أعراسنا الانتخابية!

بقلم: جواد البشيتي

يحق للعرب أن يفخروا بمساهمتهم الجليلة في إثراء الثقافة الديمقراطية بإدخالهم كلمة "العرس"، بمعناه الشرقي العربي، في وصف كل انتخابات برلمانية، أو رئاسية، يتجشمون مشقَّة إجرائها، فانتخاباتنا "أعراس"؛ ولن نقف على المعاني الحقيقية للانتخابات العربية، الكثيرة المتكاثرة، ما لَمْ نقف على ثقافة وتقاليد وعادات.. وخواص الزواج والأعراس في مجتمعاتنا العربية. فـ "العروس"، وعلى وجه العموم، هي كناية عن "الشعب"، أو "الناخِب"، الذي اغْتُصِبَت وزُوِّرت وبيعت إرادته السياسية، التي، قبل ذلك، لم يكن فيها من "الإرادة الحرَّة"، ومن "السياسة"، إلاَّ ما يؤكِّد أنَّها أقرب إلى العدم منها إلى الوجود.
لقد أسعدهم، وأثلج صدورهم، الرئيس أوباما إذ أخبرهم أنَّ أحداً في العالم، ولو كان القوَّة العظمى في العالم، لا يحقُّ له أن يَفْرِض عليهم، وعلى شعوبهم ومجتمعاتهم، قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية، ولو كانت عالمية (لجهة إنتاجها واستهلاكها) عابرةً للحدود بين القارات والدول؛ وإذ زوَّدهم زورقاً للنجاة من "مخاطر" الديمقراطية، هو "زورق الخصوصية (القومية والثقافية..)"، فغدا "التعريب" لها، أي للديمقراطية العالمية، مرادفاً للمسخ، إنْ لم يكن للنفي والإلغاء.
كل "مُعرِّب" لها يحقُّ له أن يرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية على هيئة "عُرسٍ"، تبتسم فيه العروس المُكرهة على الزواج، أو المباعة بثمن بخس، نجتهد في تحسين وتجميل تسميته ووصفه؛ أمَّا "المنتحِبون"، وبعضهم من "المنتخِبين" أنفسهم، فلا يرونها، ولا يمكنهم أن يروها، إلاَّ على هيئة جنازة، فالميِّت هو دائماً قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية؛ والقبر الذي يُدْفَن فيه هو دائماً تلك الانتخابات، التي كلَّما ازدهرت عندنا تصحَّرت الديمقراطية، بصفة كونها نمط عيش وتفكير.. وطريقاً إلى التغيير.

