوا عادة الاحتفال بالأعراس الباذخة لغيرهم من كبار الموظفين وأبناء الطبقة المتوسطة وبعض رجال الأعمال، بينما يعاني باقي أفراد الشعب من الفقر والجوع.

ويقول عالي الشيبوب (منظم حفلات أعراس) إنه أشرف على تنظيم عدد من حفلات الزفاف أشبه بحفلات ألف ليلة وليلة تم خلالها استيراد الحلوى والمأكولات والزينة من فرنسا، ودعوة فرق موسيقية عريقة في موريتانيا والسنغال والمغرب، إضافة إلى صرف مبالغ طائلة على "نقطة العرس" وغيرها.

ويضيف أن "أغلب الأســر في مــوريتانيا تحاول الظهور في أحسن حلة في حفل الزفاف، وإقناع الآخرين أنها تعيـش في مسـتوى اجتماعي راق جـدا"، منوهـا إلى أن البذخ فـي حفل الزفـاف يمثل أحد أهم المظاهـر التي تتمسـك بها العوائل لتأكيد ثرائها، ذلك "فهـي تضـحي من أجل أن تمر هذه الليلــة في أحسـن الظروف، وتظل ألســنة النـاس تلهج بها لفترة طويلة وتحكي عن تفاصيل العرس لمن لم يحضره".

ولا يزال الاحتفال بالعرس الموريتاني يتسم بالبذخ والمغالاة، سواء في مطالب العروس أو هدايا العريس أو الحفل الرئيس، الذي تفوق ميزانيته أحيانا ميزانية عشرين حفل زفاف متوسط التكلفة، ما دعا بعض الفقهاء والعلماء إلى التدخل لحث الأسر على عدم المغالاة والإسراف في الأعراس ومنع الناس من دخول دوامة المزايدة في الأعراس والبحث عن أحدث طريقة للاحتفال بالعرس.

وتقول رقية بنت البخاري إنها حضرت الكثير من حفلات الزفاف الأسطورية التي ظلت محور حديث الناس لفترة طويلة في موريتانيا من بينها حفل زفاف كريمة رجل أعمال متخصص في مجال العقارات، "حيث تم تنظيم العرس وفق طقوس احتفالية مبالغ فيها، وكانت مظاهر البذخ والإسراف واضحة في عدد المطربين الذين تمت دعوتهم، وكميات الطعام والشراب والحلويات الفاخرة التي تم تقديمها، إضافة إلى الزينة وزفة العروس وكمية المال الذي تم تقديمه أثناء "نقطة العرس".

وتعتبر بنت البخاري أن ظاهرة البذخ في الأعراس أصبحت تتخذ سلوكا للتفاخر والتسابق في التبذير، حيث إن الجميع يبحث عن أحدث طريقة للزفة وزينة القاعة وأنواع الطعام، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة غير حضارية وتثير الضغائن والأحقاد في المجتمع.

ودعت إلى التخلص من هذه العادة والتنازل عن المطالب التي تقف في وجه الراغبين في الزواج وتسبب العنوسة لاسيما في أوساط النساء.

ويحرص المدعوون إلى العرس المقام على التقاليد الموريتانية على تقديم "نقطة العرس" وهي عبارة عن مبلغ مالي يقدمه كل شخص قدر استطاعته إكراما للعروسين، وقد حوّلت هذه العادة الزفاف الموريتاني إلى زفاف مكلف للغاية، ليس فقط للعروسين بل للمدعوين أيضا، خاصة أن هذا التقليد أصبح خلال السنوات الأخيرة مجالاً للتباهي والاستعراض والتفاخر، ومصدر إزعاج للمدعوين الذين يقعون في الحرج بسبب عدم قدرتهم على تأمين نقطة العرس، أو كما يسميها الموريتانيون "التعلاق".

وإذا كانت نقطة العرس في باقي الدول العربية تقدم للعروسين لمساعدتهما على مواجهة متطلبات الحياة وأعباء العرس المادية، حيث تتخذ النقطة شكل إعانات عينية أو مالية تقدم مباشرة أمام المدعوون في العرس، فإنها في موريتانيا تقدم إكرام للعروسين لكن المستفيد منها هم المطربون الشعبيون الذين يحيون الحفل.

وتضاف نقطة العرس إلى أعباء وتكاليف كثيرة يتحملها أهل العروسين، خاصة أن الكثير من المدعوين وأقارب العروسين يبالغون في تقديم نقطة العرس ويتحول الأمر إلى ما يشبه المضاربة للفوز بإعجاب الحاضرين، حيث يتسابق بعض المدعوين إلى تقديم أكبر مبلغ مادي.

وتشكل هذه العادات بالنسبة للشباب المقدم على الزواج عقبة كبرى أمام إكمال مشروع الزواج وفق ما كانوا يحلمون به، حيث يحاول كل شاب الإيفاء بوعوده واحترام العادات الاجتماعية التي تميز العرس الموريتاني رغم أنها مكلفة، ويساعد الأهل كل حسب استطاعته العريس بتحمل بعض تكاليف الزواج كشراء هدايا العروس وأثاث وتجهيزات البيت أو المساعدة في بعض مصاريف حفل الزفاف.

وتزيد صرعات حفلات الزفاف والتنافس المحموم على ابتداع شيء جديد ومختلف من معاناة المقبلين على الزواج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتخطيط للزفاف للمرة الأولى حيث يحاول كل شخص ابتكار موضات جديدة وتبني أفكار غير مسبوقة ونشرها لتضاف إلى العادات الأصيلة التي من الواجب احترامها وتضمينها لحفل الزفاف، ويجعل هذا التزاوج بين العادات والموضة الجديدة الاحتفال بالزواج حدثا مكلفا، خاصة أنه اصبح مجالا للتباري والمنافسة.

ومن أحدث طرق الاحتفال بالزفاف تنظيمه في البادية ولعل ولع الموريتانيين بالبادية جعلهم يفضلون إقامة أعراسهم بها وهي موضة منتشرة بكثرة هذه الأيام فأهل المدينة يحنون إلى البداوة للاستمتاع بأجواء من الهدوء، والتلذذ بصفاء الطبيعة المصحوب بالأهازيج والأشعار.

ورغم غلاء المعيشة وكثرة أعراس الموريتانيين وارتفاع مستوى النقطة وعادات حفل الزفاف وتأسيس بيت الزوجية، فإن الموريتانيين يبدون اهتماما كبيرا بشهر العسل ويتنافسون في ابتكار قواعد وأساليب جديدة للاستمتاع بهذه الفترة المميزة في حياة الزوجين، ويحرص غالبية الموريتانيين على قضاء شهر عسل حتى لو اقتصر على رحلة سريعة لأسبوع أو عشرة أيام.