إنَّنا لا نجرؤ على التشكيك في الانتخابات النيابية اللبنانية، لجهة "نزاهتها" و"شفافيتها" و"ديمقراطيتها" و"سلامتها الإجرائية" و"حُسْن سيرها"، فالشهود الذين يملكون سلطة الحُكْم، أو ما يشبه القول الفصل، شهدوا على "جودتها"، بحسب تلك المعايير والمقاييس، ولم يروا فيها شيئاً من التزوير. حتى الخاسرون، وفي مقدَّمهم "حزب الله"، سلَّموا بخسارتهم، وتقبَّلوها بـ "روح رياضية"، ولم يشكِّكوا، من حيث المبدأ والأساس، في سلامة وشرعية نتائجها، متَّخِذين من خسارتهم، ومن فوز خصومهم، قوى الرابع عشر من آذار، دليلاً جديداً وقوياً على أنَّ "سلاح المقاومة" محايد انتخابياً، ولا يملك من تأثير يُذْكَر في ميزان القوى السياسي بين الطرفين، أي لم يساهم؛ لأنَّ أصحابه لا يريدون له أن يكون مساهِماً، في ترجيح الكفَّة الانتخابية لقوى الثامن من آذار على الكفَّة الانتخابية لقوى الرابع عشر من آذار؛ ولا بدَّ، بالتالي، للأكثرية النيابية من التخلي عن الدعوة والسعي إلى نزعه من أيدي حامليه، فهو للدفاع عن لبنان كله، وعن اللبنانيين كافة، ولدرء المخاطر العسكرية الإسرائيلية عنه وعنهم.
"الاقتراع" بحد ذاته لم يشهد "تزويراً"، و"لعبة تنجيح الخاسر في صندوق الاقتراع من خلال فرز الأصوات" لم تُلْعَب لبنانياً، مع أنَّها جزء لا يتجزأ من مفهوم "الديمقراطية المُعرَّبة".
ولكنَّ التزوير عمَّ وانتشر بمقياس "المحتوى الديمقراطي" لتلك الانتخابات النزيهة، فإنَّ أحداً من الحريصين على قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية، بوجهها العالمي الذي لم يشوِّهه "التعريب" المتلفِّع بالحرص على "الخصوصية"، لا يستطيع أن يُنْكِر أنَّ كثيراً من التزوير الذي تعرَّضت له "إرادة الناخب" هو الذي أنتج فوز الفائزين وخسارة الخاسرين.
و"أدوات التزوير"، التي بعضها قديم وبعضها جديد، هي، في أبرزها وأهمها، "المال الانتخابي"، الذي زُجَّ به في معركة "تأليف القلوب"، أي شراء الأصوات، والذي هو غيض من فيض المال العام الذي سُرِقَ ونُهِب من قبل؛ والتلويح بـ "عصا قَطْع الأرزاق"، فالناخب استبدَّ به الشعور بالخوف من أن يخسر وظيفته وعمله.. إذا لم يستعمل صوته في "تفويز" هذا المرشَّح، أو تلك "اللائحة؛ وشَحْن الناخبين بمزيدٍ من العصبية الدينية المُعْمية للأبصار والبصائر، والتي بفضلها تنتصر "المصالح الوهمية" للناخب على "مصالحه الحقيقية الواقعية"، ويتلاشى تلاشياً زائفاً خادعاً كل فرق بين الرعية والرعاة في "مرعى الانتخابات"؛ وتصوير كل "فَرْق سياسي" بين الخصوم على أنَّه لبوس، ليس إلاَّ، تلبسه طائفة دينية في سعيها إلى الهيمنة على طائفة دينية أخرى، وكأنَّ "البرنامج السياسي" كلمة حقٍّ يراد بها باطل؛ وجَعْل "الدائرة الانتخابية" بخواص ديمغرافية وجغرافية تُنْتِج، وتعيد إنتاج، النظام السياسي ذاته، أي الذي فيه، وبه، يتقاسم الممثِّلون السياسيون (الحزبيون) للطوائف الدينية الحكم والسلطة والبرلمان.. و"الغنائم" بعد ذلك، فاختلاف "الهوى السياسي" للمتماثلين في "الهوية الطائفية الدينية" لا يُتَرْجَم بما يسمح بالإصلاح الديمقراطي للنظام السياسي، الذي لا فائز غيره في كل انتخابات نيابية؛ ونشر الخوف بين اللبنانيين على اقتصادهم وسياحتهم، وعلى وظائفهم وأرواحهم، فالولايات المتحدة لن تتورَّع عن الإضرار بمصالح لبنان واللبنانيين إذا لم تَفُز قوى الرابع عشر من آذار، أمَّا إسرائيل فقالت وفعلت بما جَعَل كثير من اللبنانيين يتخوَّفون من أن يأتيهم فوز المعارضة بمزيدٍ من الدمار والموت الإسرائيليين.

بفضل تلك "الحيوية الديمقراطية" للنظامين الانتخابي والسياسي في لبنان، رأيْنا نحو نصف اللبنانيين، أو الناخبين اللبنانيين، لا يملكون شيئاً من الدوافع والحوافز الانتخابية، فاحتفظوا بأصواتهم في منازلهم، أي لم يتوجَّهوا إلى صناديق الاقتراع، وكأنَّ الأمر كله لا يعنيهم أبداً، وكأنَّ "الناخِب الجيِّد" هو الذي لا يَنْتَخِب.

أمَّا من شاركَ، فلم يشارِك إلاَّ ليؤكِّد أن لا حرِّية، ولا ديمقراطية، في مجتمع يقلُّ فيه، ويتضاءل، عدد الأحرار والديمقراطيين، فأنتَ يكفي أن تقف على حقيقة الدافع أو الحافز الانتخابي لدى "الناخب الإيجابي"، أي الذي أدلى بصوته، حتى تتأكَّد ضآلة وجود القيم والمبادئ الديمقراطية في دافعه أو حافزه، وكأنَّ يوم الانتخاب هو اليوم الذي فيه نخلع الأقنعة، لِنُظْهِر وجوهنا الحقيقية، ويتسلَّح بعضنا ضد بعض بكل عصبية منافية ومضادة للقيم والمبادئ الديمقراطية، التي في أوقات الهزل نتغنى بها، فإذا جد الجد أسرعنا في نبذها والتخلِّي عنها، وكأنَّ الانتخابات مع نتائجها هي المرآة التي فيها نرى صورتنا الحقيقية.

لقد فهمنا الانتخابات على أنَّها "النسخة السياسية" من "السوق الحرَّة"، فلمالِك صوته الحق في أن يبيعه، وللمحتاج إليه الحق في أن يشتريه، فـ "العقد شريعة المتعاقدين"، ولو خالف كل شريعة!

إذا كان نصف الناخبين قد لازموا بيوتهم فإنَّ غالبية النصف الآخر، وعلى ما أرى وأعتقد، غير مقتنعين، في قرارة أنفسهم، بصواب وسلامة تصويتهم، فسياسة "العصا والجزرة"، أو سياسية "الترهيب والترغيب"، هي دائماً في صدارة الدوافع والحوافز الانتخابية للمقترعين، فـ "التزوير" لا يغيب عن "الصندوق" إلاَّ ليؤكِّد حضوره في "الإرادة"، وكأنَّ "الانتخابات الديمقراطية" هي علم وفن تزوير إرادة الشعوب والناخبين!

"الانتخابات" كما "الحروب"، فيها تُخْتَبَر "شخصية" المجتمع، و"شخصية" طرفي المعركة الانتخابية، وهما "المُرشَّح" و"الناخِب"؛ ولَمْ نَرَ، حتى الآن، من نتائج الاختبار، إلاَّ ما يسر العدى، ويغيظ الصديق.

من قبل، وغير مرَّة، رأيْنا "الصوت الانتخابي"، بَيْعاً وشراءً. رأيْنا "السِعْر"، بـ "الجنيه"، أو الدولار، أو الدينار، أو بـ "الأرُز" و"السُكَّر" و"الصابون".. يصعد ويهبط بحسب "العَرْض والطَلَب". لقد رأيْنا "المال السياسي"، الذي يُقَدِّس ويُؤلِّه ذووه وممثِّلوه "حقوق الإنسان"، أي حقوق إنسانٍ يرى العدم خير من الوجود، مُتَلبِّساً بـ "الجريمة".. جريمة "الدعارة السياسية"، فذوو "المال السياسي" كانوا، وعلى رؤوس الأشهاد، يَزْنون بـ "الناخِب"، الفقير المُعْدَم، يشترون "صوته"، و"إرادته السياسية"، و"حقوقه الديمقراطية (والإنسانيَّة) المقدَّسة"، بثمن بخس، لا تعدله خساسة سوى تلك "الثلاثين من الفضة" التي باع بها يهوذا الاسخريوطي المسيح.

"الأنانيَّة" و"الغَيْريَّة" ضدَّان، الأولى "مذمومة"، في القيم والمبادئ الأخلاقية التي نعتزُّ بها، والثانية "محمودة". "الأنانيَّة" هي "الأنا" مضخَّمة. أمَّا "الغيريَّة" فهي "الإيثار"، أي تفضيل "الغَيْر" على "الذات". كُلُّنا، حتى أكثَرُنا "أنانيَّة"، لن نشُذَّ عن "الإجماع الأخلاقي"، أو عَمَّا تواضَعْنا عليه أخلاقياً، فَنَدْعو إلى "الاستمساك بالأنانيَّة"، و"نَبْذ الغيريَّة"، مع أنَّ "الممارَسة الأخلاقيَّة" تُرينا من "التناقض الأخلاقي" أوْجُهاً كثيرة، فـ "اللص" يحضُّكَ، دائماً، على "الأمانة" و"الاستقامة".. حتى يسهُلَ عليه "سرقتكَ"، و"الكذوب"، أو "الكذَّاب"، يحضُّكَ، دائماً، على الصدق، حتى يسهُلَ عليه جَعْلِكَ مُصدِّقاً لـ "أكاذيبه". و"الفاسِدون في الأرض" لا يلبسون غير لبوس "العِفَّة"، ويَشْكون شكوى "فضيلة" أُسيء فهمها.. والناس، كل الناس، بالنسبة إليهم، إمَّا فاسِدون، وإمَّا منْتَظِرون فرصة لـ "الفساد".

ولكن، دعونا نَشُذُّ، فليس كل ما يلمع ذهباً. دعونا ندعو إلى تَعَلُّم "الأنانيَّة السليمة"، فالطَّامَّة الكبرى أنَّنا في مجتمع نَتَّجِرُ فيه بأعزِّ ما نملك، وبما ينبغي لنا، لو كنَّا أحراراً، أنْ نُنَزِّهَهُ عن البيع والشراء. نبيع فيه، وبثمنٍ بخسٍ، "إرادتنا السياسية الحرَّة"، أي هذا "الوهم الخالص"، الذي، في "موسم الانتخابات"، نَكْتَشِف أنَّه كذلك، أي "وهم خالص".

هذا "الناخِب" لَمْ يتعلَّم "الأنانيَّة السليمة"، فضحَّى بـ "مصالحه الحقيقية" في سبيل ذوي المصالح الفئوية (والشخصية) الضيِّقة.. لَمْ يَعِ حقوقه ومصالحه فَلَمْ يَعْرِف، بالتالي، كيف يدافع عنها.

لقد مَلَّكوه "بضع جنيهات أو دنانير"، أو "بضع قطعٍ من الصابون"، فامتلكوه، "صوتاً"، و"إرادةً"، ثمَّ احتفلوا بـ "النصر الديمقراطي"، الذي فيه مُنِيَت "الديمقراطية"، بكل قيمها ومبادئها، بهزيمة مُنْكَرة، فَشَهِدَ "صندوق الاقتراع" أنْ لا ديمقراطية ما دام "المال السياسي" حيَّاً يُرْزَق، يُؤبِّدُ، عَبْرَ "تَسْليعه" الضمير، والذمَّة، والإرادة، والصوت، حُكْم الأموات للأحياء.

عن أي "ديمقراطية" يتحدَّثون؟!

عن "ديمقراطية" تجيء بـ "انتخابات"، تجيء بفوز لـ "مرشَّحٍ"، لا يُمثِّل (بَعْدَ انتهاء الموسم الانتخابي على وجه الخصوص) إلا مصالح مضادة لمصالح ناخبيه؟!

عن أي "حرِّيَّة" يتحدَّثون؟!

عن "حرِّيَّة" جاءت بملايين الناخبين إلى صناديق الاقتراع، لتأتي نتائج الاقتراع "الحر" بخير دليل على أنَّ "الأحرار" من الناخبين هُمْ قطرة في بحر الملايين منهم.

"المال السياسي"، أي المال الذي ينفقه صاحبه في سبيل "النفوذ السياسي"، و"المنصب البرلماني والحكومي"، الذي يعوِّضه "خسارته المالية" قَبْلَ أنْ يأتيه بالربح المالي المجزي، إنَّما هو "الحرام" بعينه، و"الجُرْم" بعينه، و"القمع" بعينه، و"الإرهاب" بعينه، و"الاستبداد" بعينه، و"الفساد" بعينه، وقد حان لنا تجريمه، وتجريم صاحبه؛ كيف لا والله لعن الراشي والمرتشي والرائش؟!

ولو جازت "المفاضَلة"، وجاز لي أنْ أُفاضِل، لَفَضَّلْتُ، ألف مرَّة، بائعة جسدها، ومشتريه، على بائع صوته الانتخابي ومشتريه!

"المال السياسي" إنَّما "يُسْتَثْمَر" بما يؤكِّد أنَّه "أسوأ دعارة"، فشتَّان ما بين بيع المرأة لجسدها، على قُبْحِ هذه التجارة، وبيع الكاتب لروحه، أي لعقله، وضميره، وفكره، ومبادئه، ولكل ما يراهُ حقَّاً، قَبْلَ أنْ يقوم بتلبيسه بالباطل.. وبيع الناخِب لصوته.

ليس من مال يفوق سوءا وقبحا "المال السياسي" الذي ينفقونه في "تأليف القلوب"، و"كسب العقول"، أي في امتلاك صوت الإنسان (أو المواطن) إذا كان ناخباً، وقلمه ورأيه إذا كان صحافيا أو كاتبا، وولائه أو سكوته إذا كان معارِضاً، وفتواه واجتهاده إذا كان رجل دين، وعدالته إذا كان قاضيا، وغنائه إذا كان مطربا، وفنِّه إذا كان فنانا،.. إلخ.

لقد استمرأوا لعبة "تأليف القلوب" حتى جعلوا المجتمع لجهة علاقته بالفساد على فئتين اثنتين ثالثتهما ليست بذي أهمية: فئة فَسَدَت وأفْسَدَت، وفئة تَنْتَظِر، أي أنَّها لَمْ تَفْسَد بعد؛ لكون فرصة الفساد لَمْ تتهيَّأ لها بَعْد.

وغدا البشر (في سوق المال السياسي) بضائع تتفاوت في قيمها، وأسعارها التي يتحكَّم فيها صعودا وهبوطا قانون "العرض والطلب" في السوق السياسية والفكرية. أمَّا من يأبى ويستكبر من بعض تلك البضائع التي تشتد حاجة الحكومات إليها فقد يُعالَج بآخر علاج وهو "الكي". هناك من يضطَّرونه إلى المفاضلة بين "العصا" و"الجَزَرَة"، وهناك من يضطَّرونه إلى المفاضلة بين "شر العصا" وبين أن "يكفي نفسه شرَّها". جواد البشيتي